هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (60)
---> عاشوراء (59)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (12)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (112)
---> قرانيات (54)
---> أسرة (20)
---> فكر (91)
---> مفاهيم (114)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : مقالات .

              • الموضوع : أحكام السجن في الإسلام .

                    • رقم العدد : العدد الواحد والعشرون .

أحكام السجن في الإسلام

 

أحكام السجن في الإسلام

إعداد هيئة التحرير

تعريف السجن

هو بكسر السين: موضوع الحبس، وبفتحها: الحبس نفسه، وقليل من العلماء المسلمين من عرف الحبس، ومن هؤلاء الكاساني، حيث قال : الحبس هو: منع الشخص من الخروج إلى أشغاله ومهماته الدينية والاجتماعية.( بدائع الصنائع للكاساني 7- 174)

وبناء على هذا التعريف فإن الحبس - أصلاً - لايتوقف على وجود بنيان خاص معد لذلك، كما هو المتعارف عليه الآن

مشروعية السجن

اتفق العلماء على مشروعية السجن، وأنه من العقوبات التعزيرية والتأديبية، وليس له الصدارة والأولوية بين أنواع التعزير الأخرى، بل هو أشبه بالعقوبة الاحتياطية، لأن وطأته شديدة وآثاره السلبية كبيرة على الفرد وأسرته وعلى المجتمع عموماً. (نيل الأمطار للشوكاني 8-316

فهو من الوسائل الرادعة للمتخلفين والمجرمين، مضافاً إلى أنّه لا مفر من الحبس، والتوقيف في بعض الأحيان وذلك للحد من فرار المتهمين، أو الضغط والتضييق على المدينين لاجبارهم على أداء ديونهم، ولهذا فإنّ أحكام السجن لها موقع خاص في الفقه الإسلامي

   1 ـ تأريخ السجن

لا يتأتى لأحد أن يحدد تاريخاً دقيقاً لتأسيس أول سجن في تاريخ البشرية، لأنّ هذهِ المسألة تعود تقريباً إلى بدايات الحياة الاجتماعية للبشرية  .

وأمّا في خصوص تاريخ تأسيس السجن في الإسلام، فقد اتفق المؤرخون تقريباً على أنّه لم يكن في عصر النبي(صلى الله عليه وآله)سجن بشكل رسمي، لا لأنَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)لم يكن يُجوِّز ذلك، بل لعدم اتساع المجتمع حينذاك وخاصة في بداية الإسلام حيث كان الناس يلتزمون بالقوانين الإلهيّة، وقلّما كان يوجد شخص متخلف عن تلك القوانين.

 ولذا لا نرى في القرآن الكريم عبارة أو جملة واحدة تدل على وجود السجن في ذلك العصر مطلقاً

ولكن وفي نفس الوقت كانوا يستعينون بطرق اُخرى بالنسبة إلى المجرمين الذين لابدّ من توقيفهم حتى يتعين التكليف فيهم، أو المَدينين الذين يمتنعون عن أداء ديونهم مع امتلاكهم المال اللازم لذلك، أو الأسرى الذين يؤسرون في حروب المسلمين، ومن جملة تلك الطرق

  1_ كان المجرمون يحبسون أحياناً في المسجد، ولّما لم يكن في ذلك الوقت قفلٌ وقيدٌ ونحو ذلك، كانوا يوكلون شخصاً لمراقبة ذلك السجين كي لا يفَّر من المسجد، أو أنّهم كانوا يخطُّون دائرة حوله ويوصونه بعدم اجتياز ذلك الخط المستدير، وإلاّ فهو مسؤول عن ذلك!  

2_ الحبس في دهليز المنازل إذ إنّ أكثر المنازل كان لها دهليز طويل بين باب الدار وباحتها   

3_ نفس المنازل كانت نوعاً آخر من السجون، وكما ورد في القرآن الكريم الأمر بحبس النساء في المنازل

4_  «الملازمة» وهي شكل آخر من السجون، وتكون بهذا الترتيب مثلا، بأن يلازم الدائنُ المدين المتمكن ولا ينفصل عنه حتى يأخذ حقه

5_ مسألة «استرقاق الأسرى» تعتبر أيضاً قائمة مقام السجن

هذه أشكال بدائية وبسيطة للسجون، وقد تغيرت وتعقّدت بمرور الزمن واتساع المجتمع الإسلامي وتعقيد الحياة وزيادة عدد المجرمين، وأصبح السجن على شكل بناء مخصص، وإن كان السجن موجوداً وبشكل كامل في بلدان اُخرى وقبل قرون من الزمن

أولُ سجن أُسّس زمن عمر بن الخطاب

على الرغم من اصرار بعض المؤرخين على عدم وجود سجن بمعنى المحل الخاص لحجز المجرمين في زمن الخلفاء الثلاثة الأُوَل، وإن السجن بُني في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، إلاّ أنّ هذا الادّعاء مخالف لكثير من الروايات التي ورد فيها أنّ «عمر» كان أول من أقدم على تأسيس السجن في الإسلام

والشاهد على هذا الأمر هو ما ذكره «ابن همان» في كتاب «شرح فتح القدير» المصنف في الفقه الحنفي حيث يقول: لم يكن السجن موجوداً في زمن النبي(صلى الله عليه وآله) ولا زمن خلافة أبي بكر، بل كان المجرمون يُحجزون في المسجد أو في دهليز المنازل، حتى جاء «عمر» فاشترى بيتاً في مكة بأربعة آلاف درهم وجعله سجناً (شرح فتح القدير، ج5 ، ص471

وهناك قرائن اُخرى تدل على وجود مثل هذا السجن في زمن عمر، إذ مع اتساع رقعة العالم الإسلامي يزداد عدد الجرائم والمجرمين لا محالة

السجن في زمن أمير المؤمنين علي (عليه السلام )

وحينما تولى الإمام علي (عليه السلام) الخلافة اهتم بالسجن أيَّما اهتمام فبنى سجناً في الكوفة من قصب وسماه (نافعاً) فنقبه اللصوص وهربوا منه، ثم بنى سجناً آخر من مدر وسماه (مخيساً)( د. أحمد الحصري: المصدر السابق، ص390

وتلاحظ النزعة الإصلاحية لهذين السجنين من اسميهما – كما يذكر الأستاذ توفيق الفكيكي -، فالسجن الأول اسمه (نافع) والنفع ضد الضرر، أما الثاني فقد سماه (عليه السلام) مخيس والتخييس يعني التذليل والتليين والمرونة، هذا من حيث الاسم، أما من حيث المعاملة العقابية فقد عمد الإمام (عليه السلام) إلى وضع قواعد خاصة في معاملة المسجونين ترمي إلى الحفاظ على كرامة الإنسان بما هو إنسان أولاً وكونه مسلماً ثانياً.

فكان الإمام علي (عليه السلام) يتابع طعامهم وشرابهم وكان يصرف لهم كسوة صيفية وأخرى شتوية وفي حال مرض احد السجناء فكان يعالج داخل المؤسسة العقابية وان لم يكن له خادم يقوم بخدمته قوَّم له واحداً، وان كان مرضه لا يرجى شفائه أو خطراً على حياته فينقل إلى بيته لعلاجه ومن ثم يصدر قراراً بإعفائه من مدة محكوميته، وكان يسمح للمسجونين بالخروج والمشي داخل المؤسسة العقابية، بل نجد أن الإمام (عليه السلام) قد أقر للسجناء بحق الخروج لأداء صلاة الجمعة والعيدين، مع حق ذويهم وأهلهم في زيارتهم، ثم نجد أن الإمام (عليه السلام) قد أقر تعليم السجناء القراءة والكتابة والأحكام الدينية والعقائدية والمواظبة على ممارستها، ثم أكد على ضرورة معاملة السجناء (النزلاء) بالحسنى وهذا ما يأتي تفصيله لاحقا.

التطور التاريخي للسجون

تطورت الأهداف المتوخاة من استحداث السجن بحد ذاته ابتداءً من العصور القديمة وانتهاءً بالعصور الحديثة وكالآتي

 1_ هدف السجن في العصور القديمة: ويتمثل بالهدف من العقوبة ذاتها وهو الانتقام من الجاني وتعذيبه

   2_ هدف السجن في العصور الوسطى:

 فعقوبة السجن لم تكن تستهدف سوى الانتقام والإرهاب بداعي تطهير المجرم لان هدف العقوبة كان آنذاك هو الردع فقط دون الإصلاح، لذا نجد أن السجون كانت عبارة عن قلاع أو حصون قديمة يودع المجرمون فيها بسراديب مظلمة مكبلين بالسلاسل مع التعذيب وإجبارهم على القيام بأعمال السخرة(د. محمود معروف عبد الله: علم العقاب، بغداد، بلا سنة طبع، ص19

 

  3_ هدف السجن في العصر الحديث والمعاصر: بعد تطور هدف عقوبة السجن من الانتقام والاقتصاص إلى الإصلاح والتأهيل من خلال تغير النظرة إلى شخص الجاني نفسه بوصفه غير منضبط أخلاقياً واجتماعياً وانه بحاجة إلى علاج بدأ التحسن يطرأ على السجن والسجين عموماً وذلك نتيجة لجهود المفكرين ورجال الدين الغربيين منذ نهاية القرن الثامن عشر ومروراً بالقرن التاسع عشر والقرن العشرين(المصدر نفسه، ص174 – 176)

 فاتجهت القوانين العقابية الحديثة إلى تصنيف السجن وتخصيص السجون والرعاية بالمسجونين من النواحي الطبية والنفسية والفكرية والجسدية مع إيجاد الاخصائيين في مختلف هذه النواحي، وقد صاحب هذا التطور اهتمام دولي بالسجون ووضع التوصيات والقرارات اللازمة في سبيل إصلاحها وتطويرها، حيث انعقد المؤتمر الدولي الأول للسجون في لندن سنة 1872 والمؤتمر الدولي الثاني في استكهولم سنة 1878 وغيرها من المؤتمرات.

  اعتمدت عصبة الأمم المتحدة قواعد الحد الأدنى لمعاملة المسجونين والتي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في مؤتمر مكافحة الجريمة ومعاملة المذنبين في جنيف وذلك عام 1955 والتي اعتمدها المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة بقراره المرقم 663 في 31/7/ 1957(د. رؤف عبيد: أصول علمي الإجرام والعقاب، ط6، القاهرة، دار الفكر العربي، 1985، ص610

وتعرف قواعد الحد الأدنى لمعاملة المسجونين بأنها " مجموعة المبادئ والأسس التي تحدد اقل الأوضاع والمعايير المقبولة لمعاملة مختلف طوائف المسجونين البالغين وتنظيم وإدارة مؤسساتهم طبقاً للآراء والممارسات المعاصرة لعلم العقاب الحديث".

2 _ فلسفة وأقسام السجون

لا شك في أنّ أكثر السجون على طول التاريخ كانت تعبر عن أبشع صور الظلم من قبل الطغاة والحاقدين للوصول إلى مقاصدهم الدنيئة اللامشروعة، ولكن ذلك لا يمنع في أن يكون للسجن فلسفة وأهميّة واقعية، وآثار إيجابية في إصلاح الأفراد ومحاربة الفساد الاجتماعي. فالاعتقال وسلب الحرية، يُعدُّ وسيلة ثقيلة للضغط على المسجونين لتحقيق أحد الاُمور التالية التي تشكل فلسفة الحبس:

 1_  السجن الايذائي

يكون عادة للأشخاص الذين يرتكبون المخالفات، فالسجن يسلبهم الحرية ليقفوا على قبح أفعالهم، ويردعهم عن تكرارها في المستقبل، ولكي يعتبر الآخرون بذلك.

  2_  السجن الإصلاحي

وهذا السجن يستفاد منه لحبس الأفراد الذين يعتادون على الاُمور السيئة  كالمعتادين على المخدرات) والذين لا ينفع معهم النصح والإرشاد، فلا مهرب من حبسهم في هذا السجن وعزلهم عن المجتمع لمدّة قصيرة أو طويلة، لإصلاحهم واجبارهم على ترك ما اعتادوا عليه

3_ السجن الاحتياطي

كأن تحدث حادثة مهمة كمقتل نفس محترمة، ولم يُعرف القاتل ولكن يُتهم البعض بالقتل، وحينئذ لابدّ من التحقيق للتعرف على القاتل، ولمنع هروب المتهمين وعدم التمكن من القبض على القاتل بعد ثبوت الأدلة الكافية، لابدّ من توقيف المتهمين فترة التحقيق المؤقتة، فمن ثبتت براءته قدّم الاعتذار إليه وأُطلق سراحه، ومن ثبت جُرمه عوقب بالعقاب الذي يستحقه.

ومن الطبيعي أنّ التحقيقات لابدّ أن تتمّ على وجه السرعة، إذ قد يكون المتهم بريئاً في الواقع، فينبغي أن لا يبقى فترة طويلة في الحبس

4_ السجن التأديبي

وهذا السجن يُستفاد منه عادة في حق الأطفال الذين لا تشملهم القوانين، في مقابل ارتكابهم بعض الذنوب. ليتم تأديبهم وتربيتهم.

5_ السجن السياسي

يطلق لفظ «السجين السياسي» على أولئك الأشخاص الذين يقومون بنشاطات سياسية معارضة لمصلحة المجتمع والنظام الحاكم، وقد تكون تلك النشاطات أحياناً غير معارضة لمصلحة المجتمع، بل قد تكون في مصلحته ولكنها مخالفة لمطامع الحكم المتسلط على رقاب أبناء المجتمع

 6_ السجن الاستحقاقي

ونقصد بالاستحقاق هنا، أخذ الحق، فمثلا، لشخص على آخر دينٌ يمتنع عن أدائه إليه مع أنّه متمكن من الأداء، فهنا قد يحبس المدين حتى يضطر إلى دفع ما عليه للدائن، ولكن هنا لابدّ من الافراج عنه فوراً بمجرد أن يقبل دفع حق الدائن إليه، لأنّ فلسفة الحبس تنتهي بهذا المقدار

7_ سجن الحفظ

وهذا السجن قد يوجد ولكن بندرة، وهو مورد بعض الأشخاص الذين اشتد غضب الناس عليهم إلى درجة أنّ وجود هؤلاء الأشخاص في المجتمع يشكل خطراً على حياة الناس، في حين أنّهم على فرض ارتكابهم ذنباً فإنّهم لا يستحقون الاعدام، ومن هنا تضطر الدولة وهي الحافظة لمصالح الناس إلى نقل هؤلاء الأشخاص إلى سجن معين حتى تهدأ ثائرة المجتمع ضدهم، ومتى ما عادت الأوضاع إلى حالتها الطبيعية اطلق سراح هؤلاء الأشخاص

ما ذكرناه من الاقسام السبعة أعلاه، فلسفة معقولة يمكن تصورها للسجن.

وفي قبال هذه الفلسفة المعقولة، توجد أهداف ومبررات لامعقولة وظالمة كانت العامل الأصلي لكثير من السجون منها :

 1_ السجن الانتقامي

سجن ليس له هدف معقول اطلاقاً، إلاّ أنّ الجبّارين والظلمة والاقطاعيين وللانتقام من الاحرار والرعية

  2_ السجون المعدة لقمع التحرر

يحاول الجبّارون كسر روح المقاومة المعنوية أو الجسدية عند المناضلين الثائرين ضدهم، فيلقون بهم في السجون لأجل ذلك، وأحياناً يكون الحبس توأماً مع الاهانة والتعذيب الروحي والجسدي

  3_ السجن لعزل القيادة عن القاعدة

هذه السجون خاصة بقادة الدين والقادة السياسيين، حيث إنّ الجبّارين وعندما يضيقون ذرعاً بجهاد هؤلاء يحاولون التفكيك بينهم وبين قواعدهم ومؤيديهم، فيلقون بالقادة في السجون

 4_  السجن لرفع المضايقات

أحياناً يكون وجود العالم، المخترع، القائد، أو أي فرد لائق، مزاحماً لوجود الحكام الجبّارين، فما يكون من الجبّارين إلاّ أن يودعوا هؤلاء في السجون ليرتاحوا من مضايقاتهم ومزاحمتهم،

 5_   السجن بسبب النزاهة

ومن أعجب أنواع السجن على طول التاريخ، السجن الذي يبتلى به بعض الأشخاص بسبب نزاهتهم وبراءتهم، ولابدّ من الإلتفات إلى النزاهة والطهارة تعدُّ جُرماً في المحيط الملوث بالذنوب والآثام !! كما في يوسف الذي دخل السجن بسبب طهارته وعفته. 

3 ـ السجن من وجهة نظر القرآن الكريم

لا شك في أنّ كثيراً من الاُمور التي ذكرت في فلسفة السجن أمور معقولة، وفي الواقع يعتبر السجن تبعاً لتلك الاُمور ضرورة اجتماعية، سواء كان لمعاقبة المجرمين أو كان لإصلاحهم وتأديبهم، أو كان لقطع خطرهم أو قطع جذور الفساد وغير ذلك من المسوغات، وقد وردت إشارات عديدة لهذا المعنى في القرآن المجيد

ولا يخفى أنّ الألفاظ التي تدل على مفهوم «السجن» كثيرة في لغة العرب وقد استعملت في القرآن والسنّة الشريفة

ومن جملة المصطلحات، لفظة «السجن» التي وردت في تسعة موارد في آيات القرآن الكريم في سورة يوسف بمناسبة حبس هذا النبي الكريم الطاهر «بنفسها أو بمشتقاتها واستعملت في مورد واحد في قصة فرعون في سورة الشعراء حيث خاطب فرعون موسى(عليه السلام) مهدداً ايّاه بالسجن وحكى هذا القول القرآن الكريم بقوله  تعالى : قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ اِلَهاً غَيْرِى لاَجْعَلَنَّكَ مِنَ  المسجونين الشعراء / 29

والمصطلح الآخر هو «الحبس» الذي استعمل في القرآن الكريم في موردين، ولكن ليس في معنى السجن، وإنّما استعمل في هذا المعنى في الأحاديث الإسلامية كثيراً.

مصطلح  الامساك  الذي استعمل في مورد واحد في القرآن المجيد بمعنى السجن، وهو مورد النساء اللاتي يأتين الفاحشة، وذلك قبل نزول حكم حدِّ الزنا (الجلد)، وقد ورد هذا التعبير في الآية 15 من سورة النساء

 مصطلح النفي من الارض الذي ورد في الآية 33 من سورة المائدة وفسّره البعض بالسجن وكذا مصطلح الإرجاء الذي ورد في سورة الأعراف الآية 111 في قصة موسى وفرعون، حيث يعتقد البعض أنّه بمعنى السجن ولكن أغلب المفسرين لم يفسر الإرجاء بهذا المعنى، بل قالوا إنّ معناه التأخير.

وعلى أيّة حال، فإنّ المتيقن أنّه يوجد في القرآن المجيد مورد واحد على الأقل من موارد حكم السجن  

والمعروف بين المفسرين هو أنّ هذه الآية ناظرة إلى عقاب النساء اللاتي يرتكبن الزنا، قبل نزول حكم حدِّ الزنا وهنا ذكر حكمهن وهو السجن المؤبد، وإن تبدل هذا الحكم فيما بعد إلى حكم الجلد أو الرجم

وجملة (أَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَى يَتَوفَاهُنَّ الْمَوتُ) وإن لم يذكر لفظ السجن فيها، ولكن الإمساك في البيوت إلى آخر العمر أمرٌ شبيه بالسجن   وهذا هو المورد الوحيد المتحقق في القرآن حول حكم السجن 

التعامل الإنساني مع المساجين

على الرغم من سوء استغلال موضوع السجن بشكل واسع وعلى مرِّ التاريخ، فإنّ السجن من وجهة النظر الاجتماعية والإنسانية، أمرٌ ضروري لمكافحة الجرائم والجنايات وتربية النفوس المريضة، ولكن بحدود وشروط معينة ومحسوبة

أحد تلك الشروط، هو مراعاة المعاملة الإنسانية مع السجناء، وأن لا يحبس أحدٌ بذنب غيره، وأن لا يعاقب أحدٌ أكثر ممّا يستحق حتى لساعة، ولابدّ أن تكون كل البرامج في سبيل تعليم وتربية السجين، وبتعبير آخر، ينبغي أن يكون السجن مركزاً للتربية والتهذيب لا مركزاً لتخريج المجرمين والحاقدين

من توجيهات الإمام الخميني(قدس سرّه) في التعامل مع السجناء

وتأكيدا لهذا التعامل الانساني وتبيانا لفلسفة السجن وانه للاصلاح جاء في كلمة الامام الخميني رضوان الله عليه بمناسبة الذكري السنوية الخامسة لانتصار الثورة الاسلامية في ايران مايلي:«من الامور المهمة التي يجب ملاحظتها كثيرا هي ضمان رفاه وسعادة المعتقلين في السجون الاسلامية.. ..ان هؤلاء اليوم أسرى في أيديكم، وهم الذين ورّطوا انفسهم. وعليكم ان تجعلوامن السجون مدارس للتعليم والتربية الاخلاقية، كما قمتم بذلك لحد الآن، وذلك لكي تسمحوا للمنحرفين والمذنبين ان يذوقوا حلاوة العدالة الاسلامية، وبالتالي ان يعودوا الى الاسلام والنظام الاسلامي، والتوبة النصوح

...  ويجب على مجلس القضاء الاعلى ولجنة دراسة وضع المعتقلين في انحاء البلاد ان يعجلوا في انجاز المهام الملقاة على عاتقهم، وان يعفوا عن كل شخص يستحق العفو حسب الشريعة الاسلامية واطلاق سراحه فورا وفسح المجال امامهم لمزاولة الحياة الحرة في هذه الدنيا وان شاء الله يعودوا الى هذا المجتمع، ليكونوا ابناء مفيدين لوطنهم »   مجلة التوحيد،1404ھ ،السنة الثانية،العدد9 ،ص25

وقال الدكتور الشيخ أحمد الوائلي(رض) في هذا الصدد:(لابد ان يكون بناء السجن مريحا وواقيا من الحر والبرد مما يتوفر معه راحة السجين، ومن هنا ترى النبي(ص)يحبس في الدور الاعتيادية التي يسكنها سائر الناس، ويتوفر فيها النور، والسعة فقد حبس الاسرى المقاتلين الذين حُكمهم القتل في دور اعتيادية إذ فرقهم على بيوت الصحابة، واحيانا كان يحبسهم في دار واحدة كما حبسهم في دار إمرأة من بني النجار من الانصار»   الوائلي، احمد،احكام السجون بين الشريعة والقانون،ص117،بيروت، دار الفكر

والقرآن الكريم يحدثنا كيف أن يوسف الصديق حاول أن يحوّل بيئة السجن إلى محيط للتربية والتعليم والإصلاح، فكان يعلم السجناء درس التوحيد وعبادة الله وهو أصل كل طهارة وحسن، فمتى ما سُئل يوسف عن مسألة بسيطة، أو طلب منه تفسير رؤيا عابرة، كان يطرح المعارف الإلهيّة ويبين المسائل التربوية للسجناء .

وقد أثبتت لنا التجارب أنّ كثيراً من السجناء الأشرار الملوّثين بالذنوب والجرائم سرعان ما يتمّ إصلاحهم إذا ما وجدوا قريناً صالحاً يرشدهم إلى الطريق الصحيح، إذ إنّهم خارج السجن لم يكن لديهم الفرصة الكافية من أجل التفكير والتأمل في تصرفاتهم الفائتة وإعادة حساباتهم للمستقبل

ونلاحظ في الروايات الإسلامية اهتمام الدين بحقوق السجناء  نذكر منها :

نفقة المسجون

وردت روايات تدل على ان نفقة المسجون من بيت المال وعلى الحكومة ان تنفق عليه والى ذلك ذهب الفقهاء ، فاليك نموذجين من ذلك:

 1_ جاء في الاحكام السلطانية: «يجوز للأمير فيمن تكررت منه الجرائم ولم ينزجر عنها بالحدود أن يستديم حبسه اذا استضرّ الناس بجرائمه حتى يموت بعد أن يقوم بقوته وكسوته من بيت المال ليدفع ضرره عن الناس» الماوردي ، ابو يعلي محمد بن الحسين، الاحكام السلطانية ،ص220، قم ، مركز الاعلام الاسلامي، 1406 ق

 2_ وفي احكام السجون ورد: «وأوّل من أجرى من الخلفاء الراشدين على أهل السجون ما يقوتهم في طعامهم وكسوتهم صيفاً وشتاء هو الامام علي(ع) فاذا كان للمجرم مال انفق منه عليه في السجن، ‌وان لم يكن له مال انفق عليه من بيت مال المسلمين حتى يحبس عن الناس شرّه» الوائلي ، احمد ، احكام السجون بين الشريعة والقانون،ص125

 

حول حقّ السجين في التقائه بزوجته

جاء في المبسوط:«اذا كان محبوساً في موضع وله اربع زوجات وتمكن الدخول والوصول اليه وقد كان قد قسّم في حال انطلاقه، فانه وجب عليه أن يقسم للبواقي لان ذلك حقهن» الطوسي، محمدبن حسن، المبسوط ،ج4 ،ص332،طهران، المكتبة المرتضوية، 1413. ق

 

لا اشكال في ظهور كلمات الفقهاء بل صريحهم في اثبات حق لقاء المسجون زوجته تمهيداً لما تطلبه الغريزة الجنسية، وهذا حق للزوج والزوجة. والمقصود من حبس الزوجة معه في كلمات الفقهاء هو التمهيد لذلك.

 

حق المسجون في اداء العبادات

صرح بعض فقهاء الامامية بحق السجين في الاشتراك في اداء العبادات التي تقام جماعة خارج السجن.

 ونفى بعض فقهاء العامة ذلك حيث جاء في ردّ المحتار: «و لا يخرج لجمعة ولاجماعة ولا لحج فرض» ابن العابدين،محمد امين، ردالمحتار على الدر المختار،ج4،ص314

  وفي مبسوط السرخسي جاء «ولايخرج المحبوس في الدين بجمعة ولاعيد ولا حج» السرخسي، شمس الدين  المبسوط ،ج20 ،ص90

 

حق المسجون في ملاقاة ذويه واقربائه

أورد صاحب الدعائم رواية تدل على حق السجين في الالتقاء باقربائه وذويه، وان تزوره اهله واقرباؤه او غيرهم الا من يلقنه اللدد اي الخصومة والحقد والخداع او اخفاء معالم الجريمة. والرواية عبارة عما كتبه علي (ع) الى رفاعة قاضي الاهواز حول ابن هرمة ونصها كالأتي: «... ولاتحل بينه وبين من يأتيه بمطعم أو مشرب، أو ملبس أو مفرش ولاتدع أحداً يدخل اليه من يلقّنه اللدد ويرجّيه الخلاص فان صحّ عندك أنّ احداً لقّنه ما يضرّ به مسلماً، فاضربه بالدّرة فاحبسه حتى يتوب» التميمي، نعمان بن محمد بن منصور، دعائم الاسلام،ج2،ص532،مصر، دار المعارف، 1385

و ذهب الى ذلك من فقهاء العامة السرخسي والكاساني وابن العابدين .

 

تحريم تعذيب السجين وضمان ما يترتب عليه

إنّ الشريعة الاسلامية ترفض تعذيب وايذاء السجين وتعاقب عليه ،فاذا قام متولو السجن من المسؤولين والحراس واجهزة الامن والاستخبارات بتعذيب السجين، وأدى ذلك الى موته أو جرحه أو فقدان عضو من اعضائه ونحو ذلك عمداً يُقتص من المعذّب منهم،اما اذا اُرتكِب ذلك خطأً وسهواً يلزم بدفع الدية وهكذا لو افرط بحق من حقوقه

 

عدم التضييق على السجناء الا في موارد محددة

كما في المرتدة والعامل الخائن والمظاهر(وهو ان يقول الزوج مخاطبا زوجته انت عليّ كظهرامي،أو زوجتي أوفلانة عليّ كظهر أمي )  والمولي ( من الإيلاء وهو الحالف على ترك وطئ الزوجة الدائمة ابدا أو مدة تزيد على اربعة أشهر للاضرار بها)  والملتوي عن اداء الدين من الموارد المستثناة، ومع هذا لا يخفى ان التضييق على المظاهر والمولي في المأكل والمشرب لاجل ان يختار الطلاق اوالجوع؛ ولو اختارا احدهما لايسجنان، وكذلك بالنسبة الى المديون الموسر المماطل لو أدى الدين.

 

نختم بذكر التعامل الاخلاقي غير المسبوق للامام علي ( ع) مع قاتله حيث ورد انه عندما اُلقي القبض على عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام  علي ( ع) وأودع السجن، أوصى الإمام(عليه السلام) بمداراته والإهتمام به، ومن جملة وصاياه لأولاده في حق ابن ملجم أطعموه واسقُوه وأحسنوا أسارَهُ  (بحار الأنوار، ج42، ص 239

ويروي العلاّمة المجلسي حديثاً آخر، وذلك عندما جيء بابن ملجم إلى الإمام علي(عليه السلام)فتكلم معه الإمام بكلام ثم قال لولده الإمام الحسن(عليه السلام ) اَرْفِقْ يا وَلَدي بِاَسيرِكَ وَارْحَمْهُ وَاَحْسِنْ اِلَيْهِ وَاَشْفِقْ عَلَيْهِ، اَلا تَرى اِلى عَيْنَيْهِ قدْ طارَتا اِلى اُمِّ رَأْسِهِ وَقَلْبُهُ يَرْجِفُ خَوْفاً ورُعباً وَفَزَعاً، فَقالَ لَهُ الْحَسَنُ عليه السلام يا اَباهُ! قَدْ قَتَلَكَ هذَا اللَّعينُ الْفاجِرُ وَاَفْجَعَنا فيكَ وَاَنْتَ تَأْمُرُنا بِالرِّفْقِ بِهِ؟! فَقالَ لَهُ نَعَمْ يا بُنَيَّ نَحْنُ اَهْلُ بَيْت لا نَزْدادُ عَلَى الذَّنْبِ الَيْنا اِلاّ كَرَماً وَعَفْواً وَرَحْمَةً وَالشَّفَقَةُ مِنْ شيمَتِنا لا مِنْ شيْمَتِهِ، بَحَقّي عَلَيْكَ فَاَطْعِمْهُ يا بُنَيَّ مِمّا تَأْكُلُهُ، وَاَسْقِهِ مِمّا تَشْرَبهُ وَلا تُقَيّدْ لَهُ قَدَماً، وَلا تَغُلَّ لَهُ يدا    المصدر السابق، ص287 ـ 88

 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2012/01/11   ||   القرّاء : 7398


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



  مصيبةُ الإمامِ الحسين (عليه السلام) ابكت كلُّ الوجودِ

  . لماذا ثار الإمام الحسين(عليه السلام)؟

  العباس بن علي عطاء وإيثار

  الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) يرفض البيعة ليزيد ويخرج ثائرا

  إحياء أمر أهل البيت(عليهم السلام)

  الأبعاد المعنوية في شخصية الإمام الحسين عليه السلام

  شرح خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) في مكة

  رسالتنا في شهر محرم

  عاشوراء في ضوء فكر الإمام الخامنئيّ (دام ظله)

 أقوال مأثورة عن الإمام الحسين عليه السلام

 

مواضيع عشوائية :



  قراءة القرآن وتلاوته

  مملكة الكراهية

 من أحكام علاقة الرجل بالمرأة

  آيات الصوم في القرآن الكريم

 الوعظ والإرشاد

  في بيان معنى الولاية بحسب الحقيقة (1)

  من يتحدث باسم الإسلام؟

  أحكام الصوم الخلقية والسلوكية وهي أصل كل عبادة

  الصوم فضله وآثاره وآدابه في الآيات والروايات

 آيات نزلت في علي (ع)

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 745

  • التصفحات : 2287046

  • التاريخ : 22/10/2017 - 16:39

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net