هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (62)
---> عاشوراء (59)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (12)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (112)
---> قرانيات (54)
---> أسرة (20)
---> فكر (91)
---> مفاهيم (114)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .

        • القسم الفرعي : شهر رمضان .

              • الموضوع : سلاح اسمه الدعاء .

سلاح اسمه الدعاء

 سلاح اسمه الدعاء

قال تعالى : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي   وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ البقرة (186)

سبب النّزول‏

سأل رجل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عن اللّه سبحانه، أهو قريب ليناجيه بصوت خفي أم بعيد ليدعوه بصوت مرتفع؟ فنزلت الآية[1].

تناولت هذه الآية موضوع الدعاء باعتباره أحد وسائل الارتباط بين العباد و المعبود سبحانه. 

روى عبد اللّه بن سنان عن الإمام الصادق عليه السّلام قال: «الدّعاء يردّ القضاء بعد ما أبرم إبراما فأكثر من الدّعاء فإنّه مفتاح كلّ رحمة و نجاح كلّ حاجة و لا ينال ما عند اللّه عزّ و جلّ إلّا بالدّعاء و إنّه ليس باب يكثر قرعه إلّا يوشك أن يفتح لصاحبه»[2].

نعم، إنه قريب منّا، و كيف يبتعد و هو سبحانه‏ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ‏[3].

حقيقة الدعاء:

الدعاء: هو الوسيلة بين العبد وخالقه، واتصال من عالم الملك بعالم الملكوت الذي هو من أهم الأسباب الطبيعية الاختيارية الواقعية لنجح المطلوب والنيل إلى المقصود، فإنّه كما تترتب المسببات على الأسباب المقتضية لها، فإنّ قانون السببية الذي جعله اللّه تعالى وسيلة لتحقق المسببات الوجودية من دون أن يكون في البين فيض من الأسباب مستقلة من دون اللّه تعالى، كذلك فإنّ للإنسان شعورا باطنيا وحسا وجدانيا أنّ له ملجأ يأوي إليه في حوائجه ليقضيها، و أنّ له سببا معطيا لا ينضب معينه و هو مسبّب الأسباب، و هو ليس كالأسباب الظاهرية التي يمكن أن يتخلف عنها أثرها.   وهذا الشعور الباطني يمكن أن يشتد عند فرد بحيث لا يرى للمسببات إلا سببا واحدا وينقطع عن أي سبب دونه، فيعتصم به و لا يتخلّى عنه و يتوكل عليه في كلّ حوائجه، فتنكشف لديه الأشياء على حقائقها و يرى زيف الأسباب.

نعم، قد يعرض على هذا الشعور الباطني والحسي الوجداني بعض الظلمات والأوهام فيوجب طمس هذا النور الفطري أو خفائه تبعا لشدة ما يتخيله و ضعفه، فيتخيل خلاف ما هو المركوز في فطرته، وهذا لا يختص بهذا النور الفطري بل يشمل جميع ما يتعلق بالفطرة والشعور الباطني، ولذا قد يرجع و يفي‏ء إلى فطرته عند تزاحم المشاكل و عدم نفع أي سبب في رفعها، كما ورد في قضية من ركب البحر فانكسرت به السفينة و أيقن بالهلاك فعند ذلك يدعو من ينجيه، قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ‏ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ‏ [يونس- 22].

ولا يستفاد من ذلك أنّه حينئذ لا يمكن تخلف المدعو عن الدعاء إذا كان الأمر كذلك فإنّ أمر الدعاء والمسببات الظاهرية في ذلك سواء، فإنّه كثيرا ما كانت هناك عوامل تثبّط الأسباب وتمنعها عن الأثر، فكذلك في الدعاء فإنّ هناك موانع كثيرة عن تحقق المدعو به قد ندركها و قد لا ندركها بل الأمر في الدعاء أشد، لفرض أنّه ارتباط مع عالم الغيب غير المتناهي الخارج عن الحس، فلا بد أن تكون الأسباب الموصلة إليه أدقّ و أرقّ، وهذا محسوس في عالم الماديات أيضا، فإنّ كلّما كان الشي‏ء ألطف وأدقّ كان السبب الموصل إليه كذلك.

فحقيقة الدعاء هي الشعور الباطني في الإنسان بالصلة والارتباط بعالم لا مبدأ له ولا نهاية، ولا حدّ ولا غاية لسعة رحمته وقدرته وإحاطته بجميع ما سواه، فوق ما نتعقل من معنى السعة والإحاطة      والقدرة يقضي له حوائجه بحيث يجعل المدعو تحت قدرة الدّاعي جميع وسائل نجح طلباته فيقع التجاذب بين الموجودات الخارجية وبين قلب هذا الداعي، فيصير موجدا وفاعلا لما يدعو به، فيتحد الداعي والدعوة والمدعو به في بعض المراتب ، ولا تحصل هذه المرتبة إلا لمن انسلخ عن ذاته بالكلية وفنى في مرضاة الواحدية الأحدية فلا يرى في الوجود سوى المدعو، سواء كان ذلك ملكة أم حالا، فيتحد العاقل و المعقول، كما أثبته بعض أكابر الفلاسفة، و لعله المراد من الاسم الذي هو غيب الغيوب و السّر المحجوب، فروح الدعاء هي ارتباط الداعي مع اللّه عز وجل بالشرائط المقررة المذكورة في محالها.[4]

- شروط استجابة الدعاء

والحق سبحانه يضع شرطا للاستجابة للدعاء، وهو أن يستجيب العبد للّه سبحانه وتعالى فيما دعاه إليه. «أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ»

كما يشتمل على الحكم أعني إجابة الدعاء كذلك يشتمل على علله فكون الداعين عبادا لله تعالى هو الموجب لقربه منهم، و قربه منهم هو الموجب لإجابته المطلقة لدعائهم و إطلاق الإجابة يستلزم إطلاق الدعاء فكل دعاء دعي به فإنه مجيبه

 إلا أن هاهنا أمرا وهو أنه تعالى قيد قوله: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ‏ بقوله‏ إِذا دَعانِ، و هذا القيد غير الزائد على نفس المقيد بشي‏ء يدل على اشتراط الحقيقة دون التجوز والشبه، فإن قولنا: أصغ إلى قول الناصح إذا نصحك أو أكرم العالم إذا كان عالما يدل على لزوم اتصافه بما يقتضيه حقيقة فالناصح إذا قصد النصح بقوله فهو الذي‏ يجب الإصغاء إلى قوله و العالم إذا تحقق بعلمه و عمل بما علم كان هو الذي يجب إكرامه فقوله تعالى‏ إِذا دَعانِ، يدل على أن وعد الإجابة المطلقة، إنما هو إذا كان الداعي داعيا بحسب الحقيقة مريدا بحسب العلم الفطري والغريزي مواطئا لسانه قلبه، فإن حقيقة الدعاء والسؤال هو الذي يحمله القلب ويدعو به لسان الفطرة، دون ما يأتي به اللسان الذي يدور كيفما أدير صدقا أو كذبا جدا أو هزلا حقيقة أو مجازا

فما لا يستجاب من الدعاء و لا يصادف الإجابة فقد فقد أحد أمرين و هما اللذان ذكرهما بقوله: دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ‏.

فإما أن يكون لم يتحقق هناك دعاء، وإنما التبس الأمر على الداعي التباسا كان يدعو الإنسان فيسأل ما لا يكون و هو جاهل بذلك أو ما لا يريده لو انكشف عليه حقيقة الأمر مثل أن يدعو ويسأل شفاء المريض لا إحياء الميت، ولو كان استمكنه ودعا بحياته كما كان يسأله الأنبياء لأعيدت حياته ولكنه على يأس من ذلك، أو يسأل ما لو علم بحقيقته لم يسأله فلا يستجاب له فيه.

وإما أن السؤال متحقق لكن لا من الله وحده كمن يسأل الله حاجة من حوائجه و قلبه متعلق بالأسباب العادية أو بأمور وهمية توهمها كافية في أمره أو مؤثرة في شأنه فلم يخلص الدعاء لله سبحانه

والآيات الكريمة كقوله تعالى: «فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ»: المؤمن- 14، و قوله تعالى: «وَ ادْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ‏ مِنَ الْمُحْسِنِينَ»: الأعراف- 56، و قوله تعالى: «وَ يَدْعُونَنا رَغَباً وَ رَهَباً وَ كانُوا لَنا خاشِعِينَ»: الأنبياء- 90، و قوله تعالى: «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ»: الأعراف- 55، و قوله تعالى: «إِذْ نادى‏ رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا، إلى قوله، وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا»: مريم- 4

 وقوله تعالى: «وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ:» الشورى- 26، إلى غير ذلك من الآيات المناسبة، وهي تشتمل على‏ أركان الدعاء وآداب الداعي، وعمدتها الإخلاص في دعائه تعالى وهو مواطاة القلب اللسان و الانقطاع عن كل سبب دون الله و التعلق به تعالى، ويلحق به الخوف والطمع والرغبة والرهبة والخشوع والتضرع والإصرار و الذكر وصالح العمل والإيمان وأدب الحضور وغير ذلك مما تشتمل عليه الروايات

كما إنه سبحانه وتعالى يريد أن يعلمنا أن الإنسان يدعو بالخير لنفسه،  وقد يخطئ الطريق إلى فهم الخير أو الوسيلة إلى الخير، يقول تعالى: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (الإسراء11)  ولذلك يجب ألا تفهم أنك حين لا تجاب دعوتك كما رجوت وطلبت أن اللّه لم يستجب لك فالذى تدعوه هو حكيم؛ فيقول: «أنا سأعطيك الخير، والخير الذى أعلمه أنا فوق الخير الذى تعلمه أنت، و لذلك فمن الخير لك ألا تجاب إلى هذه الدعوة. إذن فالخير يكون دائما على مقدار الحكمة فى تناول الأمور.

وليس كل من يسأل يستجاب له بسؤاله نفسه؛ لأن الألوهية تقتضى الحكمة التى تعطى كل صاحب دعوة خيرا يناسب الداعى، لا بمقاييسه هو ولكن بمقاييس من يجيب الدعوة.

إن حظك من الدعاء هو العبادة والذلة للّه؛ لأنك لا تدعو إلا إذا اعتقدت أن أسبابك كبشر لا تقدر على هذه، ولذلك سألت من يقدر عليها، وسألت من يملك أما الإجابة فهى إرادة اللّه الحكيم واللطيف بعباده.

وللدعاء شروط كثيرة جدا مذكورة في القرآن الكريم و السنة المقدسة وهي تنقسم إلى شروط الصحة فلا يصح الدعاء بدونها، وشروط كمال له .

 

 أما شروط الصحة فهي :

الأول: الإيمان باللّه تعالى قال عز وجل: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ‏ [البقرة- 186].

الثاني: الإخلاص في الدعاء وعقد القلب عليه، وحسن الظن بالإجابة، قال تعالى: فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ‏ وقال تعالى: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ‏ [يونس- 106].

وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام): «إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلّهم، و لا يكون له رجاء إلا عند اللّه فإذا علم اللّه ذلك من قلبه لم يسأل اللّه شيئا إلا أعطاه»،

وفي الكافي عن سليمان بن عمرو قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إنّ اللّه عز و جل لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه، فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثم استيقن بالإجابة».

وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «إنّ العطية على قدر النية».

و في عدة الدّاعي عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) قال اللّه: «ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السموات و أسباب الأرض من دونه فإن سألني لم أعطه و إن دعاني لم أجبه. و ما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي إلا ضمّنت السموات و الأرض رزقه فإن دعاني أجبته و إن سألني أعطيته و إن استغفرني غفرت له»،

و الحديث ظاهر في أنّ إجابة الدعاء منوطة بالإخلاص.

و في الحديث القدسي: «أنا عند ظنّ عبدي بي فلا يظن بي إلا خيرا»

و في الحديث عن نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «ادعوا اللّه وأنتم موقنون بالإجابة»

إلى غير ذلك من الأخبار، والوجه في ذلك أنّ في الإعراض والسهو والغفلة لا تتحقق حقيقة الدعاء.

الثالث: اليأس من غير اللّه تعالى لأنّه ربّ السموات و الأرض عنده مفاتيح الغيب يعطي لمن يريد و يمنع عمن يريد، و العلم بأنّه تعالى إنّما يقضي الحوائج حسب المصلحة فإنّ الإنسان لا يعرف الحقائق و يجهلها و ربما يسأل ما هو شرّ و أنّ اللّه تعالى يبدّله إلى الخير، و ربما يسأل الخير فيؤخره إذ المصلحة في التأخير

ففي نهج البلاغة عن عليّ (عليه السلام): «وربما أخرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل، و أجزل لعطاء الآمل، وربما سألت الشي‏ء فلا تؤتاه و أوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا، أو صرف عنك لما هو خير لك فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله و ينفى عنك و باله، و المال لا يبقى لك و لا تبقى له».

وذلك لأنّ إجابة دعاء الداعين لا بد أن تكون على طبق الحكمة البالغة والعناية التامة المحيطة بالحقائق كلياتها و جزئياتها لا على طبق مشتهيات الداعين و السائلين، قال تعالى: وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ [البقرة- 216]. فإنّ الإنسان كثيرا ما يهتم بشي‏ء حتى إذا ما تحقق وجده ضارا أو يكره شيئا حتى ما إذا تحقق وجده نافعا، و هذا وجداني محسوس لدى كل فرد فالدعاء بما يتخيله الإنسان أنّه نافع شي‏ء و ما هو الواقع الذي في علمه تعالى شي‏ء آخر. فإنّ التسرّع في إجابة الدعاء و قضاء الحوائج بلا تأمل في اللوازم و الملزومات و الآثار نقض في الحكمة و هو محال بالنسبة إليه تعالى. نعم نفس الدعاء و المسألة من سنن العبودية و لا بد من تحققها من العبد، و أما الاستجابة فهي منوطة بالحكمة البالغة و العلم الأزلي.

الرابع: أن يكون المراد خيرا ممكنا بأن لا يكون من المحالات الذاتية أو العادية، و مما لا نفع له أو مما يضرّ بحال الآخرين، أو نهى عنه الشارع و نحو ذلك، فإنّ مثل هذا الدعاء مما لا يستجاب وذلك لأنّ اللّه تعالى: «أبى أن يجري الأمور إلا بأسبابها».

ففي الحديث عن علي (عليه السلام): «اثنوا على اللّه عز وجل و امدحوه قبل طلب الحوائج يا صاحب الدعاء لا تسأل ما لا يحل و لا يكون».

وفي الكافي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): «لا تمل من الدعاء  فإنّه من اللّه بمكان، و عليك بالصبر و طلب الحلال، و صلة الرحم»،

إلى غير ذلك من الروايات.

الخامس: طيب المكسب و العمل الصالح

ففي الحديث عن الصادق (عليه السلام): «من سرّه أن تستجاب دعوته فليطب مكسبه»

و في وصية النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأبي ذر: «يا أبا ذر يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح، يا أبا ذر مثل الذي يدعوه بغير عمل كمثل الذي يرمي بغير وتر، يا أبا ذر إنّ اللّه يصلح بصلاح العبد ولده و ولد ولده و يحفظه في دويرته و الدور حوله ما دام فيهم».

وعن زرارة عن الصادق (عليه السلام): «الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر».

و في عدة الداعي: «إنّ اللّه أوحى إلى عيسى قل لظلمة بني إسرائيل: لا تدعوني و السحت تحت أقدامكم، و الأصنام في بيوتكم، فإنّي آليت أن أجيب من دعاني، و إنّ إجابتي إياهم لعنا عليهم حتى يتفرقوا».

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لرجل حين ما قال له: أحب أن يستجاب دعائي، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): «طهّر مأكلك، و لا تدخل بطنك الحرام».

السادس: أداء مظالم الناس وحقوقهم

فقد ورد عن الصادق (عليه السلام): قال اللّه عز و جل «وعزتي وجلالي لا أجيب دعوة مظلوم دعاني في مظلمة، أو لأحد عنده مثل تلك المظلمة».

وفي عدة الداعي: «أوحى اللّه إلى عيسى قل لظلمة بني إسرائيل إنّي لا أستجيب لأحد منهم دعوة و لأحد من خلقي عندهم مظلمة» و تقدم في بحث التوبة ما يتعلق بالمقام.

شروط الكمال للدعاء:

الأول: الطهارة من الحدث والخبث لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏ البقرة- 222

الثاني: الدعاء بالمأثور عن المعصومين لأنّه تكلم مع اللّه عز و جل كما أنّ القرآن تكلم اللّه مع العبد فينبغي في الدعاء أن يكون مأثورا و مستندا إلى الشرع، قال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ‏ [فاطر- 10]، و قال عز وجل: وَ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ‏ [الحج- 24].

قال زرارة للصادق (عليه السلام): «علمني دعاء فقال (عليه السلام): إنّ أفضل الدعاء ما جرى على لسانك»

و المراد به المسألة و طلب الحاجة.

الثالث: أن يكون الدعاء بالأسماء الحسنى وغيرها من أسماء اللّه تعالى

فعن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للّه عز و جل تسعة و تسعون اسما من دعا اللّه بها استجيب له ومن أحصاها دخل الجنة، و قال اللّه عز و جل: وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فَادْعُوهُ بِها.

الرابع: تقديم تمجيد اللّه و الثناء عليه و الإقرار بالذنب و الاستغفار منه

ففي الكافي عن الحارث بن المغيرة قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إياكم إذا أراد أحدكم أن يسأل من ربه شيئا من حوائج الدنيا و الآخرة حتى يبدأ بالثناء على اللّه عز و جل، و المدح له، و الصلاة على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ثم يسأل اللّه حوائجه».

و عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أيضا: «إنّما هي المدحة ثم الثناء، ثم الإقرار بالذنب، ثم المسألة إنّه و اللّه ما خرج عبد من ذنب إلا بالإقرار».

وعن علي (عليه السلام): «السؤال بعد المدح فامدحوا اللّه عز و جل ثم اسألوا الحوائج، أثنوا على اللّه عز و جل و امدحوه قبل طلب الحوائج».

والمراد بالثناء والتمجيد مطلق ما يكون ثناء وتمجيدا.

الخامس: أن يشتمل على ذكر محمد و آل محمد، لأنّهم وسائط الفيض ووجهاء الخلق

ففي الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «كل دعاء يدعى اللّه عز وجل به محجوب عن السماء حتى يصلّى على محمد وآل محمد»

و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): صلاتكم عليّ إجابة لدعائكم و زكاة لأعمالكم».

السادس: أن يكون الدعاء بعد الانقطاع إليه عز و جل ورقة القلب و البكاء

ففي الكافي عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام): «إذا رقّ أحدكم فليدع، فإنّ القلب لا يرقّ حتى يخلص».

السابع: الدعاء في الأوقات المعينة، وهي كثيرة منها السحر وآخر الليل‏

فعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «خير وقت دعوتم اللّه الأسحار».

وعن الصادق (عليه السلام): «من قام من آخر الليل فذكر اللّه تناثرت عنه خطاياه، فإن قام من آخر الليل فتطهّر وصلّى ركعتين و حمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يسأل اللّه شيئا إلا أعطاه إما أن يعطيه الذي يسأله بعينه وإما أن يدخر له ما هو خير له منه».

ومنها: الصباح والمساء

فعن الصادق (عليه السلام): «إنّ الدعاء قبل طلوع الشمس وقبل غروبها سنة واجبة مع طلوع الشمس والمغرب».

ومنها: عند نزول المطر، وزوال الشمس، وهبوب الرياح، وقتل الشهيد، وقراءة القرآن، والأذان، و ظهور الآيات

ففي الكافي عن زيد الشحام قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «اطلبوا الدعاء في أربع ساعات: عند هبوب الرياح، و زوال الأفياء، و نزول المطر، و أول قطرة من دم القتيل المؤمن، فإنّ أبواب السماء تفتح عند هذه الأشياء».

وعن الصادق (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «اغتنموا الدعاء عند أربع، عند قراءة القرآن، و عند الأذان، و عند نزول الغيث، و عند التقاء الصفين للشهادة».

و عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من أدى للّه مكتوبة فله في إثرها دعوة مستجابة».

و منها: الأزمنة المتبركة مثل ليلة الجمعة، و ليالي القدر، و شهر رمضان، و شهر رجب، و ليلة النصف من شعبان، و ليلة عرفة و يومها، و العيدين و غيرها مما هو كثير كما في كتب الأدعية.

الثامن: الدعاء في الأمكنة المتبركة مثل الحرم الإلهي المقدس، والمسجد الحرام، و مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و عند الأئمة الكرام، أو المساجد الأربعة و غيرها من المساجد.

التاسع: الدعاء بعد تقديم الصدقة و شم الطيب

فعن الصادق (عليه السلام): «كان أبي إذا طلب الحاجة طلبها عند الزوال، فإذا أراد ذلك قدّم شيئا فتصدّق به و شمّ من طيب و راح إلى المسجد و دعا في حاجته بما شاء اللّه».

العاشر: مراعاة الأدب و تجنب اللحن في الدعاء

ففي عدة الداعي عن أبي جعفر الجواد (عليه السلام) قال: «ما استوى رجلان في حسب و دين قط إلا كان أفضلهما عند اللّه عز و جل آدبهما قال: قلت جعلت فداك قد علمت فضله عند الناس في النادي و المجالس فما فضله عند اللّه عز و جل؟ قال: بقراءة القرآن كما أنزل، ودعائه اللّه عز وجل من حيث لا يلحن، وذلك أنّ الدعاء الملحون لا يصعد إلى اللّه عز وجل».

و يمكن أن يستفاد ذلك من كراهة اختراع الدعاء من نفس الداعي فإنّ في الدعوات المأثورة عن نبينا الأعظم و الأئمة الهداة غنى و كفاية فهم أعرف بالأدب مع اللّه تعالى و كيفية التكلّم معه من سائر الرعية لأنّهم سدنة الملك و عيبة علم اللّه و خزان وحيه.

الحادي عشر: رفع اليدين حال الدعاء

ففي عدة الداعي: «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) كان يرفع يديه إذا ابتهل ودعا كما يستطعم المسكين».

و عن محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه عز و جل: فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ‏. قال (عليه السلام): الاستكانة هي الخضوع و التضرّع رفع اليدين و التضرّع بهما».

و عن الباقر (عليه السلام): «ما بسط عبد يده إلى اللّه عز و جل إلا استحيى اللّه أن يردها صفرا حتى يجعل فيها من فضله و رحمته ما يشاء، فإذا دعا أحدكم فلا يرد يده حتى يمسح بها على رأسه و وجهه»

الثاني عشر: الدعاء سرّا

ففي الكافي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «دعوة العبد سرّا دعوة واحدة تعدل سبعين دعوة علانية».

و الوجه في ذلك لأنّه أحفظ في الإخلاص وأبعد عن شوائب الرياء.

الثالث عشر: العموم في الدعاء فإنّه آكد في الاستجابة

ففي الكافي عن ابن القداح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إذا دعا أحدكم فليعمّ فإنّه أوجب للدعاء».

وعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من صلّى بقوم فاختص نفسه بالدعاء دونهم فقد خانهم »

وقد وردت روايات كثيرة على أنّ دعاء المؤمن لأخيه المؤمن مستجاب وأنّ للداعي مثل ما يدعو لأخيه و أكثره.

الرابع عشر: لبس الداعي خاتم عقيق أو فيروزج‏

فقد روى ابن بابويه عن الصادق (عليه السلام): «ما رفعت كفّ إلى اللّه أحبّ من كفّ فيها عقيق».

وفي عدة الداعي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال اللّه عز و جل: إنّي لأستحيي من عبدي يرفع يده و فيها خاتم فيروزج فأردها خائبة».

الخامس عشر: أن يكون الدعاء لتكميل النفس و الحوائج الشرعية

وسؤال المغفرة و رضوان اللّه ونعم الجنة، أي يكون جامعا للدنيا والآخرة بحيث يكون نفعه غير منقطع و أثره لا يضمحل، وفي الدعوات المقدسة المأثورة من ذلك شي‏ء كثير منها: ما يسمى بدعاء الفرج و هو مذكور في كتب الأدعية.

ثم إنّ الدعاء مطلوب لنفسه و محبوب لذاته و لا تختص محبوبيته بوقت دون وقت و لا مكان دون آخر و لا بلغة دون أخرى بل هو محبوب في جميع الأحوال و الأوقات و الأمكنة. نعم لبعض الأيام و الليالي والأمكنة المقدسة دخل في مراتب فضله لا في أصل صحته و محبوبيته و إذا توفرت شروط صحة الدعاء و شروط كماله و وقع الدعاء مورد الاستجابة فإنّه قد يوجب التغيير في العالم مما يوجب تحيّر ذوي الألباب و لا ريب في ذلك كما مر فإنّ الدعاء عظيم أثره لأنّه حضور العبد الذليل لدى المولى الجليل، و توجه نحو التوحيد الفطري فلا تغفل عنه و لا تعرض بوجهك عنه فإنّ المحروم من حرم من الدعاء، و لا تجعل للشيطان على عقلك سبيلا بشبهاته فإنّه عدو للإنسان يحاول أن يجنب العبد عن الدعاء لأنّه من أعظم السبل في رده و اللّه الهادي و هو المولى و نعم النصير.

من مجموع شروط الدعاء المذكورة نفهم أن الدعاء لا يغنينا عن التوسل بالعوامل الطبيعية، بل أكثر من ذلك يدفعنا إلى توفير شروط استجابة الدعاء في أنفسنا، و يحدث بذلك تغييرا كبيرا في حياة الإنسان و تجديدا لمسيرته، و إصلاحا لنواقصه.

 

 



[1] ( 1)- مجمع البيان، في تفسير الآية.

[2] ( 2)- أصول الكافي، ج 2، كتاب الدعاء( باب إن الدعاء يرد البلاء)، الحديث 7.

[3] ( 3)- الأنفال، 24.

[4] موسوى سبزوارى، عبدالاعلى، مواهب الرحمن في تفسير القرآن (سبزوارى)، 11جلد، دفتر سماحه آيت الله العظمى السبزوارى - [بى جا] - [بى جا]، چاپ: 2، 1409 ه.ق.

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2016/06/08   ||   القرّاء : 573


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 هيئة علماء بيروت تتقدم بالعزاء بضحايا الزلزال في إيران

 هيئة علماء بيروت تدين بيان الجامعة العربية بحق المقاومة

  مصيبةُ الإمامِ الحسين (عليه السلام) ابكت كلُّ الوجودِ

  . لماذا ثار الإمام الحسين(عليه السلام)؟

  العباس بن علي عطاء وإيثار

  الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) يرفض البيعة ليزيد ويخرج ثائرا

  إحياء أمر أهل البيت(عليهم السلام)

  الأبعاد المعنوية في شخصية الإمام الحسين عليه السلام

  شرح خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) في مكة

  رسالتنا في شهر محرم

 

مواضيع عشوائية :



 الإسلام والمسلمون في أزمة التخلف

  من علامات ظهور الامام الحجة عليه‌السلام :

 صلاة التراويح.... بين المشروعية والبدعة

 معرفة الرسالة والمدعوين

  في رحاب فاتحة الكتاب ق1

 الأمن والأمان يوم القيامة

  رسالتنا في شهر محرم

  أسماء المعاد في القرآن الكريم‏

 بحث علمي حول نزول القرآن

  الانسان وكراهته للموت

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 747

  • التصفحات : 2318990

  • التاريخ : 21/11/2017 - 15:41

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net