هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (60)
---> عاشوراء (59)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (12)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (112)
---> قرانيات (54)
---> أسرة (20)
---> فكر (91)
---> مفاهيم (114)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : مقالات .

              • الموضوع : مادة الخطيب ومحتوى كلامه .

                    • رقم العدد : العدد التاسع والعشرون .

مادة الخطيب ومحتوى كلامه

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

مادة الخطيب ومحتوى كلامه

 

العلامة الشيخ محمد تقي فلسفي (ره)

 

المراء يُفسد الصداقة القديمة ويحلل العقدة الوثيقة". الإمام الهادي عليه السلام

 

كان على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن يقيم دعوته المباركة على ثلاثة مبادئ أساسية حددها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، ويدعو الناس إلى دين الله من خلال هذه المبادئ.

1-   الحكمة والمنطق المستدل.

2-   الموعظة الحسنة والنصيحة النافعة.

3-   المجادلة المنزهة عن الداء والعداء.

قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}([1])

ويفسر الراغب في مفردات القرآن الحكمة على أنها: اصابة الحق بالعلم والعقل.

ووفقاً لهذا التعريف، فإن الحكمة تطلق على الأمور التي تثبت صحتها وصوابها بطريق الدليل العقلي والبرهان العلمي.

وقد نعت الله سبحانه وتعالى بعض القوانين والضوابط الإسلامية التي جاءت على شكل آيات قرآنية متتالية بالحكمة، وصوابها لا يخفى على العقلاء والعلماء من الناس:

-        {لا تجعلوا مع الله إلهاً آخر... ولا تعبدوا إلا إياه}

-        {وبالوالدين إحساناً.. ولا تقل لهما اُفٍ.. ولا تنهرهما.. وقل لهما قولاً كريماً}

-        {آت ذا القربى حقه والمسكين}

-        {لا تبذر تبذيراً}

-        {لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً}

-        {لا تقتلوا أولادكم خشية إملاق}

-        {لا تقربوا الزنا}

-        {لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن}

-        {ولا تمشِ في الأرض مرحاً}

-        {لا تقتلوا النفس التي حرّم الله}

-        {أوفوا بالعهد}

-        {أوفوا الكيل.. وزنوا بالقسطاس المستقيم}

-        {لا تقفُ ما ليس لك به علم}

بعد بيان هذه التعاليم الدينية والقوانين الإسلامية، تأتي الآية الشريفة: {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة}([2])

 

الخطباء وبحوث الحكمة

حينما يكون ذهن المستمع خصباً ومهيأ للإصغاء في مجالس البحث الديني، ينبغي بالخطيب الذي يتوفر فيه عنصر الوعي والعلم أن يخصص جزء من خطبته للقضايا الحكمية، ويبحث في المواضيع التي يمكن برهنتها بالأدلة العلمية والعقلية، لأن مناقشة مثل هذه المواضيع في الاجتماعات العامة تؤدي إلى نمو الفكر وتقوية قابلية الاستدلال لدى المستمعين وترفع من مستوياتهم الفكرية والثقافية، زد على ذلك فإن طرح البحوث البرهانية والاستدلالية تلقى قبولاً لدى الحاضرين وتقنعهم سريعاً مما يرفع عن الخطيب عناء التكلف والمشقة في الوصول إلى الهدف، ويجعلهم بالتالي يواكبونه سريعاً في خطبته.

 

التتلمذ

يجدر بنا هنا، لما للكلمة الحكيمة للخطباء من أثر حسن في أذهان المستمعين، أن نشير إلى أمر ذي أثر مهم في تنمية قابليات الخطيب وبناء أفكار المتكلم.

 فيلزم بمن يرغب في أن يشحذ همته ويعد نفسه للنطق بالخطابة واعتلاء منابر الكلمة في المجتمع، أن يحضر لفترة في مجالس الخطباء الكبار المتمرسين، ويتابع كيفية البحوث ومهارة تناول القضايا المختلفة والدخول إليها والخروج منها، لأن هذه المجالس هي بمثابة دروس مستمرة، غير أن هذا الحضور يجب أن يكون عند من يتمتع بتفكير سليم وكلام مستدل، لأن أقوال الخطيب المتمرس المجرب لها أعمق الأثر في الأشخاص الحديثي العهد، وتضع لبنات مماثلة لها بنحو شعوري أو لا شعوري، وقد يرسخ ما يقتبسه الجدد من هذه المجالس ويصبح ملكة روحية لا تفارقهم حتى نهاية العمر ولا يفارقونها.

وعلى هذا، وبنفس الميزان، فإن الحضور في مجالس الخطباء الذين تخلو خطبهم من المادة النافعة والأساس الرصين يبلور الشخصية الخطابية على هذه الشاكلة، فلا ينتفع المجتمع من أقوالها في المستقبل ولا هي بالتي تحصل على المكانة اللائقة من تلك الأقوال.

 

 

         

الموعظة الحسنة

الموعظة الحسنة هي الأسلوب الثاني الذي أمر الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم باتباعه وحدده تعالى منهجاً لإبلاغ دين الحق والدعوة إليه.

ويعرف الراغب الوعظ في مفرداته بأنه: "زجر مقترن بتخويف"

فالأب الذي يريد أن ينصح ولده في أجواء الأسرة المحدودة بشأن اختيار الصديق ويعظه ويقول له: بُني، تجنب أصدقاء السوء وابتعد عن مجالسة الفاسدين العاصين، لأن الصديق السيئ من عوامل انحراف المرء عن الطريق المستقيم، وصديق السوء يترك لا شعورياً اثراً في الإنسان ويسوقه نحو طريق الفساد والانحراف، وصديق السوء يجر صاحبه إلى إرتكاب الآثام والخطايا وينفرّ عنه المجتمع ويسلك به بالتالي سبيل الشقاء والبؤس.

والواعظ الذي ينوي تقديم النصح للناس في أجواء المجتمع الواسعة بشأن الغضب ويعظهم، يقول لهم: الغضب هو كألسنة النار الخطيرة التي تلتهب في باطن الإنسان الغاضب، فاسعوا إلى الإبتعاد عن الغضب وتجنب النقاش الذي يسبب الغيض ويرفع وتيرة الغضب، وإذا ما غضبتم يوماً فاكظموه، ولا تتحدثوا بشيء ولا ترتكبوا عملاً إشباعاً لهذه الشهوة، واعلموا إذا ما فسحتم المجال للغضب ليصول ويجول وأججتم ناره، فإنكم ستقدمون على ممارسات غير مشروعة وبالتالي ستحرقون أنفسكم بنيرانه.

لقد خلق الله الإنسان بشكل جعله يتأثر بالإيحاء الخارجي ويتقبله، سواء أكان هذا الإيحاء نافعاً صالحاً له أو مضراً به، والموعظة هي نوع من الإيحاء الذي يلقيه فجعلها الله تعالى واحدة من طرق دعوة رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى جانب الحكمة.

ولمعرفة أهمية الموعظة ومكانتها، يكفينا أن نمعن في هذا الحديث الشريف: عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجبرئيل عليه السلام: عظني، فقال يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه"([3]).

والله عز وجل قد وعظ الناس في القرآن الكريم في أكثر من آية، ومنها: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}([4])

ومواعظ الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم هي الأخرى كانت كثيرة جمعها المحدثون في كتب الأخبار، ووضعوها في متناول طلابها ومنها:

عن أنس قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ناقته فقال: "أيها الناس كأنّ الموت فيها على غيرنا كتب وكأن الحق فيها على غيرنا وجب وكأن الذي يُشيَّع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون"([5])

وكان أمير المؤمنين وبقية الأئمة الطاهرين عليهم السلام ينصحون الناس ويعظونهم بمختلف العظات، محفوظة هي في بطون كتب الأخبار، فليراجع مصادر الحديث من أراد.

النقطة الجديرة بالملاحظة هنا هي: أن الله تبارك وتعالى أمر نبيه في دعوة الناس بالموعظة الحسنة، بمعنى الموعظة الخالية من أي نقص أو عيب، فهي القادرة على ادخال الناس في دين الله وهدايتهم إلى الصراط المستقيم واحاطتهم بهالة الإنسانية، وقد أفلح رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته في ظل مواعظه الحسنة.

فإذا أراد الخطيب الإسلامي الذي يتبع خطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو الناس إلى الطريق الحق بواسطة الموعظة، فعليه أن يتكلم بما أمر به الله ويتبع سلوك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن تكون مواعظه حسنة خالصة ليتمكن من أن يترك أثراً طيباً في مستمعه ويهديه إلى الصراط المستقيم وهو طريق الحق الذي لا عوج فيه.

 

وفي الموعظة جانبان مهمان لا بد من ملاحظتهما:

أولاً: أن يتوفر في فحوى كلام الواعظ عنصر التوعية والتنبيه.

ثانياً: أن يقرن كلامه بالإخلاص.

ولا بد أن تتوفر الشروط اللازمة في المستمع أيضاً من حسن الاستماع والإيمان بالله ليترك الوعظ فيه أثره الكامل، وإلا فإن أثر الوعظ سيكون نسبياً أو عديماً.

"روي أن بعض الوعاظ دخل على الرشيد يوماً فقال: عظني فقال له: أتراك لو منعت شربة من ماء عند عطشك بم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال أتراها لو حبست عند خروجها بم كنت تشتريها؟ قال بالنصف الباقي، قال فلا يغرنك ملك قيمته شربة ماء"

فمادة كلام الوعظ كانت مثيرة ومؤثرة جداً، إلا أن الأهواء والميول النفسية منعت عن هارون العودة إلى نفسه والاستيقاظ من نوم الغفلة، وسلوك طريق العدل.

فإذا كانت مادة كلام الواعظ مؤثرة يقولها عن إيمان تام واخلاص كامل، وكان مستمعه مؤمناً بالله وبتعاليم السماء يستقبل أقوال الواعظ بحسن استماع، فإنه يقع تحت تأثيرها ويسعى لإصلاح أخلاقه وأعماله، وقد ترى من بين المستمعين من ينقلب حاله بأثر سماع نصائح الواعظ ويفقد طاقة تحمله، فيشهق ويسقط ميتاً في الحال، والتاريخ الإسلامي يحمل في طياته مثل هذه المشاهد.

يروى أنه كان عالم من العلماء مؤثر الكلام قوي التصرف في القلوب وكان كثيراً ما يموت من أهل مجلسه واحد أو اثنان من شدة تأثير وعظه، وكان في بلده عجوز لها ابن صالح رقيق القلب سريع الانفعال وكانت تحترز عليه وتمنعه من حضور مجلس الواعظ، فحضره يوماً على حين غفلة منها فوقع من أمر الله تعالى ما وقع، ثم ان العجوز لقيت الواعظ يوماً في الطريق، فقالت:

لتهدي الأنام ولا تهتدي    إلا أن ذلك لا ينفع

فيا حجر الشحذ حتى متى    تسن الحديد ولا تقطع

فلما سمعه الواعظ شهق شهقة فخر من فرسه مغشياً عليه فحملوه إلى بيته فتوفى إلى رحمة الله.

بعبارة قصيرة نافذة، وعظت هذه المرأة واعظ المدينة واثرت فيه إلى درجة أنه شهق شهقة وخر من فرسه مغشياً عليه فحملوه إلى بيته، لكنه لحق سريعاً ببعض مستمعيه المؤمنين ورحل إلى دار الخلود. فعلمت هذه المرأة أن واعظ المدينة كان رجلاً إلهياً مؤمناً يتحدث عن إخلاص وحق، فإذا كانت موعظته قد اودت بحياة ولدها الطاهر المؤمن، فإن موعظتها أيضاً قد وضعت حداً لحياة هذا الواعظ الكبير.

وخلاصة القول: فإن الواعظ المؤمن الذي يتحدث بنية مخلصة، هدفه هداية الناس إلى الصراط المستقيم بالموعظة الحسنة وتأمين السعادة لهم، هذا الواعظ يترك ـ مما لا لبس فيه ـ أثراً في نفوس المنزهين عن العناد واللجاجة من مستمعيه ويهديهم إلى سبيل الفلاح والصلاح.

أما إذا اتخذ الخطيب موقفاً ممالئاً لطاغوت زمانه، وحاول تنفيذ مآربه في لباس الموعظة، أو أنه كان واقعاً تحت تأثير أفكار شيطانية وهدفه تحقيق نواياه الباطلة، أو أية عوامل أخرى تركت فيه أثرها كحب الجاه ورغبة التفوق والغرور، وسعى بطريق الموعظة للوصول إلى أغراضه فإن ذلك ليس من الموعظة الحسنة في شيء، بل هي رغبات نفسية تتخذ من صبغة الموعظة واجهة لها.

فلما أراد الشيطان خداع آدم وحواء في الجنة وحثهم على الأكل من الشجرة المنهية عنها، تلبس بلبوس النصيحة، وأقسم لهما أنه من الناصحين لكسب ثقتهما، {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين}([6]).

 

المعصية وعذاب القيامة

حينما يدخل الخطيب الإسلامي في الموعظة وهو على منبر الخطابة، ويريد تحذير الناس من المعصية والرذيلة، يلزم به ـ لكي تؤثر مواعظه في المستمع وتوقظ الغافلين وتحيي القلوب الميتة أن يشير في موعظته إلى يوم القيامة وجزائه والعقاب الإلهي، ويورد بعض الآيات والأحاديث التي تناسب البحث ويشرحها للمستمع ويوضح معانيها له ويدعوه إلى التدبر في الآيات والأحاديث ويشجعه على ذلك، عندها يستطيع الواعظ أن يؤثر في المستمع النّقيّ السريرة ويردعه عن ارتكاب المعاصي.

الأمر الجدير بالاهتمام هنا الذي أكدت عليه الأحاديث الشريفة هو أن يتجنب الخطيب الإسلامي الاسهاب في الكلام عن العذاب الإلهي والمبالغة في هذا الجانب والإصرار عليه، لأنه يؤدي إلى يأس المستمع وقنوطه، وقد جاءت الكثير من الروايات بهذا الشأن:

عن الإمام علي عليه السلام قال: "الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله ولم يؤمنهم من مكر الله"([7]).

إن معيار السعادة الإنسانية في الإسلام هو حسن العاقبة، ولكي لا يقنط العاصون المذنبون من الرحمة الإلهية الواسعة ذكرت بعض الأحاديث الشريفة أنه ربما يرتكب بعض الاشخاص في أيام العمر المعاصي والآثام ثم يرحلون عن الدنيا بعاقبة حسنة، أو بالعكس قد تنتهي حياة البعض بسوء العاقبة رغم حرصهم على الصلاح طيلة الحياة.

قال الإمام علي عليه السلام من جملة وصاياه للإمام الحسين عليه السلام: "أي بني لا تُؤيس مذنباً فكم من عاكف على ذنبه ختم له بخير وكم من مقبل على عمله مفسد في آخر عمره سائر إلى النار نعوذ بالله منها"([8]).

 

المنُاظرة والجدل

الطريق الثالث الذي وضعه الله تبارك وتعالى أمام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لدعوة الناس إلى الدين هو المناظرة والمجادلة، ولكن أية مجادلة؟ المجادلة بالتي هي أحسن التي لا تنتهي بالمراء والعداء.

قال تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن}([9])

ويقول الراغب في مفردات القرآن: الجدل: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة.

وقد جاء في القرآن الكريم والروايات الإسلامية نماذج للجدل المشروع المسموح به الذي لم ينته إلى خصام، وفي ما يلي نشير إلى بعضها وهي تحدد معايير خاصة يستطيع المسلمون اتباعها لو أرادوا الخوض في مناقشات ومناظرات خالية من المراء والعداء.

قال الإمام العسكري عليه السلام: قال الإمام الصادق عليه السلام وقد ذكر عنده الجدال في الدين، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام قد نهوا عنه: لم ينه عنه مطلقاً لكنه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن أما تسمعون الله يقول: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}

وقوله تعالى: {أُدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}

فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين والجدال بغير التي هي أحسن محرم حرمه الله تعالى على شيعتنا، وكيف يحرم الله الجدال جملة وهو يقول: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}([10])

فجعل الله علم الصدق والإيمان بالبرهان، وهل يؤتى البرهان إلا في الجدال بالتي هي أحسن؟

فيسأل الإمام الصادق عليه السلام عن الجدال بالتي هي أحسن والتي ليس بأحسن، فيجيب عن السؤال، ويقول عن الجدال بالتي هي أحسن:

فهو ما أمر الله به نبيه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت وأحيائه له فقال الله حاكياً عنه: {وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم}

فقال الله في الرد عليه: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم}([11])

فأراد الله أن يجادل المبطل الذي قال: كيف يجوز أن يبعث الله هذه العظام وهي رميم، فقال الله تعالى: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة}

لقد بين الإمام الصادق عليه السلام هاتين الآيتين الكريمتين في مقام الجدل المشروع والمجادلة بالتي هي أحسن، وفي كلتا المجادلتين أجيب السائل وانتهى الجدل بلا مراء وعداء.

 

الجدل المنبوذ

الجدل اللا مشروع والمذموم هو الجدل الذي يراد من ورائه إبطال حق أو إحقاق باطل أو تحقير المجادل ووصمه بالعار، فهذا النوع من الجدل الذي يؤدي إلى العداء والخصام ويفرط عقد الأخوة الإسلامية مرفوض في الإسلام وليس له أية مشروعية.

 

الخطباء والجدال اللا مشروع

لا يواجه الخطيب الإسلامي الذي طوى مدارج العلم وتبحر في علوم القرآن الكريم أي مشكل في بيان الكلمة الحكيمة والموعظة الحسنة وهما البندان الأول والثاني في الأمر الإلهي للرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ويتمكن من الخوض في هذين البندين بمقدار معلوماته ويدعو الناس إلى سبيل الله، إلا أن المشكلة الكبيرة التي تواجهه هي البند الثالث من الأمر أي الجدل (بالتي هي أحسن) لأن الخطباء المتكلمين متمرسون على الكلام وقادرون منه، لذا فربما تزلقهم القدرة على المجادلة والمناقشة فيخرجون عن حدود الجدال المشروع الذي يرضي الله تعالى ويدخلون نطاق المراء والخصام.

وللمزيد من التوضيح، نورد هنا مثالاً على الجدل المشروع وغير المشروع عند الخطيب، يجب أن يصبح معياراً لجميع المسلمين وعامة الناس المؤمنين، حيث يتوجب عليهم مراقبة أقوالهم ومجادلتهم كي لا تؤدي إلى العداء والخصومة فيما بينهم:

 يخطئ أحد الخطباء وهو على منبر الخطابة لدى توضيح آية كريمة أو حديث شريف أو إلقاء بيت شعري، ثم يغادر منبره بعد نهاية خطابه ويجلس عدة دقائق للاستراحة بين صفوف المستمعين، فيقوم إليه أحدهم فيتكلم بحق حول خطأ الخطيب، فماذا سيكون رد فعل الأخير؟

إذا تقبل كلام المستمع وشكره على انتقاده، فإنه قد قام بمسؤوليته الإنسانية والإسلامية على أحسن وجه يستحق التقدير والثناء عليه.

وإذا لم يطق الانتقاد الصحيح المحق واعتلاه الغضب واتخذ لنفسه حالة دفاعية وهاجم المتكلم ببيانه البليغ وهزمه ورده على أعقابه خجلاً من الناس، فهذا يعد جدلاً غير مشروع يثير الضغينة والعداء وقد منعه الإسلام وحذر منه.

وليس فقط على الخطيب أن يلتزم الصمت إذا كان هو مخطئاً والمستمع محقاً بإنتقاده، ويمتنع عن الجدال، بل يوصي الإسلام أيضاً أن يتجنب الخطيب الجدل إذا كان هو محقاً وانتقاد المستمع في غير محله.

عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء والجدال وإن كان محقاً"([12]).

ففي الجدال العدائي يحاول كل طرف من طرفي النقاش وبدافع غريزة حب الذات أن ينتصر على صاحبه ويلحق به الهزيمة، وهذا بحد ذاته عامل من العوامل المهمة في إثارة العداء وتأجيج الخصام.

عن الإمام أبي الحسن الهادي عليه السلام قال: "المراء يفسد الصداقة القديمة ويحلل العقدة الوثيقة وأقل ما فيه أن تكون فيه المغالبة والمغالبة أس أسباب القطيعة"([13]).

وينبغي بالواعظ والخطيب المعروف في المجتمع أن يلتفت إلى وجود بعض الأفراد الذين قد يصح أن نطلق عليهم بأنهم مرضى البحث والجدال، ورغم قلة معلوماتهم الدينية فهم يتلذذون في فتح موضوع مع عالم الدين تحت عنوان السؤال الديني، والدخول معه في نقاش وجدال لا طائل منه، ثم التحدث في المجتمع صدقاً أو كذباً عن تفوقهم وانتصارهم وهزيمة مباحثهم.

فعلى الخطيب الديني أن يتجنب البحث مع أمثال هؤلاء والخوض في مراء وجدال غير مشروع معهم حتى لو انعكس في المجتمع أنه يتهرب من النقاش لخلوه من المعلومات، وهذا السلوك الحكيم الذي يرضي الله تعالى هو مصداق للرواية التالية عن الإمام الحسين بن علي عليهما السلام: فقد روي أن رجلاً قال للحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام: "اجلس حتى نتناظر في الدين، فقال: يا هذا أنا بصير بديني مكشوف على هداي فإن كنت جاهلاً بدينك فاذهب فاطلبه، مالي وللمماراة وإن الشيطان ليوسوس للرجل ويناجيه ويقول ناظر الناس في الدين لئلا يظنوا بك العجز والجهل"([14]).


[1] النحل/125

[2] الإسراء: 23ـ 39

[3] كتاب سفينة البحار، ج2 ، وعظ: 669

[4] النحل: 90

[5] كتاب ميزان الحكمة 10: 560

[6] الأعراف:21

[7] كتاب نهج البلاغة: الكلمة90

[8] كتاب تحف العقول:91

[9] النحل:125

[10] البقرة:111

[11] يس:78ـ 79

[12] كتاب المحجة البيضاء ج5 ص 208

[13] كتاب بحار الأنوار ج 75 ص 369

[14] كتاب مستدرك الوسائل ج 2 ص 98

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2016/03/22   ||   القرّاء : 688


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



  مصيبةُ الإمامِ الحسين (عليه السلام) ابكت كلُّ الوجودِ

  . لماذا ثار الإمام الحسين(عليه السلام)؟

  العباس بن علي عطاء وإيثار

  الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) يرفض البيعة ليزيد ويخرج ثائرا

  إحياء أمر أهل البيت(عليهم السلام)

  الأبعاد المعنوية في شخصية الإمام الحسين عليه السلام

  شرح خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) في مكة

  رسالتنا في شهر محرم

  عاشوراء في ضوء فكر الإمام الخامنئيّ (دام ظله)

 أقوال مأثورة عن الإمام الحسين عليه السلام

 

مواضيع عشوائية :



 هيئة علماء بيروت تستنكر تصرفات "مجلس التعاون الخليجي "تجاه المقاومة

 قصة قصيدة الله يا حامي الشريعة

 ما هو البرزخ؟

  . لماذا ثار الإمام الحسين(عليه السلام)؟

 الجزاء الأخروي

 قالوا في الإمام الحسين عليه السلام

 المهديُّ في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة

 بحث روائي حول الصوم

 ملاحق كتاب الشيعة في العالم

 كيف نربي أبناءنا ونعلّمهم...

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 745

  • التصفحات : 2288357

  • التاريخ : 23/10/2017 - 10:53

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net