هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (60)
---> عاشوراء (48)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (11)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (97)
---> قرانيات (52)
---> أسرة (20)
---> فكر (89)
---> مفاهيم (109)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : فقه .

              • الموضوع : البصمة الوراثية في إختبار الأبوة والبنوّة .

                    • رقم العدد : الثالث عشر / الرابع عشر .

البصمة الوراثية في إختبار الأبوة والبنوّة

البصمة الوراثية في إختبار الأبوة والبنوّة
آية الله محمد آصف محسني
 

مقدّمة نافعة

طريقية القطع (أي العلم بمعناه الفلسفي دون العرفي) إلى الواقع ذاتية، والقاطع يرى المقطوع واقعاً خارجياً أو حقيقياً، ولا يحتمل الخلاف، وحجّية القطع المذكور عقلية، بمعنى، كونه منجّزاً أو معذّراً ـ في غير فرض التقصير في المقدّمات ـ في الشرعيات وعند العقلاء، فيجب اتّباع قطعه والحركة على وفقه في مقام الإطاعة وامتثال أمر من يجب طاعته عرفاً أو شرعاً.

وليس طريقية القطع قابلة لجعل الشارع المقدّس وتقنين المقنّنين إيجاباً وسلباً؛ فإن الجعل الايجابي لغو محض، والجعل السلبي (أي الحكم بعدم كون القطع طريقاً إلى الواقع) من سلب الذاتيات عن الذات، وهو غير معقول؛ فإن ثبوت الذاتيات للذات ضروري الثبوت خارج عن الإمكان.

وبالجملة، الجعل المركّب (الحكم بثبوت شيء لشيء أو سلبه عنه) لا يجري في الذاتيات ـ بلا فرق بين ذاتيات باب إيساغوجي (الجنس والفصل) وذاتيات باب البرهان (ما ينتزع عن ذات الشيء ويحمل عليه، كزوجية الأربعة وإمكان الماهيات)، فإنّه غير معقول تكويناً وتشريعاً، فلا يمكن جعل الإمكان لماهية الإنسان مثلاً جعلاً تكوينياً؛ فإنّه من تحصيل الحاصل، ولا يمكن نفيه، فإنّه من سلب الذاتي عن الذات؛ فإنّ سلب الضروري ممتنع، وإنّما مورد الجعل  التأليفي والمركّب هو الممكنات دون الضروريات من الواجبات والممتنعات.

وهكذا الكلام في الجعل التأليفي التشريعي، فلا يمكن للشارع أن يحكم ويعتبر القطع طريقاً إلى الواقع، فإنّه لغو وعبث، ولا يمكن اعتباره مسلوب الطريقة إلى الواقع، كما إذا قطع أحد بكون مائع معين خمراً وحكم الشارع بحلّيته وعدم الاعتناء بالقطع؛ فإنّه يتناقض تحريم الخمر واقعاً وبنظر القاطع[1] أو بنظر القاطع فقط[2] وهذا الذي ذكرنا أصبح بإجماله من الواضحات في أصول الفقه اليوم للشيعة الإمامية، وينقدح ممّا تقدّم أنّ الطرق والامارات التعبّدية الشرعيّة، سواء التأسيسيّة والإمضائيّة، كخبر الواحد الجامع للشرائط والإجماع المنقول لو فرض حجّيته[3] وظاهر الألفاظ ـ ألفاظ الكتاب الكريم والسنّة النبوية ـ وحجّية الظن بناءً على تمامية مقدّمات الانسداد[4] وغير ذلك، وما يتعلّق بإثبات الموضوعات الخارجيّة كالبيّنة والاقرار والحلف في القضاء، والقرعة وأصالة الصحة وقاعدة التجاوز والفراغ ونظائرها إنّما تعد حجّة شرعيّة إذا فقد القطع، ومع تحقّقه لا تصل النوبة إلى تلك الحجج والأمارات حتى وإن أفادت الظنّ لولا القطع، وليست بحجّة شرعيّة، فإنها إن فرضت موافقة للقطع، فلا أثر لها معه، وإن كانت مخالفة له، فهي مخالفة للواقع بنظر القاطع، فلا تنهض حجّة له وعليه.

وبالجملة، القطع الطريقي لا يعارضه شيء ولا يعقل حجّيّة شيء مخالف له حين تحقّقه.

ثم إنّ الأدلّة والأمارات غير القطعيّة إما اعتبرت في فرض الشكّ في الواقع بحيث يكون الشكّ في الواقع موضوعاً لحجّيّتها وإمّا اعتبرت في ظرف الشكّ في الواقع من دون كونه موضوعاً لحجّيّتها.

والثاني: يسمى بالأدلة الاجتهادية وبالأمارات والطرق.

والأول يسمى بالأصول العملية والأدلة الفقاهتية. والأصول العملية لا تكون حجّة مع وجود الأمارة والدليل الاجتهادي؛ فإنّه حاكم أو وارد عليها.

فأمام المستنبط للاحكام الفرعية، أقسام ثلاثة مترتّبة لا تصل النوبة إلى حجية متأخر مع فرض حجية وجود المتقدم:

1 ـ القطع من أيّ جهة حصل ضرورية كانت أو نظرية، عقلية كانت أو علمية أو نقليّة. والمراد به القطع الطريقي دون القطع الموضوعي طبعاً.

2 ـ الأدلة الاجتهادية، سواء في الأحكام، كخبر الثقة والظواهر أو في الموضوعات، كالبيّنة ونحوها. ولا بد أن ينتهي اعتبارها إلى القطع دون الظنّ؛ فإنّه لا يغني عن الحقّ شيئاً. وبعبارة أخرى، لا يعقل أن يكون الظنّ مظنون الاعتبار؛ لاستلزامه الدور أو التسلسل؛ بل لا بدّ من انتهاء كلّ أمارة ودليل غير قطعيّ في نفسه إلى القطع المعتبر بذاته، فالظنّ أو الاحتمال إنّما يعتمد عليه إذا يدعمه القطع.

3 ـ الأصول العملية الأربعة: الاستصحاب، البراءة الشرعيّة والعقلية، الاحتياط والتخيير، والأول مقدّم على الثلاثة الأخيرة ولكلّ منها مرتبة خاصّة، كما تقرر في أصول الفقه.

واعلم، أنّ هذه المقدمة وإن كانت من الواضحات في علم أصول الفقه عند الإمامية لكنّنا ذكرناها إيضاحاً لبعض ما يأتي من مسائل، والله الهادي.

 

البصمة الوراثية وتوضيح معناها

البصمة بمعنى العلامة، يقال بصم القماش بصماً أي رسم عليه، وقد أقرّ مجمع اللغة العربيّة لفظ «البصمة» بمعنى أثر الختم بالإصبع.

والوراثة علم يبحث في انتقال صفات الكائن الحيّ من جيل إلى جيل آخر، وتفسير الظواهر المتعلّقة بطريقة هذا الانتقال (وأصل الورث أو الإرث الانتقال).

فالبصمة الوراثيّة: العلامة أو الأثر الذي ينتقل من الآباء إلى الأبناء، ولكن هذا الأثر لا يعرف إلاّ بأجهزة خاصة بالغة التقنية[5]. وأوّل من أطلق اصطلاح البصمة الوراثية هو البروفيسور «إليك جيفري» في إنجلترا سنة 5881م عندما أجرى فحوصاً روتينية لجينات الإنسان، فاكتشف ذلك الحمض النووي (DNA) وهو المميّز لكلّ شخص مثل بصمات الأصابع، فأسماه بالبصمة الوراثية أو بصمة الحمض النووي[6].

وأسماه بعضهم، بـ«محقق الهوية الأخيرة» إذ بها يعرف الإنسان نفسه التي تتميّز بصفاتها وتكوينها عن سائر الأنفس، وعلاقته بالعائلة الإنسانية وبالمتسببين في وجوده.

أمّا صفاته الخاصة التي لا يشترك معه فيها أحد من البشر: فيتراوح عددها ما بين مليونين إلى عشرة ملايين صفة وراثية من بين ثلاثة بلايين صفة وراثية تحملها الخلية الواحدة، ويستثنى من هذا التفرّد حالة التوائم المتماثلة، والتي أصلها بويضة وحيوان منوي واحد، وهي شديدة الندرة وفي حكم العدم.

وأمّا صفاته التي يشترك فيها مع العائلة الإنسانية: فهي النسبة الغالبة من مجموع صفاته الوراثية التي تبلغ ثلاثة بلايين بعد استقطاع الصفات الخاصة سالفة الذكر.

وقد ثبت أنّ نصف الصفات الوراثية لكلّ إنسان يتطابق مع الصفات الوراثية لأمّه الحقيقية، ونصفها الآخر يتطابق مع الصفات الوراثية للرجل المتسبّب في وجوده، دون النظر إلى العلاقة الشرعية بينه وبين الأم[7].

وقال طبيب:

يمكنني بعد دراسة علمية متأنيّة للحمض النووي ومكونات الجين أن أضع تعريفاً للبصمة الوراثية مفاده أنها: «تعيين هوية الإنسان عن طريق تحليل جزء أو أجزاء من حمض (DNA) المتمركز في نواة أيّ خلية من خلايا جسمه، ويظهر هذا التحليل في صورة شريط من سلسلتين، كلّ سلسلة بها تدرج على شكل خطوط عرضيّة مسلسلة وفقاً لتسلسل القواعد الأمينية على حمض الدنا، وهي لكلّ إنسان تميّزه عن الآخر في الترتيب وفي المسافة ما بين الخطوط العرضية تمثّل إحدى السلسلتين الصفات الوراثية من الأب (صاحب الماء) وتمثّل السلسلة الأخرى الصفات الوراثية من الأم (الوالدة)[8].

وقيل في تعريفها: وهي صفة خاصة ينفرد بها كل إنسان عما عداه، يبيّنها التحليل بطريقة الاختيار الوراثي لجزء الحمض النووي الدنا (DNA)[9].

لعبت وتلعب البصمة الوراثية دوراً بارزاً في الكشف عن صحة أو نفي الأبوة؛ لمنع تداخل الأنساب. وقد استطاع الدكتور جيفري ورفاقه الكشف عن هذه البصمة الوراثية.

ومن قبل اكتشاف البصمة الوراثية، كان للتباين بين الأفراد في العديد من الدلائلة (الدلائل) البيوكيميائية الدور الكبير في الكشف عن الأبوة الحقيقية أو نفيها، فلقد وجد أن هناك المئات من البروتينات الموجودة بالدم والسيروم والإفرازات الجسمية الأخرى والتي تكون فريدة ومميّزة لكلّ شخص على حدة، فمثلاً: وجد أن الكريات الحمراء تحمل أكثر من 052 بروتين أمكن التعرف عليها حتى أن HLA تعتبر من الدلائل الفريدة في نوعها للشخص، وبالتالي ففي حالات الأبوة المشكوك فيها أو القتل أو الاغتصاب؛ فإنّ تحليل القليل ربما يكون خليّة واحدة لا ترى إلاّ بالمجهر تكون كافية لإثبات المجرم، وكذلك الحال بالنسبة للافرازات والدلائل الأخرى.

إنّ القدرة على التمييز الدقيق والذي يجري الآن بين الأشخاص على أساس اختبارات الدم الوراثية مكّنت الباحثين في هذا المجال من التعرّف أكثر وبدّقة على الجاني، وربّما أدق من استعمال بصمات اليد.

إنّ الخواص المعروفة للصبغات التي تستعمل في صبغ الكروموسومات المعيّنة وتلك المعروفة لزمرات الدم، وعامل رييسي، وكذلك الدلائل البروتينية ومجموعات HLA مجتمعة مع استعمال بصمات اليد وكذلك البصمة الوراثية جعلت من إمكانية التعرّف على كلّ شخص معرفةً حقيقيّة، كمعرفة القاتل أو مرتكب عملية الاغتصاب، وبالتمييز بين الأب الحقيقي من عدمه.

إنّ التحاليل التي تمّ ذكرها في الكشف عن البصمة الوراثية سواء أكانت باستخدام الأنزيمات القاطعة، والشرائح أو استخدام الآليات الأخرى، آحادية أو ثنائية أو ثلاثية القاعدة النيتروجينية مع استخدام المجسات probes جعلت من إمكانية الخطأ أمراً صعباً جداً في حالات إثبات أو نفي الأبوة.

فلقد استطاع الباحثون البريطانيون حساب الاحتمالات لشخصين ليسا بقريبين واحتمالية تشابههما في البصمة الوراثية، فلقد وجدوا أنّ الاحتمالية تكاد تكون صفراً، وكذلك الحال بين الأخوة فرصة التشابه في نفس النمط الوراثي (البصمة الوراثية) تصل إلى واحد في المليون وعليه؛ فإنّ هذه الطريقة قد زادت من فاعليات اختبارات الطبّ الشرعي والمختبرات الجنائيّة بوزارات الداخليّة[10].

وزاد الطبيبان القائلان بما سبق: «ويجري تطبيق البصمة الوراثية في كثير من الدول كأحد الاختبارات الأساسية في إثبات أو نفي نسب الإبن لأبيه (في موضع الشك)[11].

ـ وقالا: ـ ولإثبات الأبوة تجري تجارب واختبارات الأبوة، ومن هذه التجارب ما هو تقليدي اعتمد في الأساس على مواءمة الصفات الوراثية للأب والابن من الناحية الظاهرية والباطنية (الداخلية) عن طريق بعض الفحوصات وهي التي تشمل:

1 ـ فحص زمرات الدم، وذلك بعمل BIoodtyping، وكذلك الفحص لعامل رئيسي.

2 ـ فحص بعض الدلائل البروتينية والأنزيمات.

3 ـ فحص بعض الدلالات الخلوية (ceIIuIarmarKers) مثل أنماط system HLA ومع التقدّم في الوراثة الجزئيّة كان لا بد من استخدام البصمة الوراثية أي النمط الوراثي للحمض النووي المجهول الوظيفة، كمادة وراثية في التجارب الخاصة بإثبات الأبوة[12].

تقول دكتورة: «للعملية مرحلتان:

المرحلة الأولى: دراسة العلامات، هناك علامات وراثية لكلّ إنسان، وهذه العلامات الوراثية تكون مختلفة من شخص إلى آخر بدون أن يكون لها أي تأثير على تكوين الجسم وعملية الجسم، مثلاً: نأخذ لون العينين لون الأزرق أو الأسود أو الأخضر. وكذلك على مستوى DNA هناك علامات خاصة لكل إنسان وهي طبيعية ومختلفة نرثها من والدينا؛ ونجد في نفس العائلات علامات متشابهة بين الإخوة في الوقت نفسه مورثاً عن الأب والأمّ.

المرحلة الثانية: حساب الاحتمالات ومعه نصل إلى احتمال (مثلاً 001%) أن هذه العلامة موجودة عند الابن غير موجودة عند الأب، فيمكن نفي النسب بطريقة مؤكّدة، لكن العكس (إثبات النسب) يمكن أن نصل إلى درجة 99 و99% ومن الصعب جدّاً أن نصل إلى نسبة 001% لإثبات النسب[13].

أقول: لا فرق في حجية الأمارة بين كونها قطعية (001%) أو اطمئنانية توجب سكون النفس مثل 89% مثلاً فضلاً عن 99 و99% إن صحّ الفرض، فإنّ الأوّل حجّة عقلية، والثاني حجّة عقلائية لم يردع عنه الشارع كما ذكرناه في محلّه.

ولا بدّ أن يحصل القطع أو الاطمئنان بذلك للمرجع الديني قاضياً كان أو مفتياً ولو بمراجعة الأطباء والمفاهمة معهم، وإلاّ فهو مكلّف بالاعتماد على الأمارات أو الأصول الشرعية العقلية أو التعبدية.

نعم، يحتمل عدم حجية البصمة الوراثية في مقام القضاء، ورفع الخصومة؛ لقوله (ص): «إنما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان وبعضكم ألحن بحجّته من بعض، فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً، فإنما قطعت له به قطعة من النار»[14].

فإنّ مقتضى الحصر نفي حجّية سوى البيّنة واليمين، لكن هذا الاحتمال مرجوح؛ إذ المتيقن من الحصر نفي القضاء المستند إلى علم النبوّة والغيب، لا مطلق القضاء غير المستند إلى البيّنة واليمين، إذ مع علم القاضي بالحق إذا حكم بخلافه لا يكون حكمه بما أنزل الله، وبالقسط، وبالعدل، والقضاء طريق إلى احقاق الحق وابطال الباطل دون العكس، فالبصمة الوراثية كالإقرار والاستصحاب حجّة في القضاء أيضاً.

واعلم، أنه لا فرق في ترتّب الأحكام الشرعية على الوالدين والأولاد بين كون الأولاد عن نكاح وسفاح؛ إذ لم يثبت من الشرع اصطلاح خاص في مفاهيم كلمات «الوالدة والوالد، والأب والأم، والأولاد والابن والبنت» سوى ما يفهمه العرف واللغة، وإنّما الثابت بدليل شرعي انتفاء الإرث في فرض الزنا، وهو لا يدلّ على انتفاء الأبوة والبنوة مثلاً؛ لأنّه تخصيص في حكم من الأحكام.

ومن هنا يمكن أن يقال بأن البصمة اليدوية أو الوراثية إذا أفادت اليقين أو الاطمئنان بأنّ فلاناً ابن أو بنت لفلان أو فلانة، نحكم بها ونرتّب عليها الآثار الشرعية، سوى الميراث؛ فإنّ البصمة لا تُثبت أن الولادة عن نكاح، لكن يمكن أن يقال بأن الميراث مترتب على مجرّد العناوين المذكورة (الأب، الابن، البنت والأم مثلاً) وإنما المانع منه الزنا، والبصمة كما لا تُثبت النكاح لا تُثبت السفاح أيضاً، فعند الشك في المانع يرجع إلى استصحاب عدم الزنا، بل لو فرض ترتّب الميراث على النكاح المشروع يمكن أن نثبته عند الشك بأصالة الصحة في عمل المسلم، كما فصّل في محلّه.

وربّما فصل بين حالة إثبات النسب وحالة نفيه التنازع والترافع إلى القاضي، فاعتمد على البصمة على الحالتين الأخيرتين دون الحالة الأولى، وقال في وجهه: إن القواعد الشرعية تعتمد على اعتبارات أخرى غير التولّد والتكون، الاعتبار الأساسي فيها هو الزواج الذي عبر عنه الحديث النبوي «بالفراش» فإذا أخذنا بالإثبات بالبصمة الوراثية فقد ندخل في إدخال أنساب غير موجودة وليس تحت مظلّة الزواج ترد وجود هذه البصمة، معنى هذا أن الشريعة أهدرته بالحديث الذي فيه «للعاهر الحجر» أي الرجم[15].

أقول: كان هذا الاستثناء يتم على رأي بعض المذاهب الفقهية وفهمه من الحديث الشريف[16]. لكن الحق الذي لا شبهة فيه أن الحديث يشرّع أمارية الفراش على النسب في فرض الشك بغلبة الفراش على العهر. وهي أمر يعدّ حسناً عند العقلاء أيضاً، دون فرض العلم باستناد الحمل إلى نطفة «أحد» فإذا علمنا بطريق علمي كالبصمة ونحوها أنّ الحمل من نطفة «العاهر» فلا شبهة في نفي الولد عن صاحب الفراش وكون الحمل منسوباً إلى ذيها، كما أنه إذا علمنا باستناده إلى نطفة «الزوج» نحكم لأجل علمنا أنه له، لا لأجل الحديث المخصوص لفرض الشك دون فرض العلم.

ومن ذلك انقدح ضعف ما قيل من أن المستفاد من الحديث «الولد للفراش وللعاهر الحجر» أن الولد ثمرة ونتيجة للفراش وهو الزواج، فاطلق المحلّ وأراد الحال فيه، وأمّا الذي لا يتخذ الزواج الشرعي منهجاً له في العلاقة الجنسية فتكون هذه العلاقة محرمة شرعاً وباطلة، ولا يترتب أي ثمرة أو نتيجة فيكون عاهراً[17].

وجه الضعف أن الحديث الشريف المتفق عليه بين الإمامية وأهل السنة لم يسق لبيان الحكم الواقعي، بل المنصرف منه فرض الشك في كون الولد لصاحب الفراش أو للعاهر، فغلّب الحديث جانب الزوج على الزاني الفاسق، فلا يستفاد منه ما تخيّله من كون الولد ثمرة ونتيجة في الواقع، وحتى في غير فرض الشكّ للزواج دون الدخول والمباشرة، بل الحق بحكم العرف واللغة أن الولد لصاحب الماء، والشارع لم يتصرّف في معاني كلمات الأب والابن، والأم والوالدة، والأولاد والولد والوالد، ونظائرها، كما سبق ولذا نسب هذا القائل إلى الفقهاء (المراد فقهاء أهل السنّة) من دون تقييد إنهم شرطوا لثبوت النسب في الفراش عدّة شروط، كأن لا يكون الزوج قاصراً لا يستطيع الاتصال ومن دون تقييد الجنسي بالزوجة لصغر سنّه وكأن يثبت الدخول بين الزوجين مخالفين لأبي حنيفة.

فيفهم من هذه الشروط أن الولد نتيجة المجامعة والدخول والنطفة دون الفراش المجرد، وإن علم بانتفاء الفراش والزواج، ولذا يشمل الحديث فرض استيلاد الأمة وليس هنا زواج، بل ملك يمين، ولا يبعد أن يكون «الفراش» كناية عن الدخول العادي المستمر المغاير للزنا الموقّت بوقت قليل منقطع.

نعم، ولد الزنا لا يرث ولا يورث، كما أشرنا إليه للنص. كما أن ما نقل عن إدارة الفتوى في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت من عدم حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب لأجل اجماع الفقهاء على أن النسب يثبت بالفراش والبينة، والإقرار به، فهو اشتباه من مسؤولي إدارة الفتوى، وذلك كما تقرّر وتحقق في أصول الفقه في الأعصار الأخيرة، من أنّ الأصول العمليّة لا موضوع لها مع وجود الأمارات، ولا يعمل بها معها وأن الأمارات الشرعيّة كخبر الواحد والبيّنة والإقرار ونحوها لا يعمل بها مع وجود دليل قاطع فإنّها ظنّية، وبتعبير أدق أن الأصول العملية الأربعة: الاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير موضوعها الشكّ والجهل بالواقع. كما أن الأمارات ظرفها الجهل بالواقع، فإذا حصل القطع بحكم شرعي في مورد من أيّ سبب تسقط الأصول والأمارات عن الحجية. فالمشكلة العمدة في اعتبار البصمة الوراثية وكونها حجّةً شرعية على نفي الولد وإثباته، هي مشكلة طبية لا غير، فمتى أثبت الطبّ إثباتاً قطعياً أو اطمئنانياً دلالة البصمة على الأبوة والبنوة قبلناها مطلقاً أي في الإثبات والنفي وإلاّ فلا نقبلها مطلقاً.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] إذا فرض القطع موافقاً للواقع.

 [2] إذا فرض قطعه مخالفاً للواقع.

 [3] ونحن لا نقول بحجيّة الاجماع المحصل فضلاً عن المنقول.

 [4] لا نبني على حجية الظنّ في غير ما دل دليل خاص على اعتباره؛ فإن الظن لا يغني من الحق شيئاً.

 [5] لاحظ ج41، حلقة النقاش حول حجّية البصمة الوراثية في إثبات النسب، ص62، ونحن نعبّر  في الحواشي عن هذا الكتاب بـ«ج41» روماً للاختصار، فتفطّن.

  [6] نفس المصدر، ص72.

 [7] ج41، ص22 و32، وعند الشك من كون الحمل في السفاح أو من النكاح يبنى على الثاني  حملاً لفعل المسلم على الصحّة.

 [8] نفس المصدر، ص72 و82.

 [9] نفس المصدر، ص19.

 [10]نفس المصدر، ج1، ص943 وما بعدها.

 [11]نفس المصدر، ص533.

 [12] نفس المصدر، ص543 و643. كلّ هذه المطالب بقلم الدكتورة صديقة العوضي والدكتور  رزق النجّار.

 [13] نفس المصدر، ص453.

 [14] الكافي، ج7، ص414 (نسخة الكامبيوتر)؛ التهذيب، ج6، ص922 وسندا الكتابين مختلفان  في الجملة.

 [15] نفس المصدر، ص853، عبارة المتن غير واضحة، لكن المقصود من مجموعها مفهوم.

 [16] نفس المصدر، ص793.

 [17] نفس المصدر، ص314.

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2008/01/23   ||   القرّاء : 6589


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



  النصف من شهر رمضان ولادة ريحانة الرسول صلى الله عليه وآله الإمام الحسن المجتبى (ع)

  قيم تربويـّة واجتماعيـّة في شهر رمضان الكريم : التصدّق

 قيم تربويـّة واجتماعيـّة في شهر رمضان الكريم صلة الأرحام

  قيم تربويـّة واجتماعيـّة في شهر رمضان الكريم : تكريم الأيتام

 قيم تربويـّة واجتماعيـّة في شهر رمضان الكريم : حسن الخُلُق.

 العبادة وآثارها في شهر الله

  خصائص شهر رمضان وأسراره

  شهر رمضان ربيع القرآن

  شهر الله ... شهر الانابة والتوبة

 العاشر من شهر رمضان ذكرى رحيل أم المؤمنين السيدة خديجة الكبرى عليها السلام

 

مواضيع عشوائية :



  عقوق الوالدين

 الخطاب القرآني حول أهل الكتاب

 رحلة إلى سجن رومية المركزي

  الإيمان والعمل الصالح

 وكالة المخابرات المركزية الأميركية الشبح الذي تهاوى

 الجهاد والإرهاب

  تجلّيات العبادة في نطاق السلوك السياسي

 علماء قدوة : العلاّمة الجليل الشيخ محمد جواد مغنية (ره)

 الطوائف اللبنانية شعوب متعددة في التاريخ والجغرافيا السنة نموذجاً {3}

 وقفات تفسيرية مع سورة الأعراف (2)

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 709

  • التصفحات : 2151220

  • التاريخ : 27/06/2017 - 03:24

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net