هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (64)
---> عاشوراء (59)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (13)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (14)
---> مقالات (113)
---> قرانيات (56)
---> أسرة (20)
---> فكر (93)
---> مفاهيم (115)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (17)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)
---> العدد الواحد والثلاثون (9)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : هيئة علماء بيروت .

        • القسم الفرعي : من التاريخ .

              • الموضوع : الوهابية ودورها العابر للدول والحركات والمنظمات الاسلامية ... في خدمة الارهاب وترويجه* ق2 .

                    • رقم العدد : العدد الواحد والثلاثون .

الوهابية ودورها العابر للدول والحركات والمنظمات الاسلامية ... في خدمة الارهاب وترويجه* ق2

 الوهابية ودورها العابر للدول والحركات والمنظمات الاسلامية ... في خدمة الارهاب وترويجه* ق2

عادت العربية السعودية إلى جذورها الوهابية سنة 1964، عندما تربّع الملك السعودي الثالث فيصل بن عبد العزيز على العرش، بعد خلع أخيه الأكبر الملك سعود.

في الواقع، ساهمت النخبة الدينية السعودية، التي تتكون من العلماء، في خلع الملك سعود وتنصيب فيصل عاهلاً. إذ هاجم العلماء سعود بسبب "عاداته في الحياة التي لا ترقى إلى موقف من تاجُه يتضمن لقب أمير المؤمنين". وفي المقابل، كان فيصل قريباً جداً من العلماء، صحيح أنه أطلق سنة 1962، وهو لا يزال ولياً للعهد، برنامجاً إصلاحياً من عشر نقاط كاد يدخله في خصام مع العناصر الأكثر محافظة في المجتمع السعودي، لكن فيصل كان كما والده من قبله، داهية مناوراً، حيث عرف كيف يواصل برامجه دون استبعاد النخبة الوهابية السائدة، وكما علّق محلل في مكتب الخارجية البريطانية لاحقاً على تقدم الإصلاحات، سيناور فيصل "العلماء بين الفينة والأخرى، لكنه تجنّب الصدام معهم وجهاً لوجه"

وهكذا حصل فيصل يوم 30 آذار/مارس 1964 على صلاحيات الملك سعود الحكومية وامتيازاته في المُلك، بعد ما تحدى العلماء سلطته. وفي تشرين الأول/أكتوبر التقى خمسة وستون عالماً في بيت مفتي العربية السعودية الأكبر محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والتحق بهم لاحقاً مئة أمير في إقرار وجوب تنازل الملك سعود عن العرش، وقد خلع سعود يوم 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1964، ليصبح فيصل ملكاً، وفي سنة 1965، قررت العائلة الملكية أن يصبح خالد شقيق فيصل ولياً للعهد، وأن يصبح شقيق آخر، هو فهد، ثانياً في خط وراثة العرش.

لاحظ مراسل عربي آنذاك أن "العنصرين الأساسيين في حكومة العربية السعودية هما: أولاً، الملك وولي عهده والإدارة، وثانياً، المجلس الأعلى الذي يتشكل من الأمراء والعلماء، فعندما يفشل العنصر الأول في العمل على نحو مناسب يتدخل الثاني تلقائياً لتصحيح الوضع".

لن ينسى فيصل أبداً الدور الذي لعبه العلماء في توليه السلطة، حيث ظلوا يشكلون جزءاً من قاعدة سلطة الملك السعودي، ومن ثم كان عليه أن يمنح المؤسسة الوهابية دوراً بارزاً في الشؤون السعودية، لكن كان عليه موازنة اعتبارات أخرى أيضاً، وجاء اختباره الحقيقي الأول أثناء صراع العربية السعودية ضد الحركة القومية العربية، التي استلهمت جمال عبد الناصر، والتي أجبرت الملك فيصل على أن يصبح أكثر نشاطاً في الخارج، في آخر المطاف، سيعزز هذا الصراع، مع ذلك العلاقة بين الوهابية والدولة السعودية.

رابطة العالم الإسلامي: انتشار الوهابية دولياً

تولّى جمال عبد الناصر، رئيس مصر السلطة أول الأمر سنة 1952، كجزء من انقلاب "الضباط الأحرار" ضد الملك فاروق، وقد خرج من مواجهته سنة 1956 مع انجلترا، وفرنسا، وأخيراً إسرائيل، حول قناة السويس زعيماً للقومية العربية دون منازع، وسقطت مملكة عربية أخرى سنة 1958، عندما أطاح انقلاب عسكري بالملكية الهاشمية في العراق، وأخذت القوى المساندة لعبد الناصر تتعاظم عندما أسقطت أنظمة عسكرية عربية الملكيات العربية القديمة.

أرسل عبد الناصر حملة عسكرية مصرية لمساندة القوات المعارضة للملكية في حرب ذلك البلد الأهلية، ولأن السعوديين ساندوا ملكيي اليمن نشأ صدام مصري ـ سعودي.

وقد بدأت القوة الجوية المصرية ضرب مدن الحدود السعودية مثل نجران خلال كانون الأول/ديسمبر 1962 باستعمال مقاتلات "إليوشن" السوفياتية.

لكن التهديد المصري لم يكن مجرد تهديد خارجي، لأن بعض السعوديين التفوا حول الناصرية، وعبّر بعض الأمراء، بزعامة الأمير طلال بن عبد العزيز، خلال الفترة الممتدة من 1958 إلى 1964، عن دعمهم للإيديولوجيا الناصرية القائلة باشتراكية عربية مميزة، هذا الأمر هدد أسس الدولة السعودية، حيث انشق ربّان سعودي، وفرّ إلى القاهرة أواخر سنة 1962 وجاءت علامات أخرى بعثت على القلق والدمار سنتي 1965 و 1966، خاصة في منطقة إنتاج النفط، وفي سنة 1969 كشفت الحكومة مؤامرة مؤيدة لجمال عبد الناصر داخل القوات المسلحة السعودية، تورّط فيها ثمانية وعشرون ضابطاً من الجيش، وأربعة وثلاثون ضابطاً من القوات الجوية، وتسعة موظفين عسكريين آخرين، وسبعة وعشرون مدنياً.

كان ثمة بُعد دولي في هذا الصراع أيضاً، فمنذ بدء الحرب الباردة نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في تطويق الاتحاد السوفياتي باستعمال الأحلاف الداعمة لها مثل: منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا، ومنظمة الحلف المركزي (cento)، إلى جانب الخط الشمالي الرابط بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ومنظمة حلف جنوب شرق آسيا (seato) في آسيا، وقد دعمت موسكو النزعة الناصرية لتخطي الخط الشمالي في الشرق الأوسط الداعم لأمريكا ـ تركيا، إيران، باكستان ـ واختراق العالم العربي.

وقد انقلب فيصل، حتى قبل أن يصبح ملكاً، إلى الإسلام بما هو قوة توازن الاشتراكية العربية الناصرية، وأضحى الصراع بين الزعيمين حرباً عربية باردة، تحرّض الجمهوريات العربية الجديدة ضد الممالك العربية القديمة، ذلك أن الحكومة السعودية موّلت مؤتمراً إسلامياً دولياً في مكة سنة 1962، بغية استنباط استراتيجية إسلامية جديدة، وفي يوم 18 أيار/مايو 1962 أُسدل الستار على المؤتمر، حيث أسّس مئة وأحد عشر عالماً وفقيهاً رابطة العالم الإسلامي، وهي منظمة دولية مكرّسة لنشر الإسلام، هذه المنظمة الجديدة، المخصصة لرعاية التضامن الإسلامي، ستحيي الوهابية وتنشرها على الصعيد العالمي، إذ لم تسعَ إلى دعوة المسيحيين إلى اعتناق الإسلام فحسب، بل أيضاً إلى إقناع المسلمين بتبني الوهابية.

خضعت رابطة العالم الإسلامي، التي اتخذت من مكة مقراً لها، لهيمنة سعودية كاملة، إذ شكل كبار الزعماء الدينيين السعوديين مجلسها التأسيسي، مؤكدين بذلك توجهاً وهابياً يتحكم في أنشطة المنظمة الدعوية، حيث ترأس المجلس المفتي العام في العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وكان من الأمناء العامين لرابطة العالم الإسلامي في وقت لاحق الشيخ محمد علي الحركان، وزير العدل السعودي السابق، الذي سيؤدي دور المفتي العام في العربية السعودية لاحقاً وعلى نحو فعّال.

وكانت رابطة العالم الإسلامي فعالة جداً في النهوض بالإسلام ـ وبالوهابية خصوصاً، إذ أوفدت المنظمة البعثات الدينية، وجمعت المال لبناء المساجد، ووزعت أعمال ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، وقد أدى هذا الأمر بمتخصص في الإسلام الحديث إلى القول إن رابطة العالم الإسلامي كانت بمثابة جهد "لوهبنة الإسلام في العالم كله".

وعلى مر السنين لم تفعل القيادة السعودية سوى أن عززت هيمنتها على رابطة العالم الإسلامي، حيث أصبح بعض أمنائها العامين وزراء في الحكومة السعودية. وباتت الرابطة أساساً ناطقاً غير حكومي باسم المملكة السعودية، ووسيلة لحماية العالم الإسلامي من الإيديولوجيات الأجنبية المتشددة، ففي الستينيات كان المقصود من ذلك القومية العربية والناصرية، وهكذا على سبيل المثال، أدانت رابطة العالم الإسلامي سنة 1966 إعدام الإخوان المسلمين في مصر.

الفقهاء الوهابيون يحصلون على هيمنة أكبر

في عهد الملك فيصل، نسجت الحكومة السعودية والنخبة الوهابية علاقة تكافل حميمة، فعندما اعتلى فيصل العرش أدرك أن عليه الحفاظ على تلك العلاقة بقصد البقاء في السلطة، وكان ذلك يعني إعطاء الفقهاء الوهابيين حصتهم من الهيمنة على الحكومة السعودية الآخذة في التوسع.

لم تكن الحكومة السعودية في عهد ابن سعود، حتى سنة 1951، تتكون سوى من ثلاث وزارات: الشؤون الخارجية، والمالية، والدفاع. انضافت ست وزارات جديدة من سنة 1951 إلى سنة 1954 كما انضافت أربع عشرة وزارة أخرى من سنة 1960 إلى سنة 1975 ذلك أن فيصل كان في حاجة إلى صيغة ما تعطي العلماء دوراً في الحكم يسترضيهم، دون أن يضعف سيادة العائلة الملكية السعودية.

هكذا لم يُعْطَ الزعماء الدينيون الوهابيون التحكم في أي من الوزارات الثلاث الأهم ـ الوزارات الأم في عهد ابن سعود ـ لكن العديد من الوزارات الأخرى أضحت حكراً عليهم، إذ تولوا على نحو طبيعي التحكم في وزارة الحج والأوقاف، ثم أنشأ الملك فيصل وزارة العدل سنة 1970، وعيّن الشيخ محمد علي الحركان أول وزير عليها. وبالفعل حل الحركان محل المفتي العام، وكان الشيخ محمد قد توفي سنة 1969، فلم يعيّن فيصل خليفة له أبداً، وفي سنة 1975 حلّ مكان الحركان الشيخ إبراهيم بن محمد، وهو من آل الشيخ وسليل ابن عبد الوهاب.

والأهمّ أن فيصل منح سنة 1963 الزعماء الدينيين الوهابيين التحكم في التربية السعودية، ومن بين كل الخطوات نحو تنصيب الوهابيين في مراكز السلطة سيكون لهذا القرار نتائج بعيدة المدى.

وقد أشرف الأمير فهد، حليف فيصل المقرّب على وزارة التربية منذ تأسيسها سنة 1953 إلى سنة 1960، عندما حل عضو من آل الشيخ محله، وعندما تقلّد الملك فيصل السلطة ترك وزارة التربية بين أيدي العلماء، وحوّل وزارة الداخلية إلى فهد، وحتى بعد إعادة التنظيم التي حصلت خلال السبعينيات احتفظ العلماء بمراقبة الجامعات السعودية وفضاءات أخرى من التعليم العالي، حيث ظلت جامعة على الأقل خاضعة للاختصاص المباشر للمفتي العام ورئيس القضاة، وهي الجامعة الإسلامية في المدينة. (وكان نائب رئيس الجامعة في مطلع السبعينيات هو الشيخ عبد العزيز بن باز، الذي سيعيّن المفتي العام خلال التسعينيات)

لقد شب الجيل الذي رأى النور خلال الستينيات وبلغ سن الرشد خلال الثمانينيات برمّته على العقائد الوهابية، فرغم مسؤولية العلماء الخاصة عن التعليم الجامعي أضحت وزارة التربية معقلاً حصيناً للبيروقراطيين المحافظين دينياً. كما نصبت الحكومة السعودية أنصار الإخوان المسلمين في جميع مستويات التربية، وركّز منهاج المدارس على الدراسات الإسلامية والعربية معززاً الحفاظ على سيطرة الوهابية على المجتمع السعودي.

وفي عهد الملك فيصل وسّع العلماء دائرة تأثيرهم في المجتمع عبر مؤسسات أخرى، إذ مدت إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد المساجد السعودية بخطب الجمعة، ونشرت ووزعت كتب محمد بن عبد الوهاب، فضلاً عن هذا تفحص هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي يهيمن عليها العلماء، إلى جانب متطوعيها، أو الشرطة الدينية، السلوك في الأماكن العمومية، ضامنة عدم اختلاط الرجال بالنساء، وانسجام ملابسهم مع "الاخلاق العامة" وحضور صلوات الجماعة، وبالعودة إلى الثلاثينيات، كان ابن سعود قد جرّد المتطوعين من سلطتهم في الاعتقال، حيث لم يكن بقدورهم سوى إبلاغ الشرطة بانتهاكات الممارسة الدينية. وأدى هذا الأمر إلى درجة مدهشة من الانحلال في طريقة ممارسة الوهابية في الحجاز، خاصة مع انتشار أجهزة الراديو والفونوغراف والسجائر، هكذا ردت النخبة الوهابية، في بداية عهد فيصل بقوة على الابتعاد عن الممارسات الوهابية التقليدية.

وحتى عندما ضحّى العلماء في السبعينيات ببعض السلطات الحكومية لصالح بيروقراطية الدولة، ظلت المؤسسة الدينية الوهابية تلعب دوراً حيوياً في العربية السعودية، ففي سنة 1975 عيّن السعوديون حسن بن عبد الله آل الشيخ ـ وهو سليل آخر من سلالة محمد بن عبد الوهاب، رئيساً جديداً للتعليم العالي، وأصبحت الدروس الدينية إجبارية حتى في الجامعات ذات التوجه العلماني، حيث كانت ثلاث من الجامعات السعودية الست الأساسية إما عبارة عن مؤسسات دينية، وإما شدّدت على تكوين ديني.

لقد منحت هيمنة الزعامة الدينية السعودية على منظومة التربية العقيدة الوهابية امتداداً وأثراً لا يصدّق، إذ انفجر عدد الطلبة في الجامعات السعودية خلال ربع قرن، بدءاً من منتصف الستينيات إلى أواخر الثمانينيات، ففي سنة 1965 كان هناك 3625 طالباً جامعياً في المملكة السعودية، وفي سنة 1986 بلغ العدد 113529

وتخصص 30 في المئة من الطلبة السعوديين في الجامعات السعودية في الدراسات الإسلامية، بينما كرّس 70 في المئة منهم معدل ثلث عملهم الدراسي لدراسة الدين.

هكذا مارس الزعماء الدينيون الوهابيون هيمنة رهيبة على أجيال الشباب السعودي، وكان لهذه الهيمنة آثار عميقة في العربية السعودية.

كما امتلكت المؤسسة الوهابية، بفضل تحالفها مع الحكومة السعودية، وسيلة لنشر عقيدتها الدينية خارج الحدود السعودية، ففضلاً عن رابطة العالم الإسلامي، كانت هناك الندوة العالمية للشباب الإسلامي (WAMY) التي تأسست تحت رعاية وزارة التربية سنة 1972 لنشر التوحيد، العقيدة الإسلامية المركزية التي تشدد عليها الوهابية، واشتغلت الندوة العالمية للشباب الإسلامي كسلاح شبه حكومي، تحميها السفارات والقنصليات السعودية في الخارج، وعلى مر السنين صار ينُظر إلى الندوة العالمية للشباب الإسلامي باعتبارها تنظيماً أكثر تشدداً من رابطة العالم الإسلامي.

الوهابية يجب أن تصدر

باختصار جدد الملك فيصل تعاقد أسلافه مع سلالة محمد بن عبد الوهاب، إذ عقدت العائلة الملكية السعودية والمؤسسة الوهابية صفقة سياسية، حيث تدعم هذه الأخيرة السياسات السعودية في الحقول التي لم تخضع لاختصاصها بينما تطلق الأولى العنان للزعماء الدينيين، وتدعم وزارات الوهابية ومؤسساتها.

وقد أضحى المفتي العام محمد بن إبراهيم آل الشيخ، قبل وفاته سنة 1969، أحد أقرب المستشارين إلى فيصل. كما أيد الشيخ محمد أن يلعب السعوديون دوراً أكثر فعالية في الشرق الأوسط، حيث صرّح قبل وفاته، أنه "يجب أن تقود العربية السعودية العالم العربي، وأن تصدر إيديولوجيا الوهابية".

ورغم أن فيصل لم يعيّن مفتياً عاماً دائماً ليحل محل الشيخ محمد عندما توفي في سنة 1969، فقد أنشأ الملك عدة أجهزة استشارية ليمنح العلماء دوراً استشارياً متقدماً، وفي سنة 1971 أنشأ مجلس كبار العلماء، وجعل الشيخ عبد العزيز بن باز رئيساً له.

وكان الشيخ ابن باز من بين اثني عشر عالماً تزعموا التوقيع على فتوى 29 آذار/مارس 1964، التي نقلت أهم صلاحيات الملك سعود إلى الأمير فيصل، وأدت في نهاية المطاف إلى خلع سعود، كما ترأس اللجنة المؤسسة لرابطة العالم الإسلامي.

وكانت النصيحة التي أسداها الشيخ محمد بن إبراهيم للملك فيصل تفيد "وجوب تصدير إيديولوجيا الوهابية"، حيث أضحى السعوديون، بعد آخر صراع عربي ـ إسرائيلي في وضع أفضل لتحقيق تلك الغاية، ذلك أن حظر النفط كان له أثر جانبي مهم، وهو انفجار أسعار النفط، مما يعني زيادة الدخل الوطني السعودي، هكذا ارتفعت الاعتمادات المالية المخصصة لنشر الوهابية، وهي نسخة الإسلام السعودية، عبر منظمات مثل رابطة العالم الإسلامي، وكان بإمكان الوهابية أن تؤكد ذاتها بشكل كبير.

مشتل التطرف الإسلامي المقاتل

تمثلت أهم قوة معادية للناصرية في الخمسينيات في جماعة الإخوان المسلمين، التي أنشأها المعلم المصري حسن البنّا (1906 ت 1949) سنة 1928

ففي سنة 1948 اغتال عضو من الإخوان المسلمين الوزير الأول المصري النقراشي باشا، كما اغتيل حسن البنا في أقل من شهرين بعد ذلك.

لجأ العديد من الأعضاء المصريين في تنظيم الإخوان المسلمين، الذين أبعدهم نظام عبد الناصر عن مصر، إلى العربية السعودية.

وسار الإخوان المسلمون الفلسطينيون على النهج ذاته، حيث غادر أبو جهاد (خليل الوزير) الذي كان عضواً في الإخوان المسلمين قبل أن يصبح أحد مؤسسي حركة فتح، غزة التي كانت خاضعة للهيمنة المصرية قصد التدريس في العربية السعودية. وعندما انشقت حركة الإخوان المسلمين السورية، بعدما سحقها حافظ الأسد سنة 1982، لجأ فصيل على الأقل من فصائلها إلى العربية السعودية، كما قَدِم الإخوان المسلمون السودانيون إلى المملكة العربية السعودية طلباً للجوء السياسي، وبلغ عدد لاجئي الإخوان المسلمين الذين فروا إلى العربية السعودية الآلاف. وقد أضحى بعض الإخوان المسلمين المصريين، الذين وصلوا إلى العربية السعودية أواخر الخمسينيات، شخصيات بارزة في الجامعة الإسلامية في المدينة، التي تأسست سنة 1961 بعد مشاورات بين هؤلاء الأصوليين الأجانب والعلماء الوهابيين وسلطات سعودية أخرى، وأمل السعوديون أن يبنوا بمساعدة هؤلاء اللاجئين المصريين، الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، كبديل لجامعة الأزهر الشهيرة في القاهرة، التي باتت تخضع لمراقبة ناصرية صارمة سنة 1961، وعيّن الزعيم الإسلامي الباكستاني مولانا أبو الأعلى المودودي قيّماً على الجامعة الجديدة، فانجذب العديد من علماء مصر المستقبليين إلى العربية السعودية خلال تلك السنوات، حيث قضى الشيخ طنطاوي، الذي سيصبح في آخر الأمر المفتي العام في مصر، أربع سنوات في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

لم تكن الجامعة خاضعة لاختصاص وزارة التربية السعودية، بل كان يراقبها المفتي العام الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وكان نائب رئيس الجامعة هو الشيخ عبد العزيز بن باز، الفقيه الوهابي المحافظ القوي. وتلقّى طلبة من العالم الإسلامي كله دروس هذه الجامعة، فكانوا معرّضين لأفكار الوهابية ولأفكار الإخوان المسلمين، وبعد سنوات شكّل غير السعوديين نسبة 85 في المئة من جسمها الطلابي، ما جعلها أداة مهمة لنشر الإسلام الوهابي دولياً، وكان ثمة مركز مهم آخر للطلبة الأجانب هو جامعة الملك عبد العزيز، التي تأسست سنة 1967 وسرعان ما اصبحت الجامعتان معاً مشتلَين لنمو القتال الإسلامي.

لقد كانت العربية السعودية ملجأ طبيعياً للإخوان المسلمين، وكان للمملكة مصلحة في التأثير في مصر، ففي الأحوال كلها، كان المصريون قد غزوا شبه الجزيرة العربية مرتين، وقاتلوا السعوديين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وبالفعل أظهرت حرب اليمن خلال الستينيات ـ عندما خاضت القومية العربية العلمانية الناصرية الحرب ضد الوهابية ـ التهديد الذي شكلته مصر عندما كانت تقف موقف العداء الإيديولوجي التام للدولة السعودية، من هنا كان الاستثمار في الحركات الإسلامية المصرية وهز التيارات العلمانية المصرية استثماراً في الأمن بالنسبة إلى السعودية العربية وبالطبع، تميزت الوهابية وحركة الإخوان المسلمين بانصهار إيديولوجي كبير، ذلك أنهما تشكلان معاً حركتين سلفيتين تسعيان إلى استعادة العصر الذهبي الإسلامي ـ الإسلام كما كان في عهد النبي محمد أو السلف الصالح، وكلاهما تغذيا على فهمهما لابن تيمية (1263 ـ 1328)، الذي وجد محمد بن عبد الوهاب كتاباته مغرية جداً، فاستنسخها بخط يده.

كتب ابن تيمية أن أجزاء كبرى من العالم الإسلامي انقلبت إلى الجاهلية، مع الغزوات المغولية للعراق في منتصف القرن الثالث عشر، حتى بعد أن اعتنق المغول الإسلام، ونتيجة لذلك أجاز الجهاد، كما قال، ضد الدولة المغولية، ومن ثم تبنّى الوهابيون أفكار ابن تيمية لتبرير حروبهم ضد الإمبراطورية العثمانية، كما سلك الإخوان المسلمون سلوكاً مشابهاً إزاء الأنظمة العلمانية في الشرق الأوسط، حيث شنّوا الحرب ضد عبد الناصر، وحتى ضد خلفه الرئيس السادات، لأنهما مسلمان مخادعان، شأنهما شأن المغول الذين حكموا الشرق الأوسط.

ثمة أمثلة عديدة من التلاقح بين الحركتين، فكما سبقت الإشارة كان محمد رشيد رضا، وهو معجب بالوهابية ـ بل ومتعهد لها ـ معلم حسن البنّا، مؤسس الإخوان المسلمين. وربما تلقّى رضا دعماً مالياً من ابن سعود مكافأة له على مواقفه الداعمة للسعودية ("ثمة مال في المسألة"، كما اعترف أحد مستشاري ابن سعود).

كما كانت العربية السعودية ملجأ لمحمد قُطب، شقيق سيّد قُطب، وهو أهمّ وجوه حركة الإخوان المسلمين، ففي سنة 1966 أعدم عبد الناصر سيّد قُطب، وقد أدان العلماءُ الوهابيون والمجلسُ التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي برئاسة المفتي السعودي الأكبر هذا الإعدامَ.

غير أن سيد قطب كان قد أصبح، قبل وفاته المدافع الرائد عن الإصلاح الإسلامي الحركي ـ ليس في مصر فحسب، بل في العالم كله.

وجد سيد قطب أن المصريين يعيشون جاهلية جديدة، إذ زعم قطب، مقتبساً ابن تيمية، وكذا العلاّمة الباكستاني مولانا أبا الأعلى المودودي الذي كتب حول حالة المسلمين في ظل الحكم البريطاني في الهند، أن مصر انتقلت من دار الإسلام إلى دار الحرب، كما قال إن الأنظمة العربية قد تصبح موضوع جهاد على نحو مشروع.

تنبأ قطب أن صراع حضارات بين الإسلام والغرب سيحدث في نهاية المطاف، وأن الغرب سينهار لأنه بات مفلساً أخلاقياً، وسيلبس الإسلام عباءة قيادة العالم. وقال إن المسلمين نسوا تغلّبهم، وهكذا أُهمل الجهاد، بما هو فريضة قرآنية وجدد الدعوة إلى جهاد قتالي: "والذي يدرك طبيعة هذا الدين الإسلام، يدرك حتمية الانطلاق الحركي في صورة الجهاد بالسيف ـ إلى جانب الجهاد بالبيان.

في العربية السعودية طبع محمد قطب كتابات سيد قطب ونشرها، ودرّس الدراسات الإسلامية في آخر المطاف بجامعة الملك عبد العزيز في جدة، وتضمنت كتاباته، كما كتابات أخيه، تيمات قوية معادية للغرب، فعلى سبيل المثال، استعمل مصطلح "الصليبي" للإشارة إلى "المسيحي" ومصطلح "الصليبية" لـ "المسيحية" و "العالم المسيحي"، والغرب الحديث برمّته، بينما كتب شقيقه سيد حول "الروح الصليبية التي تجري في دماء الغربيين كلهم".

أمير الجهاد

في السبعينيات شكلت إيديولوجيا الإخوان المسلمين والوهابية السعودية مزيجاً فعّالاً في الجامعات الإسلامية السعودية والشبكات الإسلامية الدولية التي أسّسها الملك فيصل عبر رابطة العالم الإسلامي.

والتمس مزيد من المتشددين الإسلاميين اللجوء إلى العربية السعودية، حيث قضى السوداني حسن الترابي سنوات عديدة منفياً، وأقام الشيخ عمر عبد الرحمان، الفقيه المصري الأعمى الذي سيدان في ما بعد بسبب تورّطه في تفجير المركز التجاري العالمي سنة 1993، بالعربية السعودية من سنة 1977 إلى 1980، وفي الثمانينيات رحّب السعوديون بأيمن الظواهري، رغم انخراطه السابق في التطرف الإسلامي، وفي سنة 1986 غادر الظواهري العربية السعودية إلى أفغانستان، وفي أواخر التسعينيات أصبح نائب أسامة بن لادن والمنظر الإيديولوجي الرئيس في القاعدة.

والأهمّ ربّما هو أن عبد الله عزّام، وهو أحد المفكرين الأصوليين الإسلاميين الأكثر تأثيراً، التمس اللجوء إلى العربية السعودية، ويصعب تقدير تأثير هذا المتطرف الإسلامي.

رحل إلى العربية السعودية كباقي الإخوان المسلمين حيث التحق بمحمد قطب في كلية جامعة الملك عبد العزيز، وفي هذه الجامعة اشترك قطب وعزام في تدريس طالب سعودي اسمه أسامة بن لادن.

تتجلّى أهمّ مساهمة لعبد الله عزام في الحركة الأصولية الإسلامية باستعادة مركزية فكرة الجهاد. وأطلق عليه لقب "أمير الجهاد" إذ توصل إلى خلاصة واضحة بعد تحليل أسباب الانحطاط النسبي في العالم الإسلامي مفادها: "أن الناظر في واقع المسلمين اليوم يجد أن مصيبتهم الكبرى هي ترك الجهاد".

لم يتأثر عزام في هذه الفترة بكتابات أصحابه من الإخوان المسلمين فحسب، بل أيضاً بالعلماء الوهابيين في العربية السعودية وبخاصة الشيخ عبد العزيز بن باز، إذ صرّح في مقدمة كتيب بعنوان الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان: "فهذه الفتوى كتبتها، وكانت أكبر من هذا الحجم، ثم عرضتها على فضيلة شيخنا الكبير سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وقُرئت عليه واستحسنها، وقال: "إنها طيبة" ووافق عليها". وكان من طليعة العلماء الوهابيين الذين استشارهم عزام الشيخ محمد بن صالح العثيمين، وهو أحد أعلى المرجعيات الدينية في الوهابية السعودية، الذي ذهب ابعد من ذلك بالتوقيع على فتوى عزام.

وقد دفع الاجتياح السوفياتي لأفغانستان في كانون الأول/ديسمبر 1979 الأصوليين الإسلاميين، أمثال عبد الله عزام، إلى إعلان الجهاد. بل حل الصراع الأفغاني، في نظر العديد من أتباع عزام محل القضية الفلسطينية، باعتباره يمثل إجماعاً إسلامياً.

وقد أتيحت لعزام فرصة تنفيذ أفكاره، فبعد أن غادر منصبه الجامعي في جدة، أرسلته رابطة العالم الإسلامي للتدريس في الجامعة الإسلامية الدولية في إسلام آباد الباكستانية.

باختصار، غذّت مكاتب رابطة العالم الإسلامي في باكستان ما سيتحوّل إلى شبكة أسامة بن لادن الإرهابية، ومن المثير للاهتمام أن شخصاً آخر التحق بالدكتور عزام في باكستان كان هو الشيخ عمر عبد الرحمان، الفقيه المصري الأعمى الذي درس لسنوات عديدة في العربية السعودية.

وفي سنة 1984 أقام عبد الله عزام مكتب خدمات المجاهدين في بيشاور لتجنيد العرب وترتيب الدعم من أجل محاربة السوفيات في أفغانستان، وتدفق عليه المال من المخابرات السعودية، والهلال الأحمر السعودي، والأمراء السعوديين، ورابطة العالم الإسلامي، وجهّزت مصالح المخابرات الباكستانية الداخلية المجنّدين الجُدد بالتدريب والمنشآت الأساسية، بينما قدّمت المخابرات المركزية الأمريكية كماً هائلاً من الأسلحة، تاركة للباكستانيين كيفية توزيعها.

إيديولوجيا الجهاد عند عبد الله عزام

تواصل تطور إيديولوجيا عزام، ففي سنة 1988 جال في الولايات المتحدة الأمريكية لجمع المال، وأعلن في خطاب ألقاه في أوكلاهوما: "إخوتي، بعد أفغانستان، لن يستعصي عنا بعد الآن أي شيء في العالم ـ ليس هناك أية قوة عظمى أو صغرى، مهما كانت قوة إرادتنا".

وفي شباط/فبراير 1989 انسحب الاتحاد السوفياتي من أفغانستان. قال: "لن تزول هذه الفريضة بالنصر في أفغانستان، وسيظل الجهاد فريضة على كل فرد مسلم حتى تتحرر كل الأراضي التي كانت سابقاً إسلامية حتى تعود لنا، ويحكم الإسلام فيها مرة أخرى، فأمامنا فلسطين وبخارى ولبنان وتشاد وإيريتيريا والصومال والفلبين وبورما واليمن الجنوبي وتشقند والأندلس.

مما لا شك فيه أن فكر عبد الله عزام السياسي الراديكالي، الذي تلقّى دعماً ثابتاً من السعوديين، أثر آنئذٍ تأثيراً عميقاً في الأحداث العالمية، وبالفعل لعبت ايديولوجيته دوراً أساسياً في هزم قوة عالمية عظمى، لكن العقائد التي روّج لها ـ والتي تأثرت في جزء كبير منها بالنشاط الإسلامي المقاتل للمؤسسة الوهابية السعودية ـ سيكون لها أثر أهمّ في الشؤون العالمية، لأن كتاباته برّرت، في نهاية المطاف، الإرهاب الأعمى الذي ستمارسه القاعدة.

وفي يوم 24 تشرين الثاني/نوفمبر1989 قُتل عبد الله عزام وابناه محمد وإبراهيم بواسطة سيارة مفخخة في بيشاور، وأصدرت رابطة العالم الإسلامي في مكة بلاغات تعزية.

هجين قتالي جديد

باتت رابطة الملك فيصل للعالم الإسلامي، على نحو واضح أداة حاسمة في الدفع بالسياسات الوطنية السعودية ففي سنة 1974، عندما حصلت على ميزانية سنوية بقيمة 50 مليون دولار، اختارت نشطاء سياسيين إسلاميين بارزين، أمثال مولانا أبو الأعلى المودودي، المرشد الإيديولوجي لسيد قطب، كما تشكل طاقمها من أعضاء في تنظيم الإخوان المسلمين، ونشرت رابطة العالم الإسلامي التي يدعمها السعوديون، النشاط الإسلامي الراديكالي، باستقطابها منظرين إيديولوجيين للقتال الإسلامي إلى صفوفها، ولم يكن الانتقال من التماهي الإيديولوجي مع المقاتلين الإسلاميين إلى الدعم الفعلي للجهاد انتقالاً كبيراً جداً.

أما المنظمة السعودية الثانية للعمل الإسلامي الدولي فهي الندوة العالمية للشباب الإسلامي، التي نشرت ووزعت نصوصاً حول الإسلام، فإلى جانب الكتب التمهيدية العادية نشرت أيضاً أعمالاً حول مواضيع متخصصة، بما في ذلك الجهاد، لكن أبرز كتبها هي كتابات سيد قطب ومولانا المودودي ومحمد قطب، وتجلى هدف الندوة العالمية للشباب الإسلامي المعلن في "خدمة إيديولوجيا الإسلام عبر نشر التوحيد"، المعتقد الإسلامي الأساس الذي شددت عليه الوهابية، وهكذا أدمجت منظمة سعودية تعنى بنشر العقيدة الوهابية على الصعيد الدولي كتابات آل قطب والمودودي في رسالة الوهابية.

ورغم الاختلافات التاريخية بين نشأة الإخوان المسلمين ونشأة الوهابية تلتقي الحركتان في تشابهات مهمة.

وفي السبعينيات والثمانينيات طورت الحركة الوهابية والإخوان المسلمون علاقة عمل، رغم أنه لم يكن للإخوان المسلمين فرع سعودي، ولاحظ الخبير الفرنسي المعروف "أوليفي روا" أن "نوعاً من المغامرة المشتركة قامت في الثمانينيات بين السعوديين والإخوان المسلمين العرب"، ذلك أن السعوديين استخدموا دائماً شبكات الإخوان المسلمين لنشر رسالتهم الإسلامية فضلاً عن ذلك، وفّرت العربية السعودية الحماية لنفسها بدعم الإخوان ـ وهو منهج عمل لدى السعوديين عند التعامل مع الخصوم المحتملين، غير أن الإخوان المسلمين حصلوا من السعوديين ورابطة العالم الإسلامي على مناصب لأعضائهم وأموال لعملياتهم، ونتيجة لهذه العلاقة باتت العربية السعودية مركزاً من المراكز الأساسية التي صدّرت الأصولية الإسلامية الجديدة خلال السبعينيات والثمانينيات.

الوهابية تؤكد ذاتها من جديد

في يوم آذار/25 مارس 1975 قتل الملك فيصل، بعد هذا الاغتيال، أصبح ولي العهد خالد شقيق فيصل الملك الجديد، وعيّن فهد المتمرس، الذي كان وزير التعليم ثم وزير الداخلية، ولياً للعهد.

تحدّ داخلي جديد

في يوم 20 تشرين الثاني/نوفمبر1979 بداية القرن الإسلامي الخامس عشر، أحكم المئات من الرجال المسلحين السيطرة على المسجد الحرام في مكة، محتجزين مئات الرهائن من الحجاج، وقاد الهجوم على أماكن الإسلام المقدسة سعوديان هما: جهيمان بن محمد العتيبي ومحمد بن عبد الله القحطاني، وقد أعلن القحطاني نفسه المهدي المنتظر في صباح استيلائهما على الحرم المكي.

كان هذان الرجلان نتاج المؤسسات السعودية الرسمية، إذ درس العتيبي والقحطاني على يد القيادة الدينية السائدة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

ولا يمكن إنكار أن للوهابية التقليدية أثراً عميقاً في فكر العتيبي والقحطاني، حتى إنهما أطلقا بالفعل اسم الإخوان على هذه الحركة.

وبعد استيلاء جماعة العتيبي على الحرم المكي، عانى العلماء الوهابيون السعوديون مشكلة عويصة في التعامل مع حركة الإخوان، إذ استفتى الملك خالد العلماء، بيد أن فتوى العلماء رخّصت للقوات السعودية قتل جماعة العتيبي إذا لم تسلّم نفسها، فاقتحم السعوديون المسجد المكي، تدعمهم فرق أجنبية وقهروا آخر رجال العتيبي في نهاية المطاف يوم 3 كانون الأول/ديسمبر، واستسلم العتيبي نفسه، فأعدم هو وأتباعه في النهاية.

كان السعوديون في حاجة إلى دعم مشروعيتهم كزعماء للإسلام، باختصار كان عليهم الانكباب على المصالح الدينية الخاصة بالعلماء، الذين أكدوا حاجة السعوديين إليهم لحل مشكلة الإخوان عسكرياً، حتى وهم يرفضون وصف إيديولوجيا العتيبي بالهرطقة، وهكذا وسّع الملك خالد وولي العهد الأمير فهد سلطة العلماء في "الإشراف على طابع المملكة الوهابي".

منحت القيادةُ السعودية العلماءَ سلطة أكبر في تدبير شؤون المملكة، حيث دعمت الحكومة مطالب العلماء بمراقبة القوانين الوهابية مراقبة أشدّ صرامة.

وازداد تأثير الشيخ عبد العزيز بن باز في ظل المناخ الديني الصارم الذي استقر بعد سنة 1979 إذ كان ابن باز أحد العلماء الثلاثين الذين صادقوا على العمل العسكري الرامي إلى سحق هذه الجماعة، لذلك لم يشكك في أن يخرج السعوديون سالمين من محنة الصراع على المسجد المكي. غير أنه كان، في الآن ذاته، مصدر الإلهام الديني للعتيبي، وكذا لعبد الله عزام الذي سيطوّر عقيدة جهادية جديدة خلال الصراع الأفغاني، حيث سينقلها إلى تلميذه أسامة بن لادن، وسيتبين أن الشيخ ابن باز وجه بارز في تطوير الوهابية وتوجيهها خلال العقد ونصف العقد الموالي.

قبل اندلاع حرب إيران والعراق كان السعوديون قد بدأوا في الواقع ينظرون إلى الأمم الإسلامية الأخرى من أجل الدعم، وما أن حاول السعوديون مواجهة الرسالة الإسلامية الراديكالية لإيران الثورية، حتى باتت باكستان ـ وهي دولة مسلمة سنّية تجاور إيران ـ حليفاً أهم.

كما أن المال السعودي شق طريقه نحو الشبكات التربوية للجماعة الإسلامية، أكبر أحزاب باكستان التي أصبحت أيضاً نشيطة في رابطة العالم الإسلامي الخاضعة للهيمنة السعودية، وانتهت بعض فصائل الجماعة الإسلامية إلى اعتناق الوهابية.

رابطة العالم الإسلامي ودورها

أضحت رابطة العالم الإسلامي إحدى الأدوات السعودية الأساسية لنشر الوهابية.

استغل الملك فيصل رابطة العالم الإسلامي في الستينيات لمواجهة تحديات الناصرية، أما الملك فهد فقد استعمل الدبلوماسية الإسلامية لمواجهة إيران الثورية، ولتجديد أوراق اعتماده الإسلامية أيضاً.

وفي تشرين الأول/أكتوبر 1987 انعقد المؤتمر الإسلامي العام الثالث لرابطة العالم الإسلامي، فيما كانت خصومة الملك فهد الإقليمية مع إيران تزداد تأججاً، وقد أُدينت إيران في المؤتمر الذي حضره نحو ستمئة ممثل من 134 دولة (وتلك الأرقام تؤكد امتداد المنظمة العالمي الهائل).

وقد ساهم مجلسها الأعلى العالمي للمساجد بعشرات الملايين من الدولارات لبناء المساجد في العالم، وكان المال يأتي من الحكومة السعودية (شكلت مساهمات السعوديين أغلب ميزانية رابطة العالم الإسلامي)، التي أرسلت نحو ألف بعثة إلى العالم أجمع، ودرّبت وموّلت الفقهاء المسلمين من جميع أنحاء العالم، وأصبحت رابطة العالم الإسلامي، في منتصف الثمانينيات، إحدى قنوات تمويل السعودية للحرب ضد السوفيات في أفغانستان.

وعندما واجهت العربية السعودية التهديد الشيعي الإيراني اكتسبت الوهابية قوة مجدداً داخل المملكة، وحتى عندما حث الملك فهد على التحديث، وأقام حلفاً أقرب من الولايات المتحدة الأمريكية، بدت حكومته أكثر صرامة من الناحية الدينية، إذ مثّل التحدي الإيراني، بالطبع سبباً خوّل النخب الوهابية مزيداً من النفوذ في العربية السعودية.

تبنّى فهد عدداً من الإجراءات إذ مدد ساعات الدراسات الدينية داخل النظام التربوي "العلماني" السعودي، كما فرضت حكومته فصلاً صارماً بين الجنسين في الجامعات السعودية، وتقلّصت فرص توظيف النساء.

وفي سنة 1984 أيّد علناً تحذير الشيخ ابن باز الموجّه للشباب السعودي بالامتناع عن السفر إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ("بلدان الهرطقة")، لأن هذا السفر قد يصرفهم إلى طريق الشر ـ هذا رغم زيارات الملك الخارجية المتكررة والموسعة.

ولم تكن بعض هذه الإجراءات جديدة، ذلك أن بيع أشجار عيد الميلاد منع سنة 1967، بسبب ضغط العلماء، لكن هذه الإجراءات لم تقتصر آنذاك على المجال العام، إذ أصبحت الشرطة الدينية أكثر اقتحاماً لحياة الناس خلال هذه الفترة، وحتى العاملون في مساحات أرامكو المطوقة لم يكونوا بمنأى عن العقوبات الإسلامية، ولقد كشفت أفعال فهد جميعها أن الدولة السعودية كانت لا تزال بالفعل خاضعة لتأثير وهابي قوي، مثلما كانت منذ تأسيسها، وغالباً ما اصطدمت حاجات القيادة السعودية بسياسات النخبة الدينية الوهابية، لكن لم يستطع أي عاهل سعودي أن يحيا طويلاً دون دعم أولئك القادة الدينيين، وحتى فهد أجبر على التراجع إلى الوراء، مانحاً العلماء دوراً مهماً في الشؤون السعودية. كما استثمرت القيادة السعودية بقوة في المؤسسات الدينية، التي تنشر الإسلام الوهابي في العالم كله، بغية الحفاظ على دعم النخبة الوهابية.

للمشروعية ثمنها، إذ تجلت المفارقة في أن الملك فهد صاحب الرحلات الكثيرة، الذي عُرف في الماضي بكونه صوتاً من الأصوات القوية الداعية إلى تحديث العربية السعودية وتوجهها الداعم لأمريكا، سيصبح العاهل السعودي الذي أشرف على تصدير الوهابية على مستوى عالمي.

امتداد الوهابية العالمي

وسّعت العربية السعودية، خلال حكم الملك فهد تأثيرها الديني على الصعيد العالمي، إذ نشأ جزء من هذا التوسع عن حاجة فهد إلى دعم أوراق اعتماده الدينية.

باشرت العربية السعودية حملة شاملة لنشر الإسلام الوهابي في العالم، ففي الفترة الممتدة بين 1982 و 2002 أقامت 1500 مسجد و 210 مراكز إسلامية وألفي مدرسة لتعليم أبناء المسلمين في البلدان غير المسلمة وحدها، وخصصت لذلك مبالغ مالية هائلة، وأنفق السعوديون، وفق ما ورد في وثائق داخلية لرابطة العالم الإسلامي، عشرة ملايين دولار على بناء المساجد في الولايات المتحدة في سنتين فقط خلال الثمانينيات، ومنحت كراسي أكاديمية للدراسات الإسلامية في كلية هارفرد للحقوق، وفي جامعة كاليفورنيا ـ "سانتا بابارا". ودعم السعوديون معاهد البحوث الإسلامية في الجامعات الأمريكية (في واشنطن): جامعة "هوارد" جامعة "ديوك" جامعة "جونز هوبكنز". ودخلت الأكاديميات الإسلامية موسكو وواشنطن العاصمة.

تمثل المؤسسات الخيرية والمنظمات الإسلامية جوهر حملة نشر الإسلام الوهابي هذه ـ ومن ثم التأثير السعودي، ففي حكم الملك فهد، واصلت العربية السعودية وقف المال على هذه المنظمات بسخاء، إذ وهب السعوديون الملايين لرابطة العالم الإسلامي التي تأسست في عهد الملك فيصل فضلاً عن ذلك، دشنت العائلة الملكية السعودية حملات تبرع لفائدة مؤسسة الحرمين ـ وهي مؤسسة خيرية دولية غايتها المعلنة النهوض بـ "العقائد الصحيحة" في قلوب المسلمين ـ وكذلك هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية والندوة العالمية للشباب الإسلامي، وشكل لاجئو الإخوان المسلمين، الذي لجأوا إلى العربية السعودية، طاقة بشرية خطيرة في الجهود الدولية للعديد من هذه المنظمات وبخاصة رابطة العالم الإسلامي. كما حافظ الفقهاء السعوديون، بمن فيهم الشيخ عبد العزيز بن باز، على شبكات الدعم الإسلامية.

سمحت هذه المنظمات الخيرية السعودية للمملكة بنشر أجندتها السياسية، والدينية خاصة، في العالم كله خلال الثمانينيات والتسعينيات.

التدخل في أفغانستان وبروز طالبان

انساقت الروابط السعودية الأفغانية الأولى وراء اعتبارات دينية، بقدر ما انساقت وراء مصلحتها الاستراتيجية في هزم الاتحاد السوفياتي، إذ منح السعوديون قرابة أربعة ملايير دولار لمساعدة جماعات حرب العصابات الأفغانية خلال الفترة الممتدة من سنة 1980 إلى سنة 1990 هذا عدا مِنح الخيريات وأموال الأمراء الخاصة.

ففي مطلع الثمانينيات كان للسعوديين شريكان أفغانيان أساسيان، أحدهما عبد الرسول سيّاف، وهو دارس إسلامي أفغاني عاش عدة سنوات في العربية السعودية، وقد أُرسل إلى بيشاور، المدينة الحدودية الباكستانية قرب معبر خيبر إلى أفغانستان، قصد النهوض بالوهابية بين اللاجئين الأفغان. فأسس بالفعل حزباً وهابياً هو الاتحاد الإسلامي.

الوجه الأفغاني الثاني الأساس هو قلب الدين حكمتيار، رئيس الحزب الإسلامي، الذي كان قريباً من الجماعة الإسلامية الباكستانية المتطرفة (حزب مولانا أبي الأعلى المودودي)، وقريباً من الإخوان المسلمين.

كما اعتمد السعوديون على غير الأفغان، وأبرزهم عبد الله عزّام وأُسامة بن لادن، إذ سيّر عزّام مكاتب رابطة العالم الإسلامي والإخوان المسلمين في بيشاور الباكستانية وأنشأ، مكتب الخدمات سنة 1984 لإعداد المجنّدين الجدد للجهاد الأفغاني وتنسيق تدفق المساهمات.

كان دعم عزّام لهؤلاء الآلاف من المتطوعين يأتي من المخابرات السعودية، والهلال الأحمر السعودي، ورابطة العالم الإسلامي، وبصورة شخصية، من الأمراء السعوديين.

وكان حجم الاستثمار السعودي في بيشاور ضخماً، ففي سنة 1988 ادّعت رابطة العالم الإسلامي أنها افتتحت 150 مركزاً لدراسة القرآن و85 مدرسة إسلامية لتعليم الطلبة الأفغان.

وبعد مقتل عبد الله عزّام في هجوم بسيارة مفخخة سنة 1989 تولّى بن لادن تدريجياً مكتب خدمات المجاهدين، وفي تلك السنة ذاتها غيّر اسم المكتب ليصبح تنظيم القاعدة.

وفي الثمانينيات أضحى أسامة بن لادن وجهاً بارزاً في الجهاد الأفغاني الذي تدعمه السعودية. وحتى بعد هزيمة السوفيات سنة 1989 واصل إقامة القواعد في أفغانستان لتدريب المتطوعين العرب، وقد استخدم ابن لادن ثروته وتبرعات السعوديين لنشر الوهابية بين الأفغان، وفي الحالات كلها جاء أغلب المتطوعين العرب في أفغانستان من العربية السعودية، لذلك كانوا قد تشرّبوا الممارسات الوهابية من قبل.

لم تكن ميليشيا طالبان، التي أصبحت قوة سياسية في أفغانستان سنة 1994 وهابية في أول الأمر، ذلك أن المسلمين السنّة مثلوا 80 في المئة من سكان أفغانستان إلا أنهم كانوا ينتمون إلى المذهب الحنفي، بينما اتبع الوهابيون المذهب الحنبلي، ونشأت تقاليد طالبان عن مدارس "ديوباندي" التي ظهرت في الهند خلال القرن التاسع عشر، والتي لم تكن متطرفة على نحو بازر، ولم يكن الجهاد من أولوياتها، لكن طالبان أصبحت، عقب الحرب الأفغانية أكثر راديكالية، وتدفق الدعم السعودي على جمعية علماء الإسلام، وحركة "ديوباندي" الدينية في باكستان، وكذلك منافستها الباكستانية الجماعة الإسلامية.

وفي الثمانينيات انتشرت مدارس جمعية علماء الإسلام الراديكالية وأكاديميات دينية متقدمة أخرى قرب الحدود الأفغانية ـ الباكستانية، وأصبحت لطالبان مراكز تدريب، كانت هذه المدارس تُدعم في أول الأمر بأموال زكاة الباكستانيين، لكن المنظمات غير الحكومية بالعربية السعودية ودول خليجية أخرى أصبحت أهم الداعمين لها في ما بعد.

والظاهر أن العلماء السعوديين دافعوا بقوة عن العلاقة بطالبان، فقد دفع الشيخ محمد بن جبير، الذي سُمّي بـ "مُصدّر العقيدة الوهابية إلى العالم الإسلامي" والذي ترأس هيئة كبار العلماء إلى جانب الشيخ عبد العزيز بن باز، بالفكرة القائلة إن السعوديين مطالبون بتقديم مزيد الدعم وخضع تنسيق المساعدات السعودية العملي لمراقبة رئيس المخابرات السعودية الأمير تركي الفيصل، لكن كان هناك مكوّن إسلامي قوي إذ اصطحب الأمير تركي، في أول لقاء مع زعيم طالبان الملا عمر، عبد الله التركي الذي أصبح في ما بعد الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي.

بالنظر إلى الدعم السعودي الفعّال الممنوح لطالبان ـ والذي أيدته القيادة الدينية السعودية ـ لا عجب أن يقترب المتمردون الأفغان أكثر من الوهابية خلال التسعينيات، لكن ثمة سبب آخر جعل الوهابية تخترق طالبان، إنه أسامة بن لادن، إذ نقل إقامته إلى قندهار، قرب بيت زعيم طالبان الملا عمر، فكان بن لادن يمضي الليل يحاور طالبان، حيث قدّم لهم دعماً مادياً، وأرسل قواته من العرب الأفغان إلى المعارك ليدعم طالبان ضد خصومها من الميليشيات الأفغانية، وسمح للتنظيمات الكشميرية الإرهابية، التي دعمها حليف طالبان الأساسي باكستان، باستخدام معسكراته التدريبية.

وما أن ازداد أثر بن لادن حتى عكست أفعال طالبان أفكاراً وهابية متطرفة، فمن الناحية التاريخية، لم يهاجم المسلمون السنّة الأفغان الأقلية المسلمة الشيعية، لكن الهجمات ضد الشيعة بدأت حتى قبل غلبة طالبان، وصارت ممنهجة أكثر في ظل نظام طالبان، إذ ساعد مقاتلو بن لادن الوهابيون طالبان على ذبح "الهزار" وهي جماعة شيعية تتحدث الفارسية وتعيش في شمال أفغانستان.

لم تكن هذه السياسة المعادية للشيعة، طبعاً بالأمر المستجدّ في عالم الوهابية، ذلك أن الهجمات الوهابية سنة 1802 على الأضرحة الشيعية في كربلاء خلّفت آلاف القتلى، أما فقهاء العربية السعودية الحديثة فقد اعتبروا السكان الشيعة السعوديين بالأقاليم الشرقية هراطقة، لا مسلمين حقيقيين، لقد أراد إخوان ابن سعود إبادتهم، حيث أيّد العلماء إجبارهم بالقوة على اعتناق الإسلام السني، بل إن الدولة السعودية، وخلافاً للدول العربية الأخرى، لم تسمح للشيعة على امتداد التسعينيات ببناء المسجد أو بممارسة شعائرهم علناً بأي طريقة من الطرق، فسار الطالبان على نهج المقاربة الوهابية إزاء الشيعة بدل الممارسة المتبعة في أجزاء أخرى من العالم الإسلامي.

نماذج عالمية للنشاط الوهابي

عندما ينظر المرء إلى كيفية اشتغال النشاط الإسلامي السعودي في مناطق مختلفة من العالم يجد عدة نماذج منه تتكرر.

أولاً، تمثلت الوسائل الأساسية لهذا النشاط في المنظمات الخيرية الإسلامية السعودية الضخمة ـ رابطة العالم الإسلامي وذراعها العملية هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، ومؤسسة الحرمين، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، إذ ترأس هذه المنظمات، منذ ميلادها، أفراد ينتمون إلى قمة بنية السلطة العربية السعودية ـ بما في ذلك وزراء الحكومة وأعضاء في هيئة علماء السعودية.

ثانياً، لم تتمثل المصالح الجيوسياسية للدولة السعودية في العوامل التي تتحكم في النشاط الإسلامي السعودي فقط، ففي أفغانستان، دعم السعوديون الجماعات القريبة إيديولوجيا من الوهابية، وليس بالضرورة الميليشيات صاحبة أفضل سجل حربي ضد الجيش الأحمر، وبالفعل كان علماء العربية السعودية المفتاح الأساسي في إقناع القيادة السعودية بدعم طالبان، وفي البلقان، قادت الإيديولوجيا السعوديين إلى الانخراط دينياً، وليس مالياً وعسكرياً فحسب، لأن السعوديين مكثوا هناك بعد انتهاء النزاع للتأثير في طابع المساجد البلقانية وتصميمها، ونشر إسلامهم الطهراني، باختصار تمثل عمل هذه الخيريات الأساسي في نشر رسالة العربية السعودية الدينية، وكانت هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، مثلاً الوسيلة المختارة لنشر الوهابية في شمال العراق، وأصدر موقع مؤسسة الحرمين رسالة إخبارية إلكترونية تتضمن أدبيات وهابية: مقالات حول التوحيد والشرك، وكذا مواد سيرية حول محمد بن عبد الوهاب.

ثالثاً، شجعت الخيريات السعودية في العالم كله على الإرهاب، حيث دعمت هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية والندوة العالمية للشباب الإسلامي جماعة حماس الفلسطينية، وترأس محمد جمال خليفة، زوج أخت أسامة بن لادن، مكتب هيئة الإغاثة في الفلبين، الذي دعم من خلاله تنظيم أبو سياف الإرهابي، وعمل محمد الظواهري، شقيق أيمن الظاهري، لصالح الهيئة ذاتها في "تيرانا" بألبانيا ـ لكنه كان يعمل من وراء الستار لفائدة تنظيم مصري متطرف يرتبط بالقاعدة، وفي أواخر التسعينيات أدرجت الحكومة الكينية هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية في اللائحة السوداء بسبب ارتباطها بالإرهابيين.

وأخيراً: كانت هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية في "بانكيسي جورج" تنقل المال إلى فرقة الأنصار المجاهدين، التي قادها الخطاب أثناء قتال الروس في الشيشان وداغستان.

كما يبدو أن منظمة الحرمين دعمت الجماعات الإرهابية، حيث رصدت المصالح الأمنية الفيدرالية الروسية، عن قرب دعم الحرمين الجماعات الإسلامية المتطرفة في الشيشان وداغستان.

بالإضافة إلى ذلك ارتبطت لجنة البر العالمية، التي مقرها في السعودية، بالجماعات المقاتلة في الجزائر ومصر، واشتبه في دعم مكاتبها في سراييفو الأنشطة الإرهابية.

ولأن السعوديين لم يقدموا المال فحسب في هذه الصراعات، وإنما القوة البشرية أيضاً، فلا غرابة أن يمثل المواطنون السعوديون، في نهاية المطاف، المكوّن الأكبر في شبكة القاعدة.

وفي النهاية، سيصبح الغرب نفسه هدفاً للجهاد الجديد.

·       مقتطفات من كتاب مملكة الكراهية وكيف دعمت السعودية الارهاب _ لدون غولد _ بتصرف 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2017/12/25   ||   القرّاء : 58


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 في رحاب الزيارة الجامعة معرفة أهل البيت عليهم السلام ... الأئمة الراشدون

  الظاهر والباطن بلسان أهل الحقيقة والولاية

  أحكام الشرع الحنيف بين ظاهر الانسان وباطنه

  الوهابية ودورها العابر للدول والحركات والمنظمات الاسلامية ... في خدمة الارهاب وترويجه* ق2

  صور من الظاهر والباطن

 عالم السياسة

  علماء قدوة ... ومواقف رسالية للعلماء...

 كلمات وردت في القرآن الكريم : الظاهر والباطن

  سورة هود ومسار النبوة والانبياء

 هيئة علماء بيروت تدين قرار ترامب اعتبار القدس عاصمة للاحتلال

 

مواضيع عشوائية :



 نظرة أولية في الديموغرافيا اللبنانية(1)

 الصراط المستقيم

  أبيات مختارة في رثاء الامام الحسين عليه السلام

  في غدير خم

 شيعة علي(ع) وأوصافهم

  وقفات مع آيات سورة البقرة (2)

  الامام الحسين عليه السلام : سيرته والنصوص على إمامته وخصائصه ومناقبه وفضائله

 التغيير والتطور هدف: الرسالة الإسلامية

 مسألة العادة"

 أصالة الطبيعة في البحث الفلسفي الاسلامي

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 758

  • التصفحات : 2396876

  • التاريخ : 20/01/2018 - 15:24

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net