هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (64)
---> عاشوراء (59)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (12)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (112)
---> قرانيات (54)
---> أسرة (20)
---> فكر (91)
---> مفاهيم (114)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : قرانيات .

              • الموضوع : وقفات وتأملات في سورة الحجرات (3) .

                    • رقم العدد : العدد الثالث والعشرون .

وقفات وتأملات في سورة الحجرات (3)

 وقفات وتأملات في سورة الحجرات (3)

الشيخ سمير رحال

الدين  كيان متكامل جامع بين العقيدة و العبادة و المعاملة، و الأخلاق أو الآداب، و ليست الآداب مجرد صفات ترفيه أو كمالية في الإسلام، و إنما هي من صلب الدين، وتقدم المجتمعات ورقيها إنما يكون بالأخلاق السوية و الآداب العالية  لذا نجد في القرآن الكريم عشرات الأنظمة الاجتماعية، ومئات الوصايا والتعاليم الأخلاقية التي تضمن بناء مجتمع سليم معافى  تقوم العلاقات بين ابنائه على اسس متينة  وفي جو من الاحترام المتبادل  واداء الحقوق فإن الحقوق الاجتماعية ليست بأقل حرمة من الحقوق المالية، و من يعتدي على عرض إخوانه كمن يعتدي على نفسه أو ماله،  وفي الحديث الشريف المأثور عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «إن اللّه حرم من المسلم دمه و ماله و عرضه و ان يظن به السوء»  وفي المقابل  فإن كل ما يخل بهذا  الهدف وبالامن الاجتماعي للناس كان مورد نهي صارم في كثير من الآيات ، و منها هذه الآيات في سورة الحجرات وهي كلها في الأخلاق والمبادئ الاجتماعية و الإنسانية:

يقول تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى‏ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَ لا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى‏ أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَ لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَ مَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَ لا تَجَسَّسُوا وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)

فبعد أن بيّن اللَّه تعالى و أرشد إلى ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع اللَّه تعالى، و مع النبي صلّى اللَّه عليه وآله سلّم، و مع من يخالفهما و يعصيهما و هو الفاسق، بيّن ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع المؤمن و مع الناس كافة، من الامتناع عن السخرية، و الهمز و اللمز و التنابز بالألقاب، و إساءة الظن و تتبع عورات الناس و معايبهم، و الغيبة و النميمة .

وفي كل من الآيتين ثلاثة أحكام في مجال الأخلاق الاجتماعية:

1- حرّم اللَّه تعالى في الآية الأولى ثلاثة أشياء: هي السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب.

2- حرّم اللَّه سبحانه في الآية الثانية ثلاثة أشياء: هي سوء الظن بأهل الخير و الصلاح و الإيمان، و التجسس، و الغيبة.

 ونلاحظ في هذا التسلسل في الآية من الظنّ، إلى التجسس، إلى الغيبة، أن القضية خاضعة للناحية الواقعية للمسألة، فإن الإنسان يظن بالآخرين السوء، فيدفعه ذلك إلى التجسس الذي يطّلع من خلاله على عيوبهم، فيقوده ذلك إلى الغيبة.

قال تعالى اجْتَنِبُوا كَثِيراً أي لا تقولوا في حق المؤمنين ما لم تعلموه فيهم بناء على الظن، ثم إذا سئلتم على المظنونات، فلا تقولوا نحن نكشف أمورهم لنستيقنها قبل ذكرها، ثم إن علمتم منها شيئا من غير تجسس، فلا تقولوه و لا تفشوه عنهم و لا تعيبوا ففي الأول نهى عما لم يعلم، ثم نهى عن طلب ذلك العلم، ثم نهى عن ذكر ما علم .

فالانسان ليس حراً في ان يقول ما يعلم وان كان صادقاً فضلا عما لم يعلم حتى وليس له أيضاً ان ينساق خلف ظنونه واهوائه لان ذلك كله مدعاة للشقاق والظلم  وسبيل لانهيار المجتمع الصالح الذي يريد الاسلام بناءه في دار الدنيا  , مجتمع يسوده الوئام والمحبة والعدالة . وهذه الامور المنهي عنها في الآيات المبحوث عنها ستكون مورد كلامنا بإذنه تعالى.

1_  قوله تعالى : لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى‏ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَ لا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى‏ أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ

 سبب النّزول‏ نزلت في «ثابت بن قيس» خطيب النّبي صلى اللَّه عليه و آله و سلّم الذي كان ثقيل السمع و كان حين يدخل المسجد يجلس إلى جنب النّبي و يوّفر له المكان عنده ليسمع حديث النبي صلى اللَّه عليه و آله ، و ذات مرّة دخل المسجد و المسلمون كانوا قد  فرغوا من صلاتهم  وجلسوا في أماكنهم، فكان يشقّ الجموع و يقول: تفسّحوا، تفسّحوا حتى وصل إلى رجل من المسلمين فقال له: اجلس (مكانك هنا) فجلس خلفه مغضبا حتى انكشفت العتمة فقال ثابت لذلك الرجل: من أنت فقال: أنا فلان فقال له ثابت: ابن فلانة؟!

وذكر اسم أمّه بما يكره من لقبها .. و كانت تعرف به في زمان الجاهلية فاستحيى ذلك الرجل و طأطأ برأسه إلى الأرض، فنزلت الآية و نهت المسلمين عن مثل هذا العمل ...

و قيل إنّ جملة وَ لا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ نزلت في أم سلمة إحدى أزواج النّبي صلى اللَّه عليه و آله و سلّم سخرت منها بعض النساء فنزلت الآية و نهت عن مثل هذه الأعمال!.

و السّخرية: الازدراء و الاحتقار، و يقال: سخر به و سخر منه. وأساس السخرية و الاستهزاء هو الإحساس بالاستعلاء و الغرور و الكبر وعجب كل قوم بما يملكون من ميزات، و فرحهم بها.

 ففي الآية نهي عن السخرية بالناس،   وهو احتقارهم و ازدراؤهم و الاستهزاء بهم: فقد يسخر الرجل الغني من الرجل الفقير. و القوي من  الضعيف، و  السوي من غير السوي  . ... وقد تسخر الجميلة من القبيحة، و الشابة من العجوز، و المعتدلة من المشوهة، و الغنية من الفقيرة .. أما النساء فتجري مفاخرتهن في أمور شخصية كالجمال و الزينة أو النسب أو السبب .

فليس لإنسان أن يسي‏ء إلى حرمة إنسان آخر فيه بقول كلمات تسي‏ء إلى كرامته أو تؤذي مشاعره ، سواء كان  ذلك من خلال مضمونها، أو من خلال طريقة قولها، أو استخدام الإشارة بأسلوب يوحي بالإذلال و الانتقاص.

 حكمة بالغة للإمام زين العابدين (ع) : : «إياك أن تتكلم بما سبق الى القلب إنكاره وان كان عندك اعتذاره، فليس كل من تسمعه شرا يمكنك أن توسعه عذرا .. واجعل من هو أكبر منك بمنزلة الوالد، و الصغير بمنزلة الولد، و الترب بمنزلة الأخ، فأي هؤلاء تحب أن تهتك ستره؟ و ان عرض لك الشيطان ان لك فضلا على غيرك فانظر: ان كان أكبر منك فقل: قد سبقني بالايمان و العمل الصالح فهو خير مني، و ان كان أصغر منك فقل: قد سبقته بالمعاصي و الذنوب فهو خير مني، و ان كان تربك فقل: أنا على يقين من ذنبي و في شك من أمره فما لي أدع يقيني لشكي، و ان رأيت الناس يعظمونك فقل: هذا فضل أخذوا به، و ان رأيت منهم جفاء فقل: هذا لذنب أحدثته، فإنك ان فعلت ذلك سهل اللّه عليك عيشك و كثر أصدقاؤك و قلّ أعداؤك، و فرحت ببرهم، و لم تأسف على جفاء من جفاك».

وروي عن أبي جعفر (عليهما السلام): قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «لم يعبد اللّه عزّ و جلّ بشي‏ء أفضل من العقل، و لا يكون المؤمن عاقلا حتى تجتمع فيه عشر خصال .. و العاشرة لا يرى أحدا إلّا قال: هو خير منّي و أتقى، إنما الناس رجلان: فرجل خير منه و أتقى، و آخر هو شرّ منه و أدنى، فاذا رأى من هو خير منه و أتقى تواضع له ليلحق به، و إذا لقي الذي هو شر منه و أدنى قال: عسى خير هذا باطن، و شرّه ظاهر، و عسى أن يختم له بخير. فاذا فعل ذلك فقد علا مجده، و ساد أهل زمانه». « بحار الأنوار/ ج 1/ ص 108 [.....]»

(وَ لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ). و لا تقولوا لأحد ما لا تحبون أن يقال لكم

واللمز  معناه  تتّبع العيوب والطعن في الآخرين  و التنبيه إلى المعايب بقول أو إشارة باليد أو العين أو نحوهما. و قد عاب اللَّه من اتصف بذلك في قوله: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم 68/ 11] أي: يحتقر الناس و يهمزهم طاعنا بهم، و يمشي بينهم بالنميمة   .

   و الفرق بين السخرية و اللمز: ان السخرية احتقار الشخص مطلقا، على وجه مضحك بحضرته  واللمز: التنبيه على معايبه، سواء أكان على شي‏ء مضحك أم غيره، و سواء   أكان بحضرته أم لا  وعلى هذا يكون اللمز أعم من السخرية، و يكون من عطف العام على الخاص، لإفادة الشمول.

وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ.

و النبز بتحريك الباء و هو اللقب السوء  ، فالتنابز هو التلاقب، أن يسمي بعضنا بعضا بما يدل على ذم بسوء و كان غالب الألقاب في الجاهلية نبزا.  فالإسلام نهى عن إطلاق أي اسم أو لقب غير مرغوب فيه يكون مدعاة لتحقير المسلم  كأن يقول لأخيه المسلم:  يا فاسق، يا منافق  و نحو ذلك....  ، أو لمن أسلم: يا يهودي أو يا نصراني، أو .. و يستثني من ذلك: أن يشتهر بلقب لا يسوؤه  إذا لم يقصد من اللقب النقص و الاستخفاف أما الألقاب المحمودة فلا تحرم و لا تكره

 والألقاب الطيبة هي التي تليق بالتبادل بين المؤمنين، مهما كانت هناك سيئات، فالمؤمن يستر القبيح  ويظهر الجميل، ولقد غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ألقابا مزرية تبقّت من الجاهلية للبعض ممن آمن، بأسماء أو ألقاب طيبة، ذودا عن كرامة المؤمنين مما يزريهم

بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ   

 فبئس الذكر ذكر الناس- بعد إيمانهم- بالفسوق فإن الحري بالمؤمن بما هو مؤمن أن يذكر بالخير و لا يطعن فيه بما يسوؤه. وفي بعض الأحاديث أنّ «صفية بنت حيي بن أخطب» المرأة اليهودية التي أسلمت بعد فتح خيبر و أصبحت زوجة النّبي- جاءت يوما إلى النّبي و هي باكية العين فسألها النّبي عن سبب بكائها فقالت: إنّ عائشة توبّخني و تقول لي يا ابنة اليهودي، فقال لها النّبي صلى اللَّه عليه و آله و سلّم: فلم لا قلت لها: أبي هارون و عمّي موسى و زوجي محمّد فكان أن نزلت هذه الآية-محل البحث- « مجمع البيان، ج 9، ص 136.».

 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ.

الظَّنِّ حد وسط بين العلم (اليقين) و الشك أو الوهم  و الظن أنواع :

الأول- ظن واجب أو مأمور به: كحسن الظن باللّه تعالى  عن جابر: «لا يموتن أحدكم إلا و هو يحسن الظن باللّه»

الثاني- ظن مندوب إليه:  كحسن الظن بالمسلم والمؤمن كما يستفاد من قوله تعالى: «لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ              وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً»: النور: 12.

 وقال الامام الصادق عليه السلام: «حسن الظن أصله من حسن إيمان المرء و سلامة صدره، و علامته أن يرى كل ما نظر اليه بين الطهارة والفضل، من حيث ما ركب فيه و قذف من الحياء و الأمانة و الصيانة و الصدق.  

الثالث- ظن مباح: كالظن في استنباط الأحكام الشرعية الفرعية العملية بالاجتهاد،   والعمل بغالب الظن في الشك في الصلاة

الرابع ظن محظور  أو حرام: وهذا ما تنهى عنه الآية مورد الكلام  توقيا عما يتوقع من الوقوع في الإثم  وأخذاً بالأحوط كما أن الطريق المخوفة لا يتفق كل مرة فيه قاطع طريق، لكنك لا تسلك لاتفاق ذلك فيه مرة و مرتين، إلا إذا تعين فتسلكه كذلك الظن ينبغي بعد اجتهاد تام و وثوق بالغ. وهذا سياج آخر  حول حرمات المؤمنين، يتخطى الواقع الخارجي من المعاملة السوء، الى المشاعر و الظنون تنظيفا لها و تنزيها عن أن يظن بالمؤمنين سوء . فلا يتركوا نفوسهم نهبا لكل ما يهجس فيها حول الآخرين من ظنون و شبهات و شكوك. و تعلل هذا الأمر: «إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثمٌ».!

لأن أيّة حالة غير يقينية،  يجعل الاعتماد عليها اعتمادا على الباطل، و هو خطيئة في طبيعته أو في آثاره .

وقد جاء في الأحاديث المأثورة التأكيد على حمل المؤمن على الأحسن  وتوجيه النظر إلى الجانب الإيجابيّ كاحتمال معقول يمنع عن الحكم المرتكز على الظن  و لكن  يبقى الحذر امراً  مطلوباً   وعدم إغفال الاحتمالات المضادة .

فكلمة كثير فقد تستعمل بمعنى بعض و بمعنى معظم، و هذا هو المراد بكلمة كثير في الآية، و القصد هو حصر موضوع الآية و دلالتها بسوء الظن.

و سوء الظن من حيث هو و دون أن يظهر أثره في قول أو فعل- ما هو بمحرم و صاحبه غير مسؤول عنه، لأنه يحصل في خاطر الإنسان اضطرارا عن غير اختيار، فلا يعقل التكليف باجتنابه وانما عليه أن لا يعول على ظن السوء، و يعتبره كأنه لم يكن.

 قال الرسول الأعظم (ص): «ثلاثة لا يسلم منها أحد: الطيرة، و الحسد، و الظن .. فإذا تطيرت فامض، و إذا حسدت فلا تبغ، و إذا ظننت فلا تحقق».

نعم عند غلب الصلاح علينا أن نحسن الظن، لا أن لا نسي‏ء فقط «لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَ قالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ» (24: 12).

 وكما قال الامام الصادق عليه السلام: «إذا كان زمان العدل فيه أغلب من الجور فحرام أن تظن بأحد سوء حتى يعلم ذلك منه،(ولكن  في ظروف  اخرى فالصواب والرشد في خلاف ذلك كما يقول الامام (ع ) و إذا كان زمان الجور فيه أغلب من العدل فليس لأحد أن يظن بأحد خيرا حتى يبدو ذلك منه» « المصدر/ ص 197».

وَ لا تَجَسَّسُوا!.

والتجسّس:وهو البحث بوسيلة خفيّة  و تتبع العورات و العثرات، والبحث عنها في الخفاء، و هو مشتق من الجس، و منه سمي الجاسوس. و«التجسّس» و «التحسّس» كلاهما بمعنى البحث و التقصّي، إلّا أنّ الكلمة الأولى غالبا ما تستعمل في البحث عن الأمور غير المطلوبة، و الكلمة الثانية على العكس حيث تستعمل في البحث عن الأمور المطلوبة أو المحبوبة!

وهو محرم كتابا و سنّة و إجماعا و عقلا

فمن الكتاب قوله تعالى: «وَلا تَجَسَّسُوا». وقوله: «لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ- الى- حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ»- 28 النور

وعن الرسول الأعظم (ص): «من اطلع عليك فحذفته بحصاة ففقأت عينيه فلا جناح عليك».

 أما العقل فإنه يعتبر التجسس غزوا لحياة الناس، و اعتداء على حرياتهم و أشيائهم الخاصة بهم

ووجه النهي عنه ان اللّه  تعالى أعطى الحياة الخاصة حرمة شرعية لم يجز للغير اقتحامها، و جعل للإنسان الحق في منع غيره من الاعتداء أو التلصّص عليها بأيّة وسيلة من وسائل المعرفة الظاهرة أو الخفية.

كما ان التجسس يتنافى مع احد الاهداف الاساسية  للدين وشريعة الاسلام وهو  تحصيل الامن الاجتماعي والشعور بالاطمئنان ...

 وهذا الحكم متعلّق بحياة الأفراد الشخصية و الخصوصية. اما إذا كان لهذا الحكم علاقة بمصير المجتمع أو مصير الآخرين فإنّ المسألة تأخذ طابعا آخر، و من هنا فإنّ النّبي صلى اللَّه عليه و آله و سلّم كان قد أعدّ أشخاصا  وأمرهم أن يكونوا عيونا لجمع الأخبار و استكشاف المجريات  واستقصائها ليحيطوا بما له علاقة بمصير المجتمع.

فهذا المبدأ الاجتماعي لا يشمل الحالات التي تمس فيها المصلحة العليا للإسلام و المسلمين و التي قد تستدعي الاطلاع على بعض الأوضاع الخفية  و في نطاق الضرورة الأمنية و السياسية و الاقتصادية، انطلاقا من قاعدة التزاحم بين المهمّ و الأهمّ .

  وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً:

والغيبة هي إحدى الحرمات الاجتماعية العامة التي يراد من خلالها تقييد حرية الإنسان في التحدث عما يعرفه من عيوب الآخرين الخفية  وبواعث الغيبة و دوافعها أمور متعدّدة كالحسد و التكبّر و البخل و الحقد و الأنانية و أمثالها من صفات دميمة و قبيحة.

والغيبة هي ذكر العيب بظهر الغيب بكتابة أو إشارة أو لسان أو أيا كان،. و هو يتناول كل ما يكره، سواء كان عيبا جسديا أو أخلاقيّا أو في الأعمال أو في المقال سواء في دينه أو دنياه، في خلقه أو خلقه، في ماله أو ولده أو زوجته و نحو ذلك لما فيه من الأذى بالمغتاب. وكذلك فان ذكر العيوب الظاهرة إذا كان بقصد الذم فهو حرام، سواء أدخلناه في مفهوم الغيبة أم لا؟!  .

و الفرق بين الغيبة و الإفك و البهتان: أن الغيبة أن تقول في أخيك ما هو فيه، و الإفك: أن تقول فيه ما بلغك عنه، و البهتان: أن تقول فيه ما ليس فيه.

وقد خطب النّبي صلى اللَّه عليه و آله و سلّم يوما بصوت عال و نادى: «يا معشر من آمن بلسانه و لم يؤمن بقلبه!  لا تغتابوا المسلمين و لا تتّبعوا عوراتهم فإنّه من تتّبع عورة أخيه تتّبع اللَّه عورته و من تتّبع اللَّه عورته يفضحه في جوف بيته» «  

و قد يكون أساس تحريم الغيبة خاضعا   للتأثير السلبي على كرامة الإنسان المؤمن و الانتقاص منه بإظهار عيوبه الخفيّة في الوقت الذي لا يملك الدفاع فيه عن نفسه    وللأثر الاجتماعي السلبي  وبما  تخلق فيه  من جوّ اللّاأمن  والفوضى  واضعاف العلائق الاجتماعية و توهينها  وهي تنثر في القلوب بذور الحقد و العداوة   

من هنا جاء هذا التصوير القرآني لفعل الغيبة وكأنه اكل لحم ميت بما يثير حالة التقزز في النفس  ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ )    ووجه هذا التصوير ان الغائب كالميت في عجزه عن الدفاع عن نفسه، وكرامة الإنسان كلحمه، مما يجعل الأكل من كرامته والاعتداء عليها، كالأكل من لحمه .

ولكن هذا التحريم لا يلغي بعض الاستثناءات التي ورد في الروايات جوازها  لغرض صحيح شرعا لا يتوصل إليه إلا به  

  وفي مكاسب الشيخ الأنصاري: «ان موارد استثناء الغيبة لا تنحصر في عدد لأن الغيبة انما تحرم إذا لم يكن في التشهير مصلحة أقوى و إلا وجب الإعلان و التشهير تغليبا لأقوى المصلحتين، كما هي الحال في كل معصية من حقوق اللّه و حقوق الإنسان».  ج 2 ص 477.

 وقد روي عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال: «ثلاثة ليست لهم حرمة: صاحب هوى مبتدع، و الامام الجائر، و الفاسق المعلن الفسق». « المصدر/ ص 253»

وفي الخلاصة  يتبيّن لنا مدى خطورة هذه الامور المنهي عنها في الآيتين وضرورة  النأي عنها في العلاقات الاجتماعية والانسانية لانها اصلاً اداة هدم لا بناء وتتنافى بالمطلق مع  الاهداف الدينية وقيام المجتمع الصالح المستقر الذي يعيش ابناؤه حال الاطمئنان  النفسي  والسلام بين افراده .

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2013/01/04   ||   القرّاء : 2928


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 هيئة علماء بيروت تدين قرار ترامب اعتبار القدس عاصمة للاحتلال

 هيئة علماء بيروت تدين العمل الارهابي في العريش

 هيئة علماء بيروت تتقدم بالعزاء بضحايا الزلزال في إيران

 هيئة علماء بيروت تدين بيان الجامعة العربية بحق المقاومة

  مصيبةُ الإمامِ الحسين (عليه السلام) ابكت كلُّ الوجودِ

  . لماذا ثار الإمام الحسين(عليه السلام)؟

  العباس بن علي عطاء وإيثار

  الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) يرفض البيعة ليزيد ويخرج ثائرا

  إحياء أمر أهل البيت(عليهم السلام)

  الأبعاد المعنوية في شخصية الإمام الحسين عليه السلام

 

مواضيع عشوائية :



 الورع عن محارم الله

 الشعائر الحسينية النشأة والتطور

  بحث تاريخي ملخص تاريخ الكعبة

 من العلاقات الأسرية علاقة المراهق مع الأهل

  هيئة علماء بيروت تشيد بخطاب السيد نصر الله

  دعوة الله للضيافة*

 الصيام في الكتاب والسنة

 من مناقب الزهراء عليها السلام وخصائصها

  سورة التوبة .... نظرة اجمالية 1

  حاجتنا إلى النظام الإسلامي

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 749

  • التصفحات : 2349697

  • التاريخ : 16/12/2017 - 05:20

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net