هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (60)
---> عاشوراء (48)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (12)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (102)
---> قرانيات (53)
---> أسرة (20)
---> فكر (91)
---> مفاهيم (114)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .

        • القسم الفرعي : فكر .

              • الموضوع : البنيويـــة .

البنيويـــة

البنيويـــة

الشيخ حسن بدران

تمهيد :

شهد منتصف الستينات من القرن العشرين بداية إنتشار الأعمال الأولى تمهيد للبنيوية Structuralism

 وتعتبر أعمال " كلود ليفي ستروس  claud Levi –Strauss  1908 " التي قدمها في كتابه : الإناسة البنيانية 1957 " وكتابه الآخر " الفكر البري 1963 " في طليعة الأعمال التي تشكل مؤشراً بنيوياً واضحاً وذلك من خلال ما أنجزه من دراسات معمقة في البنى العقلية لأنظمة القاربة وغيرها من أنظمة إجتماعية أشد تعقيداً ،وشكلت هذه الأعمال فاتحة عهد داعمة لتكريس النزوع البنيوي بإتجاه كافة المجالات الأخرى التي يمكن أن تحظى بإهتمام البنيوي وغيره من أدب وفلسفة ورياضيات وعلم النفس ... الخ وقد أعتبرت هذه الجهود الحثيثة بديلاً فكرياً لفلسفات كان لها حضورها وتأثيرها الفاعل في الساحة الفرنسية ،وشكلت محاولة جديدة لفهم التاريخ والمجتمع والثقافة على ضوء العلوم الإنسانية ،وأحتلت بذلك موقعاً بارزاً في تاريخ الفكر الفرنسي المعاصر ،وقد تميزت البنيوية بطروحاتها ، الثورية بما أنجزته من منظورات جديد لمختلف القضايا الفلسفية السائدة آنذاك ،ومارست قطيعة مع ماضي المعارف كلها ، بحيث تسللت في تحليلها وتفكيكها ونصها إلى مقولات كانت تعتبر في أساس فلسفات مثل الظواهرية ، والتأويلية والماركسية ،والوجودية ، والإبستمولوجيا المتعلقة بإتباع فلسفة العلوم ، بل أن طابع القطيعة الثوري الذي ميزها أدى إلى أن تعيد البنيوية إنتاح نفسها بنفسها ( وذلك بعد أحداث مايو 1968 ) ومع منتصف السبعينات من القرن العشرين ظهرت نماذج ألسنية جديدة كاللسانيات التوليدية والتحويلية والسيميولوجية التي أسست لآحقاً لما يسمى بما بعد البنيوية وفلسفات ما بعد الحداثة أو الأركيولوجيا ، والجينيالوجيا ، والغراماتولوجيا ... ونظراً لحضورها القوي الذي حظيت به ، كان من الطبيعي أن تواجه البنيوية تحدياً صارخاً من قبل تلك التيارت الفكرية التي كانت سائدة آنذاك( التيار الماركسي والتيار الوجودي ) كما أنها لآقت سنداً داعماً من قبل تيارات أخرى ( التيار الإبستمولوجي الباشلاري ،وتيار مدرسة الحوليات التاريخية ) ويبدو أنه من غير المستحسن أن نستطرد في الحديث عن المنشأ والمسار التاريخي كمدخل إلى البنيوية ، ذلك أنه، وعلى الرغم من أهمية الظرف التاريخي والدور الذي لعبته البنيوية في تلك الحقبة من تاريخ الفكر الفرنسي ، إلا أن البنيوية نفسها ومن خلال أهم بنودها ـ تأبى أن تخضع نفسها لمثل هذه المقولات والتي ينظر إليها على أنها خارجية ومتناقصة مع توجهات الفكر البنيوي نفسه .

ما هي البنيوية ؟

        ثمة عقبات عديدة تواجه الباحث في البنيوية تظهر إلى العلن منذ الإطلالة الأولى التي يحاول فيها الباحث تقصي البنيوية في مدلولاتها أو مباشرتها فيما يمكن أن تختزنه من تحديد ، فالبنيوية تأبى عن التأطير وتشرع في ممارسة عصيانها وممانعتها حتى على مستوى الأسئلة الأساسية من قبيل ، ما هي البنيوية ؟ هل البنيوية شكل أم محتوى؟ منهج أم نظرية ؟ ما هي خطوات  المنهج البنيوي ؟ وهي أسئلة ضرورية كونها تشكل مدخلاً لفهم موضوع الدراسة ،وربما بسبب من التشعب الشديد في شجرة العائلة البنيوية كل من الصعب تحديد مفهومها ، إذ تمتد البنيوية بجذورها  إلى عصر النهضة ، وينتابها هاجس المسعى الحثيث لنيل تقدير " العلمية " فهي تسعى لأن تكون علماً ، فتدعى لنفسها الإنتساب إلى عائلة العلوم الطبيعية ( بيولوجيا فيزيولوجيا) والعلوم النظرية ( رياضيات منطق ) معاً ،ولا تخفي تأثرها الواضح بعلم الإجتماع الماركسي ،وعلم النفس الفرويدي ونظم اللغة السوسورية ،ويسطع في فضائها أسماء من قبيل كانط ونيتشة وهوسرل وهيدجر وجاكوبسون وباشلار ودي سوسير ...

يضاف إلأى هذا التشعب أن البنيوية ليست منهجاً مطبقاً بطريقة واحدة عند الجميع ،ويظهر هذا التباين في الأسلوب المتبع في أعمال البنيويين الكبار أنفسهم ،وهكذا يجد المرء لدى ليفي ستروس ،ما لا يجده لدى كل من بارت والتوسير ، وفوكو ،ولاكان ،وعلى ارغم من وجود الأختلاف في منطلقات بحوثهم وغاياتها ،إلا أنه يمكن تحديد بعض المعالم الرئيسة كعلامات فارقة ، وذلك من قبيل أولوية البنيوي على التاريخي ،وأسبقية اللغة على الواقع وأهميه تأثير المنهج في النظرية والشكل في المحتوى ،وما قد يكشف عن هوية البنيوي هو إستخدامه لبعض المصطلحات ذات الجذر اللساني ،وإهتمامه بالرمزي ،وبحقول معينة داخل العلوم الإنسانية ،وبالموقف المنهجي القائم على تفسير الظواهر والحوادث على أساس تزامني ،وكل هذا قد يسمح لنا بمقارنته البنيوية ولو على نحو مبدئي بناء على ما سبق يمكن تعريف البنيوية من عدة جهات : فإنطلاقاً من المجال الذي تفضله هي نفسها ـ أعني مجال اللسانيات ـ تغدو البنيوية طريقة جديدة في طرح وتفسير المشاكل في العلوم التي تناقش العلامة ـ الرمز ـ الدلالة بالشكل المعهود في لسانيات دي سوسير ، فالبنيوية تشتمل على علوم العلامة ، وسستام العلامة ، وتحديداً على العلامة التي تقيمها بين الدال والمدلول ،ومرجع ذلك إلى الإيمان بأن الطرق الناجعة في الكشف عن القوانين  العامة للغة وما يستتبع ذلك من كشف عن القوانين التي تربطها بمختلف مجالات النشاط الإنساني ، تتكون أنساقه من بني عقلية مفترضة وإنطلاقاً من آلية المنهج الذي تمارس نشاطها على أساسه ،وتغدو البنيوية طريقة من الطرائق الفكرية والمنهجية متشعبة ، ومتنوعة في أتجاهاتها ،تقوم على تفاعل مجموعة من العناصر والعلائق في صيغتها الرياضية والفيزيائية ، تشكل نسقاً ،أو بنية متكاملة ، مغلقة ، تدعى إستيعاب كل المسائل والمشاكل المطروحة التاريخية ، والنفسية والإجتماعية في منظور واحد ، وتقوم على الفرز بين فعاليتين : الوعي واللاوعي ،وفعالية اللاوعي هي الأكثر شأناً في الداخل ، وكذلك بين حدين داخلين في تركيب هذا المفهوم " البنيوية " أي التزامن والتزمن : الأول سكوني ،ويوصف بالحركة أحياناً والآخر تطوري ، والبعد الباطني للنص هو ما يعبر عن حقيقة هذه الطريقة ، التي تنظر إلى كل مشكلة أو مسألة تستقبلها من منظور واحد ،وقد يفضل البعض إجمالها ـ بسبيل التقريب ـ بالقول أنها منهج أو نسق ، أو أنها هي ليفي ستروس نفسه .

هل البنيوية منهج أم نظرية ؟

يرى ليفي ستروس أن طموح البنيوية هي في أن تصبح منهجاً علمياً دقيقاً ، يماثل المناهج المتبعة في العلوم الدقيقة ، يدرس العلاقات القائمة بين عناصر أجزاء كل بنية ، وذلك بتحليل هذه الأخيرة أسمى من بنياتها الأولى ، بحيث تتيح لنا تبين بنيتها الخفية ، ولأجل ذلك كان إعتماد البنيوية على المناهج الطبيعية ،وذلك على أساس نظرية المجموعات التي تسمح بدراسة العلاقات بين أجزاء وعناصر المجموعة ، وتحليلها ثم إعادة تركيبها ، من أجل الكشف عن البنية الخفية للموضوع ،وكذلك باللسانيات ، بإعتبار أن علم اللغة هو النموذج المباشر الذي يختص عن غيره من العلوم الإنسانية بإمكانية وضعه على قدم المساواة مع العلوم الطبيعية والدقيقة ، فعلم اللغة يشتمل على العمومية والتشابه والتوافق المبدئي ،وهي خصائص تتيح للنموذج الألسني الذي يتماثل والعلوم الطبيعية أو الدقيقة ،أن يشكل وسيطاً ناجعاً إلى العلوم الإنسانية ،ويستفيد المنهج البنيوي أيضاً من ميادين ثلاثة أخرى هي الماركسية ،والتحليل النفسي ، والإثنولوجيا ، بوصفها ميادين تتفق والبنيوية في إرتكازها إلى المبدأ الأساسي القائل أن البنية متخفية ،لا شعورية ، لذا وجب التحليل والبحث عن الباطن ، دون التوقف عند ظاهر الظواهر ، فالبنية هنا متخفية ، لا شعورية ،وهي ذات طبيعة عقلية بحيث لا تستند بمفهومها إلى الواقع التجريبي المباشر ، بل إلى النماذج الموضوعة بمقتضى هذا الواقع ، فنحن نتعرف على البنية الإجتماعية من خلال العلاقات الإجتماعية ، وللكشف عن البنية كان لا بد من تدخل العالم ، وتركيب نماذج تفصح عن بينة الموضوع وتبرزه ،والبنية للأسباب المتقدمة تنفع كوسيلة منهجية قابلة للتطبيق في مجالات مختلفة ،ولا تكاد تختلف كلمة " البنية " عن مثيلات لها من مفردات لغوية كلفظة الشكل ، ولكن مع وجود فارق منهجي بين البنية والشكل ، ذلك أن الشكل يقع في مقابل المحتوى ويتحدد به ، في حين أن البنية لا تتحدد بالمحتوى لأنها هي المحتوى ذاته عندما ندركه داخل تنظيم منطقي من حيث هو خاصية من خصائص الواقع ، فالبنية ـ على خلاف الصورة أو الشكل ـ ذات طبيعة موضوعية تقبع خارج الذهن وتكون ملزمة له ،وعلى سبيل المثال نحن مضطرون إلى تصور البنى الإجتماعية كموضوعات مستقلة عن الوعي ، ويبقى أن هذا الفهم للبنية يوقعنا في مفارقات لا يمكن حلها ، وتكمن هذه المعضلة في أن البنية ذات طبيعة عقلية رياضية ، ميزاتها الأساسية هي الشكلية ، ومن ناحية ثانية البنية ليست شكلاً ولا محتوى ، بل هي المحتوى ذاته !! وهذا يعني أن البنية حقيقة دون أن تكون واقعية ، مثالية دون أن تكون مجردة .

النموذج الألسني :

في سبيل العمل على إظهار المبادىء المنهجية والنظرية التي تؤول إليها كل بنيوية ، تم إستعادة النموذج الألسني كما ورد في منظومة دي سوسير الألسنية ، تفهم اللغة هنا على أنها نظام من الرموز   Sogn ، فكل كلمة في اللغة تشكل رمزاً ،والرمز مصطلح أساسي من مصطلحات " قاموس الدلالة " الذي خلفه عالم اللغويات السويسري فردنان دي سوسير ( 1857 – 1913 ) وقوام الرمز عنده بأمرين : الصوت ( الدال ) والفكرة ( المدلول ) ، فالمدلول يشير إلى فكرة عن شيء ،والدل هو الجانب المادي من اللغة ،والدال والمدلول لا ينفصلان ، فكما لا يمكن الحصول علىعلى دال دون مدلول ، كذلك لا يمكن الحصول على مدلول دون دال ، أن أي شيء يمكن أن يتحول إلى رمز بشرط أن يندرج في قاموس الدلالة ،أي أن يدل ، ولا تحصل الدلالة إلا في نطاق ثقافي خاص ، فحين توجد الزهور ضمن ثقافة من الثقافات فإنها تتحول إلى رموز ،والإكليل الذي يرسل إلى جنازة يصبح دالاً ، قد نعبر عن مدلوله بلغة التعزية ، فالزهور ليس لها معنى طبيعي ، بل لها معنى تحدده الثقافة أو التقاليد ،وثمة تمييزين مهمين أفتعلهما سوسير لهما أهمية خاصة على مستوى نمط التفكير المتبع هنا ، فقد ميز سوسير بين اللغة  Langue والكلام Parol   فاللغة هي مجموعة القواعد التي ينبغي على المتكلمين الإلتزام بها للإتصال فيما بينهم ، أما الكلام فهو الإٍستخدام اليومي لتلك القواعد من قبل المتكلمين الأفراد ، ومهمة عالم اللغة من وجهة نظر سوسير هي أن يدرس اللغة لا الكلام لأن دراسته للغة هي التي تمكنه من فهم المبادىء التي تقوم عليها وظائف اللغة عند التطبيق ،ويظهر هذا التمييز في أعمال البنيويين على شكل تمييز بين البنية والحدث ، أي بين نظم مجردة من القواعد وأحداث مجسدة مفردة تظهر ضمن ذلك النظام ، أما التمييز الثاني ، فهو التمييز بين محوري البحث المتزامن Synchronic والمتتابع ـ المتعاقب المتزمن Diachronic  ، فمن الممكن أن ندرس اللغة بإعتبارها نظاماً يؤدي وظيفته في لحظة من اللحظات أو بإعتبارها مؤسسة تطورت عبر الزمن ، وكان سوسير نفسه يحبذ دراسة اللغة بوصفها ظاهرة متزامنة في مقابل الدراسات التي كان يقوم بها سابقوه من لغويي القرن التاسع عشر ،وهي الدراسات التي تتناول اللغة باعتبارها ظاهرة متتابعة ، فقد كان هؤلاء اللغويون مهتمين بتاريخ كل لغة على حدة ، بأصول مفرداتها وبما طرأ على أصواتها من تغير وما شابه ، ولم يتوقفوا ليكتشفوا البنية الكلية لأي لغة من اللغات وذلك عن طريق إيقافها عند لحظة من لحظات للنظر في المبادىء التي تعمل بموجبها من أجل فهمها بشكل أسهل ،والرمز عند سوسير شيء " إعتباطي " فالدال شيء أعتباطي إذ تربطه بالشيء الطبيعي الذي يدل عليه علاقة يقبلها الناس بحكم التقليد او العرف والمدلول إعتباطي أيضاً شهادة أختلاف اللغات ،وهذه الإعتباطية المزدوجة تكشف عن أن للغة ليست نظاماً من الأمور الجوهرية الثابتة بل من الأشكال غير المستقرة ، أنها نظام من العلاقات بين الوحدات التي تتشكل على أساس أختلافها عن بعضها البعض ، فهذه الوحدات لا تتحدد من خلال وجودها ذاتها ، بل من خلال ما يقابلها من وحدات ،والمحل الذي تحتله وحده ما ، سواء أكانت صوتية أو معنوية ، في النظام اللغوي هو الذي يحدد قيمتها ،وهذه القيم تتغير بتغير العلاقات ، وهكذا يمكن أن نلمس بوضوح مدى تأثير النموذج الألسني السوسيري على البنيوية ، فالبنيوية برمتها ذات نظرة متزامنة بالضرورة ، وهي تعني بدراسة النظم أو البنى التي أنتجتها على أمل تفسير عملها الراهن ، وتعتبر مقولة سوسير من أن اللغة شكل وليست جوهراً ،وليس هناك معنى بدون أختلاف ، الجذر الأساسي الذي تحدرت منه الأعمال التي نشرها ليفي ستروس وبارت وغيرهما ، فالبنيوية تتمسك بهذه الفرضية الجوهرية ،وهي أنها تدرس العلاقات القائمة بين عناصر في نظام يشترط كل منها وجود الآخر وليس بين جواهر كل منها مستقل بذاته ،وقد درس ليفي ستروس الظواهر الأنثروبولوجية كما لو أنها لغات ، وذلك يعني أنه درس تلم الظواهر بوصفها نظماً : نظام القرابة ، نظام الطوطمية ، ونظام الأساطير وركز همه على العلاقات القائمة بين الوحدات المختلفة لكل نظام وكيف أن وظيفة ما قد يبدو أنه للوهلة الأولى هو الوحدة ذاتها تتباين مع تباين العلاقات التي تدخل بها مع سواها من الوحدات ، ويبدو هذا التباين على أشده عندما نأتي إلى تفسير العناصر الرمزية في أسطورة من الأساطير لأن الكثيرين منها يميلون إلى الأعتقاد بأن الرموز كميات ثابتة تخضع حيثما وردت إلى تفسير واحد ، أما ليفي ستروس فيثبت العكس : إن المعنى في كل حالة يتحدد بالمكان الذي تحتله هذه الرموز ضمن شبكة العلاقات التي تتضمنها تلك الأسطورة بالذات ، ومعنى ذلك أن نفسر الأسطورة من داخلها ، أن نسمح للنظام ذاته أن يملي معناه علينا ، ومن هنا يتضح كيف يمكن للبنيوية أن تمتد لتدرس الأدب أو سواه من أنواع الكتابة وتلعب اللغة دوراً مركزياً في فكر بارت وفوكو ودريدا ولا كان ،دوراً لا يقل في أهميته عن الدور الذي تلعبه في أنثروبولوجيا ليفي ستروس ، حتى ليمكن القول أنهم جميعاً مهووسون بالطبيعة المؤسسية للغة وبقدرتها اللامتناهية على الخلق ،واللغة ليست شيئاً نجلبه معنا عند الولادة بل هي مؤسسة ندخل في عالمها بشكل تدريجي في فترة الطفولة بإعتبارها أهم عنصر في تنشئتنا الإجتماعية على الإطلاق ، وهكذا يمكن وصف اللغة بأنها لا شخصية وتتجاوزنا بوصفنا أفراداً وأي إٍستخدام للغة الإتصال بالآخرين يتطلب منا التنازل عن جزء على الأقل من تفردنا ،إن شئنا إستخدام المصطلحات التي يفضلها لا كان قلنا أن جانباً من الليبيدو فينا يجب أن يقدم للنظام  يجب أن ننتقل مما يدعوه لاكان بالمستوى الخيالي ، وهو مستوى يتصل بحياتنا الخاصة ويتصف بالإيهام إلى المستوى الرمزي الذي يتصل بحياتنا الإجتماعية ، لكن مقدار التقلص في الفردية يزداد عندما يكون المستوى الرمزي الذي نستسلم له ليس هو المستوى الأولي ، مستوى اللغة كلغة ، بل هو المستوى الثانوي المتمثل في الأدب ، أو في خطاب  discourse   بشكل عام ، حيث توضع علينا قيود أخرى كثيراً ما تكون شديدة على هيئة تقاليد وأعراف لتمنعنا من إستخدام اللغة بالحرية التي قد نريد ، على أن هذا المستوى هو الذي تهتم به البنيوية لأن ذلك المستوى هو النظام الذي لا يمكن لنا أن نكون فيه أكثر من " أحداث " ولذلك أخذت البنيوية تمثل طريقة في التفكير تتعارض مع الفردية ، بل حتى مع الإنسانية ، لأنها تعطي للفعل الإنساني الإداري دوراً أقل في تفسيراتها للثقافة ، لقد كتب الكثير عن" أختفاء الذات subject " في ظل البنيوية بمعنى أن البنيوية تطرفت في تحيزها ضد الجوهرية essentialism   إلى حد إنكارها ـ بشكل من الأشكال ـ لوجود الكائنات البشرية إنكاراً تاماً إلى حد رؤية الفرد بإعتباره  ليس أكثر من شكل غير مستقر، قابل للإستبدال ضمن نظام لا روح فيه ، فما فعله مفكرو البنيوية بشكل بعيد الأثر هو تدعيم أهمية الدال على حساب أهمية المدلول ، فالدال هو ما نستطيع الثقة به لأنه مادي ،أما المدلول فيبقى مسألة فيها نظر ،والدال واحد لا بد أن ينتج مدلولات مختلفة لشخصين مختلفين ، مدلولات تحمل مكاناً دلالياً مختلف الحدود بسبب أختلاف التجارب الفردية كذلك سينتج الدال الواحد مدلولات مختلفة للشخص الواحد في أوقات مختلفة لأن تركيب العلاقات القائمة في المكان الدلالي غير ثابت والبنيوية تدعونا للإستمتاع بتعددية المعاني التي ينتجها لنا ذلك ولرفض التفسير الأحادي أو التعسفي للرموز .

أساسيات في المنهج البنيوي :

يقوم المنهج البنيوي كغيره من المناهج العلمية على جملة من الخطوات والقواعد التي يعتمد عليها في تحليل الموضوعات ،ومن هذه الخطواتـ على المستوى الأنثروبولوجي – القيام بالملاحظة والتجريب ثم التجريب على النماذج المستقاة من الملاحظات ،وذلك بغية الوصول إلى البنية والكشف عنها ،ولدراسة بنية الموضوع يجب تطبيق جملة من المبادىء منها:

1 ـ أسبقة الكل على الجزء : وهو يفترض النظرة الكلية إلى الموضوع والكلية ما هي إلا نسق من الوحدات لذلك فإنها تتساوى والنسق .

2 ـ أسبقية العلاقة على الأجزاء : ما يهم المنهج البنيوي ليس الأحداث ولا الكلمات بمفردها ولكن العلاقة التي تقوم بين تلك الأحداث أوالكلمات ،والبنيوية كمنهج هي قبل كل شيء التحليل الواقعي للظواهر بغية إكتشاف العلاقات بين العناصر المكونة لهذه الظواهر .

3 ـ مبدأ المحايثة : إن اللغة عندي دي سوسير نسق مغلق ، نسق لا يعرف إلا قانونه الخاص ومبدأ المحايثة في اللسانيات يقتضي دراسة النسق اللغوي في ذاته من دون العودة إلى تاريخه ،ولا إلى علاقته بمحيطه ، ومهمة الطريقة البنيوية أن تعطي الدراسة الذاتية نوعاً من معقولية الفهم ، الذي يقوم مقام معقولية الشرح ، الذي يبحث عن الأسباب ، لذا تتنافى المنهجية البنيوية مع كل منهجية تاريخية ليتفق المنهج البنيوي مع المنهج الوضعي .

4 ـ مبدأ المعقولية : إن المبادىء سالفة الذكر تؤدي إلى هدف أساسي هو إكتشاف البنية ذلك أن طبيعة البنية لا شعورية ،أي ذات طبيعة عقلية ولا توجد على السطح أو على ظاهرة الأشياء ،ويرى ليفي ستروس أن الخطوة الحاسمة في المنهج البنيوي هو أنه من أجل تعيين الواقع يجب حذف ما يدرك مباشرة على المستوى الظواهري ،أما ما يجب الإحتفاظ به فهو الواقع لأن في الواقع تكمن البنية لذا يجب إعتماد مبدأ المعقولية من أجل الكشف عن هذه البنية .

5 ـ مبدأ التزامن والتعاقب ( التزامن ) :  التعاقبي والتزامني يتعارضان وذلك لأن الأول يهتم بأصل الإنساق في حين أن الثاني يهتم بالمنطق الداخلي للشيء ، فالتعاقبي هو الدراسة التاريخية ، القائمة على البحث في أصل الأشياء ،ومكنوناتها في حين أن التزامني هو البحث في بنية الشيء أي الطبيعة المنطقية للشيء ،وليفي ستروس يعي مشكلة التعارض على المستوى المعرفي والمنهجي وهو يقترح إقامة تاريخ بنيوي تزول فيه أسباب التعارض بين التزامن والتعاقب ،وقد لآقى هذا المبدأ إنتقادات كثيرة لجهة أن كل نظام تزامني يتضمن ماضيه ومستقبله اللذين هما عنصراه البنيويان الملازمان  فالظاهرة لا تخرج عن تاريخها وعن ظروفها وتكونها بل ان الظاهرة هي جزء من تلك التاريخية ! .

إلى هنا نكون قد سلطنا الضوء ـ وبشيء من الإجهاض القيصري ـ على جانب من معالم المدرسة البنيوية ،وهي مدرسة تحظى بإهتمام وتقدير كبيرين في الغرب ،وإن بأشكال متفاوتة من التقديرات ، وتشهد إنتشاراً واسعاً في أوروبا وأمريكا والعالم ،وذلك بما حققته من إنجازات في ميادين العلوم الإنسانية المختلفة ، فضلاً عن تواجد المحللين البنيويين على رأس السياسات العالمية المعاصرة ،وبطبيعة الحال ، يلتحق في زمرة المدعوين إلى الوليمة البنيوية جملة من مثقفي العرب ومفكريهم ك" إدوار سعيد " في طروحاته النقدية المثيرة و " محمد عابد الجابري " في مساجلاته النقدية بدوره وحفرياته التراثية و " سالم يفوت " و " عبد السلام بن عبد العالي " و " هاشم صالح " .. الخ كذلك ومحمد أركون " في إسلامياته التطبيقية وحسن قبيسي في مناخه النقدي الأثنولوجي ، و" علي زيعور : في تحليلاته النفسية  وطروحاته عن دور اللاوعي في الذات العربية و "مهدي عامل" في الكثير من أحكامه النقدية .. الخ ، ولا بد من إطلالة لاحقة على بعض هذه الدراسات التي أنجزها الفكر العربي المعاصر بوحي من المنهج البنيوي .

المصادر :

* الإناسة البنيانية ، كلود ليفي ستروس تج حسن قبيسي ط1 ، المركز الثقافي العربي 1995 .

* البنيوية منهج أم محتوى ـ مقال ـ الزواوي بغوره ، عالم الفكر العدد 4 المجلد 30 أبريل يونيو2002م.

* البنيوية وما بعدها من ليفي ستروس إلى دريدا تحرير جون ستروك .تج .د محمد عصفور ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت شباط 1996 العدد 206 .

* مغامرة المنطق البنيوي (الجزء الأول البنيوية كما هي ) إبراهيم محمود ط1 مركز الأبحاث والدراسات الإشتراكية في العامل العربي 1991 .

ولا يعد إسهام الكاتب هنا ـ في مقابل المصادر ـ أصيلاً إلا بمقدار التصرف في العبارة ما أمكن بداعي التبسيط والإنسيابية وإن كانت طبيعية البحث في مثل هذه الدراسات لا تسمح كثيراً بتجاوز اللغة المتداولة فيها.

 

 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2007/04/18   ||   القرّاء : 12315


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 معرفة الله

 الدين وحده الذي يروض النفس

  الإحسان إلى الوالدين

  الإحسان

  اكل المال بالباطل

  أذية المؤمن

 حسن العشرة ولين الجانب

  حكمة بالغة للإمام زين العابدين (ع)

  التكافل الإجتماعي

  كيف أصبحت ؟

 

مواضيع عشوائية :



  هيئة علماء بيروت تستنكر حجب قناة المنار عن النايل سات

 الجمهورية اللبنانية والإطار الوظيفي..(1)

 السيرة المختصرة للإمام علي عليه السلام

  الامــام الصـــادق ( عليه السلام ) ودوره العلمي

 هيئة علماء بيروت تقوم بواجب التعزية والتبريك

 الجفر

 مدرسة عاشوراء ودورها في الحفاظ على استمرارية خط الولاء لأئمة أهل البيت عليهم السلام

 أدلة القرآن على المعاد

 أقرب الطرق إلى معرفة الله

  البناء على قبور الانبياء و الاولياء و اتخاذها مساجد و اماكن للعبادة *

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 723

  • التصفحات : 2216469

  • التاريخ : 22/08/2017 - 04:30

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net