هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (74)
---> عاشوراء (84)
---> شهر رمضان (87)
---> الامام علي عليه (41)
---> علماء (16)
---> نشاطات (6)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (14)
---> مقالات (129)
---> قرانيات (59)
---> أسرة (20)
---> فكر (98)
---> مفاهيم (138)
---> سيرة (75)
---> من التاريخ (19)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)
---> العدد الواحد والثلاثون (9)
---> العدد الثاني والثلاثون (11)
---> العدد الثالث والثلاثون (11)
---> العد الرابع والثلاثون (10)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : مقالات .

              • الموضوع : من رموز الوهابية .

                    • رقم العدد : العد الرابع والثلاثون .

من رموز الوهابية

من رموز الوهابية

اعتمد الوهابيون العديد من الرموز على مستوى الماضي والحاضر، وكفروا بالكثير من رموز المسلمين وعلى رأسهم رموز أهل السنة، لكونهم يتبنون أطروحات وأفكار تتناقض مع أفكارهم ومذهبهم، وشأنهم في ذلك شأن الحنابلة الذين تعصبوا للرواية وأقوال الرجال، ونبذوا المخالفين لهم، بل اتهموهم في دينهم وعملوا على تشويههم.

على مستوى الماضي اعتمد الوهابيون: ابن حنبل، وابن بطة، واللالكائي، وابن تيمية، وابن القيّم، والذهبي، وابن كثير، وكفروا بمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، والليث، والأشعري، والماتريدي، والأوزاعي، وغيرهم من أصحاب المذاهب والتيارات الاخرى المخالفة لهم، أو التي لا تخدم أفكارهم وتدعم مذهبهم.

وهم قد يضطرون في بعض الأحيان إلى الاستعانة برموز المذاهب الاخرى إذا وجدوا لديهم بعض الآراء التي تخدمهم في مواجهة خصومهم.

وعلى مستوى الحاضر اعتمدوا فقهاء السعودية، وعلى رأسهم: ابن باز وتلميذه ابن عثيمين، وابن بابطين، وابن جبرين، وابن فوزان، والمدخلي، وغيرهم.

وفي الوقت الذي يعلن فيه الوهابيون كفرهم بالمذاهب، ودعوتهم إلى التلقي من الكتاب والسنة مباشرة، يعلنون تعصبهم وانحيازهم الكامل لابن حنبل وتلاميذه، وابن تيمية وتلاميذه، وابن عبد الوهاب وأولاده، ليقدموا لنا الدليل القاطع والبرهان الساطع على مذهبيتهم.

وسوف نستعرض من خلال هذا الباب نماذج من الرموز، على مستوى الماضي والحاضر، التي استعان بها الوهابيون وتحصنوا بها من أجل إضفاء المشروعية على أفكارهم ونشر التطرف والإرهاب وسط المسلمين بواسطتهم.

 

 

 

 

مسار ابن حنبل

تتلمذ أحمد بن حنبل على يد كثير من الفقهاء في عصره ودرس الفقه والشريعة واللغة والحديث، ثم طلق كل هذه العلوم وتفرغ للحديث والأثر، وجعله موضع اهتمامه، وبنى على أساسه عقيدته وتصوره ومواقفه، طارحاً العقل والاجتهاد جانباً.

من هنا فإن الطبري المؤرخ والمفسر والفقيه لم يعده في زمرة الفقهاء، بل عده في زمرة المحدثين من أهل الرواية حين صنف كتابه "اختلاف الفقهاء" وأغفل ذكره مما أدى إلى ثورة الحنابلة عليه وقذفوه بالمحابر، وأهاجوا عليه العامة واتهموه بالرفض والتشيع، وجعلوا يرمون بيته بالأحجار مما دفع بالعسس (الشرطة) إلى التدخل لحسم الأمر.([1])

من الاعتدال إلى التطرف

استمر ابن حنبل يدرس الرواية ويحفظها وينقلها ويبثها بين الناس دون أن يعترض سبيله أحد، ولم يكن يصطدم بأحد.

كانت الرواية هي حياته وشغله الشاغل، وحيثما توجهه الرواية كان يتوجه، حتى أنه اعتبر تبني الرواية الضعيفة والأخذ بها خيراً من استخدام العقل واللجوء للرأي.

وتشكلت شخصيته وعقيدته على أساس هذه الروايات التي كانت سلاحه الأول والأخير في مواجهة المخالفين.

وعندما تبنى المأمون نهج المعتزلة في نهاية حكمه خرج ابن حنبل رافعاً لواء المعارضة لفكر المعتزلة الذي يرجح العقل على الرواية، معتبراً أن هذا الاتجاه يشكل خطورة على عقيدة السلف وعلى الرواية.

وابن حنبل كان يشعر على الدوام بخطورة المعتزلة والاتجاهات الأخرى على طرحه وعلى الروايات، إلا أنه لم يظهر العداء في مواجهة هذه الاتجاهات لضعفها أمام تيار الرواية الذي كان سائداً آنذاك، بالإضافة إلى تيار الفقهاء المدعوم من قبل الحكام.

ولقد شكل حدث تبني المأمون نهج المعتزلة انقلاباً دينياً في نظر ابن حنبل، نقل المعتزلة من طور الاستضعاف إلى طور التمكن، وفتح الأبواب أمامهم ليسودوا على حساب أهل السنة، ويهدموا صرح الرواية الذي أسهم فقهاء السلطة في تأسيسه منذ عشرات السنين.

وهكذا أعلن ابن حنبل رفضه لفكرة خلق القرآن، وشكل هذا الرفض تحدياً لسلطة المأمون الذي أمر بالقبض عليه، فأحضر مكبلاً بالأغلال إليه في طرسوس، لكن القدر أنقذه من يد المأمون، إذ جاءه الخبر بوفاته وهو في الطريق إليه، فأعيد إلى بغداد ووضع في السجن، ثم مثل امام المعتصم الخليفة الجديد وجرت له محاكمة.

وأصر ابن حنبل على موقفه برفض القول بخلق القرآن فضرب بشدة وأعيد إلى السجن وأخلي سبيله بعد حوالي العامين فالتزم العزلة والانقطاع طوال عصر المعتصم وعصر الواثق من بعده...([2])

وعاش ابن حنبل في مطاردات ومضايقات طوال عصر المعتصم والواثق حتى جاء المتوكل الذي أعلن تبنيه لنهج أهل السنة ورفضه لنهج المعتزلة، وجمع المحدثين عام (234هـ) للرد على الجهمية والمعتزلة ونصرة الرواية.([3])

في ظل هذا العصر استأنف ابن حنبل نشاطه، واتخذ المتوكل من يحيى ابن أكثم وزيراً له بدلاً من أحمد بن داود المعتزلي الذي كان وزير المعتصم.

وتقرب أحمد بن حنبل من المتوكل الذي دعاه إلى سامراء سنة 237هـ لأجل إعطاء ولده المعتز دروساً في الحديث.([4])

نصوص ابن حنبل

عرض الوهابيون عقيدة ابن حنبل من خلال منشورين

الأول: الرد على الجهمية والزنادقة.([5])

الثاني: كتاب السنة.([6])

وقد طبع كلاهما في كتيب واحد من توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالسعودية تحت عنوان: الرد على الجهمية والزنادقة، وهو يهدى ولا يباع.

وقامت دور النشر الوهابية بطبع كتاب السنة مستقلاً تحت عنوان: عقيدة أهل السنة

والوهابيون أهل شعارات ومسميات يبهرون بها المسلمين، بينما الحقيقة أنه لا يوجد تحت هذه الشعارات والمسميات شيء، فهم قد جعلوا هيئة كبيرة أسموها، إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، لإيهام المسلمين أنهم يعبرون عن الإسلام وينطقون بلسانه.

وهم قد أطلقوا على عقيدة ابن حنبل عقيدة أهل السنة لإيهام المسلمين أنهم ينطقون بلسان السلف ويمثلون إجماع المسلمين.

والحقيقة أنهم لا يمثلون سوى قطاع من الحنابلة وابن تيمية وابن عبد الوهاب، فمن ثم هم ينطقون بلسان مذهب من المذاهب لا يمثل الأمة، وليس عليه إجماع المسلمين.

الرد على الجهمية والزنادقة

اعتمد ابن تيمية، وابن القيم في كثير من كتبهم على هذا المنشور خاصة كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لابن القيم.

ويحتوي هذا المنشور على الفصول التالية:

  • باب في بيان ما ضلت فيه الزنادقة من متشابه القرآن.
  • باب بيان ما فصّل الله بين قوله وخلقه وأمره.
  • باب بيان ما أبطل الله أن يكون القرآن إلا وحياً وليس بمخلوق.
  • باب بيان ما جحدت الجهمية من قول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة}.([7])
  • باب بيان ما أنكر الجهمي من أن يكون الله قد كلم موسى.
  • باب بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على العرش.
  • باب بيان ما تأوّلت الجهمية من قول الله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم}.([8])
  •  باب بيان ما ذكر الله في القرآن: {وهو معكم}.([9])
  • باب ما تأولت الجهمية من قول الله تعالى: {هو الأول والآخر}.([10])

والجهمية تنسب للجهم بن صفوان تلميذ الجعد بن درهم، وهي محل تركيز الحنابلة وابن تيمية والوهابيين من بعدهم.

قال ابن حنبل في شرح السنة: وقد مضى سلف هذه الأمة وعلماء السنة على أن القرآن كلام الله ووحيه ليس بخالق ولا مخلوق، والقول بخلق القرآن ضلالة وبدعة لم يتكلم بها أحد في عهد الصحابة والتابعين، وخالف الجماعة الجعد بن درهم فقتله خالد بن سعيد القسري بذلك، فخطب بواسط يوم أضحى، وقال: ارجعوا أيها الناس فضحوا تقبل الله منكم، فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً سبحانه، وتعالى عما يقول الجعد، ثم نزل فذبحه، وكان الجهم بن صفوان صاحب الجهمية أخذ هذا الكلام من الجعد بن درهم.

وقال عنه الأشعري في مقالات الإسلاميين: زعم الجهم أن الجنة والنار تفنيان، وأنكر الرؤيا، وأنكر أن يكون الله على العرش.

وقال ابن حزم في الفصل بين الملل والنحل: اختلف الناس في ماهية الإيمان، فذهب قوم إلى أن الإيمان إنما هو معرفة الله تعالى بالقلب فقط، وإن أظهر اليهودية والنصرانية وسائر الكفر بلسانه وعبادته، فإذا عرف الله تعالى بقلبه فهو مسلم من أهل الجنة، وهذا قول: ابي محرز الجهم بن صفوان، وابي الحسن الأشعري البصري، وأصحابهما.

واعتبره ابن تيمية إمام الجهمية الجبرية، ومن نفاة الصفات، حيث قال عنه في منهاج السنة: إنه في أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية حدثت بدعة الجهمية منكرة الصفات، وكان أول من أظهر ذلك الجعد بن درهم، ثم ظهر بهذا المذهب الجهم بن صفوان، ودخلت فيه بعد ذلك المعتزلة.

وقال الذهبي في إثبات صفة العلو: وأول من خالف في ذلك فيما علمنا الجهم ابن صفوان، فعاب ذلك عليه وعلى أصحابه الأئمة من العلماء، والسادة من الفقهاء، واستعظموا قولهم وبدعتهم.

وقال صاحب الأنساب: وجهم كان من أهل بلخ، وظهرت بدعته بترمذ، وقتل بمرو في آخر ملك بني أمية، والمنكر في عقيدته كثير وأفظعها كان يزعم أن الله عز وجل لا يوصف بأنه شيء، ولا بأنه حي عالم، وتسميته حياً وعالماً وتسمية غيره بذلك توجب التشبيه.

وقال عبد الرحمن بن مهدي: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن الله كلم موسى، وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضُربت أعناقهم.([11])

والآراء التي تنسب للجهمية ـ كما اتضح مما سبق ذكره ـ ليست خاصة بهم وإنما يقوى بها السلف والخلق من أهل السنة ويقول بها أيضاً، والمعتزلة وغيرهم من التيارات المخالفة للوهابية والتعلق بفكرة الجهمية، إنما هو صورة من صور التمويه والتضليل التي مارسها الحنابلة في الماضي، ويمارسها الوهابيون في الحاضر، واتخذوها ذريعة لإرهاب المخالفين والبطش بهم، كما حدث مع الجعد وتلميذه الجهم.

وحالها أشبه بحال كلمة رافضي، التي كان يطلقها الحنابلة والفقهاء المتعصبون في الماضي على كل من كان يرى غير رؤيتهم في مسألة الإمامة وعدالة الصحابة، ولا يزال يطلقها الوهابيون اليوم في مواجهة الشيعة وغيرهم.

وأصل الخلاف بين ابن حنبل والآخرين حول هذه المسائل يعود إلى أمرين:

الأول: عدم استخدام العقل.

الثاني: الإسراف في استخدام الرواية.

وفي ما يتعلق بالعقل، فقد نبذه ابن حنبل والحنابلة وجرموا الرأي وأصحابه

وفي ما يتعلق بالرواية، فقد غالى فيها ابن حنبل والحنابلة من بعده.

وأزمة ابن حنبل مع المخالفين تكمن في التأويل الذي رفضه، ورفضه الحنابلة من بعده، سيراً مع سنتهم في تجريم العقل والرأي، وتجريم العقل والرأي سوف يقود إلى التطرف حتماً، وسوف يفتح الأبواب على مصارعها لإرهاب المخالفين والبطش بهم، وهو ما ترجمه لنا سلوك الإرهابي الحنابلة في مواجهة خصومهم، الذي رصدته لنا كتب التاريخ. وهو ما يترجم لنا السلوك للوهابيين بفرقهم المختلفة في مواجهة خصومهم على مستوى الحاضر.([12])

والجهمية والتيارات الأخرى تبنت نهج التأويل في مواجهة النصوص الواردة في القرآن والخاصة بصفات الله تعالى، كذلك الروايات المنسوبة للرسول(ص)، ورفضوا أن تؤخذ على ظاهرها أو على وجه الحقيقة.

قال ابن حنبل: إن القرآن ليس بمخلوق، وإن الله سوف يُرى يوم القيامة، وإنه فوق العرش في السماء، وأن له عيناً ويداً ويضحك ويغار وينزل إلى السماء الدنيا، إلى غير ذلك من الأمور التي أشارت لها الروايات التي تبناها ابن حنبل، وتعصب لها الحنابلة من بعده، واخضعوا لها نصوص القرآن، وأرهبوا بها المخالفين.

ورفض الآخرون هذه الروايات، وقالوا بأن القرآن مخلوق، وأن الله من المستحيل رؤيته، وأن جميع الصفات الواردة لله في القرآن والروايات يجب تأويلها وأخذها على وجه المجاز لا الحقيقة، فاليد تعني القدرة، والعين تعني الإحاطة، وكلام الله مع الرسل يكون بواسطة، ونزول الله يعني نزول رحمته، وأن مشيئة الله منفصلة عن مشيئة العبد، وهو ما ينفي فكرة الجبرية.

واعتبر ابن حنبل والحنابلة من بعده هؤلاء من المبتدعة الضلال المنكرين لسنة رسول الله(ص)

قال ابن حنبل: ومن ادعى أن وجهه ـ أي: وجه الله تعالى ـ نفسه فقد ألحد، ومن غير معناه فقد كفر، ويفسد أن تكون يده القوة والنعمة والتفضل، ومن خالف ذلك وجعل العلم لقباً لله عز وجل ليس تحته معنى محقق فهذا خروج عن الملة.([13])

ورسالة الرد على الجهمية والزنادقة ـ كما يبدو من عنوانها ـ رسالة متطرفة شديدة اللهجة في مواجهة الخصوم أسست حالة العداء الدائمة للآخر في نفوس الحنابلة، وبررت العدوان عليه واستحلاله.

وتلك الحالة توطنت في نفوس الوهابيين أيضاً، الذين ورثوا هذا الفكر المتطرف.

رسالة السنة

يقول ابن حنبل في مقدمة هذه الرسالة: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر (أقوال التابعين)، وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها، المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي(ص) إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مبتدع خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق. وكلام ابن حنبل هذا أصبح سنة ثابتة للحنابلة من بعده، التزم بها: ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، ومحمد بن عبد الوهاب، ثم الفرق التي تولدت من هذا النهج

وإضافة مثل هذا الطرح للرسول(ص)، والصحابة، وأهل العلم فيه نظر، وهو أشبه بالوهم، وذلك يعود إلى انغماسهم في الرواية ومغالاتهم فيها، فظنوا أنهم يتمسكون بها كما يتمسكون بنهج الرسول(ص).

ومن هنا نشأ تطرفهم وتعصبهم، والذي يبدو بوضوح من خلال استعراض النصوص التالية من عقيدة ابن حنبل.

ويمكن للقارئ أن يتأمل تقييد ابن حنبل كلامه بقوله: إلا أن يكون في ذلك حديث.

ومعنى هذا الكلام أنه لو وجد رواية صحت في نظره تقول بكفر أصحاب الذنوب والكبائر لدان بها، وهو بهذا يعلق أفكاره وعقائده بالروايات، ويميل معها حيث مالت، فلا مجال عنده للاجتهاد، أو استخدام العقل، أو حتى اللجوء لكتاب الله ما دامت هناك رواية.

وتلك هي أزمة الحنابلة. وأزمة الوهابيين وفرقهم من بعدهم.

أقاموا ديناً معالمه: الإنغلاق، والغلظة، والتطرف، واستحلال الآخر، وتبني عقل الماضي.

ثم يقول ابن حنبل: والخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم، ولا نقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة، والجهاد ماض قائم مع الأئمة ـ الحكام ـ بروا أو فجروا، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والجمعة والعيدان والحج مع السلطان، وإن لم يكونوا بررة عدولاً أتقياء، ودفع العشور والصدقات والخراج والفيء والغنائم إلى الأمراء، عدلوا فيها أو جاروا، والانقياد إلى من ولاه الله أمرك، لا تنزع يداً من طاعته، ولا تخرج عليه بسيفك حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً، ولا تخرج على السلطان وتسمع وتطيع ولا تنكث بيعة، فمن فعل ذلك فهو مبتدع مخالف مفارق للجماعة.

ومعتمد ابن حنبل في هذا الكلام الذي تفوح منه رائحة السياسة، ولا أثر فيه لرائحة الدين، هو الروايات التي أقل ما يقال فيها إنها من صنع السياسة.

ومخالفة هذا الكلام أمر محمود، فلا يجوز أن يكون الدين وسيلة لتبرير الظلم والفساد والإرهاب وإضفاء المشروعية على الحكام وإن فجروا وفسقوا وأصبحوا بلاء على البلاد والعباد.

ولا يجوز لابن حنبل أن ينسب مثل هذا الكلام للدين ويجعله من المعتقدات الملزمة للمسلمين، ويدعي أنه محل إجماع الأمة، والسلف قد باركوه.

من هنا فإن الحكم على الرافضين لهذا الكلام بأنهم مبتدعة مفارقين للجماعة إنما هو حكم سياسي لا ديني.

ومرة أخرى يعود ابن حنبل إلى القول: والكف عن أهل القبلة، ولا نكفر أحداً منهم بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل إلا أن يكون في ذلك حديث.

إلا أنه يضيف هذه المرة، أو يبتدع بدعة ينسب إلى صاحبها الكفر والخروج من الإسلام، فاتبع الأثر في ذلك ولا تتجاوزه.

فأقوال الجهمية والشيعة والمعتزلة بدعة ينسب إلى صاحبها الكفر والخروج عن الإسلام.

أما الذين يرفضون طاعة الحكام الجائرين فيدخلهم ابن حنبل في دائرة المبتدعين على استحياء، فهم أصحاب بدعة مخففة، وهو ما يتضح من قوله: فمن فعل ذلك ـ أي: خرج على الحكام ـ فهو مبتدع مخالف مفارق للجماعة.

ويقول ابن حنبل عن مكان الله سبحانه: وهو على العرش فوق السماء السابعة.

وهذا القول هو الذي تأسست عليه فكرة الفوقية التي تبناها الحنابلة، ودعموها بالروايات، وحكموا على رافضيها بالزيغ والضلال.

وتبناها من بعدهم الوهابيون واعتبروها من عقائد الفرقة الناجية من النار من خالفها فهو من الضالين المبتدعين.

ويتابع ابن حنبل: والقرآن كلام الله تكلم به، ليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أن القرآن كلام الله ووقف ولم يقل ليس بمخلوق فهو أخبث من قول الأول، ومن زعم أن ألفاظنا به وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي، ومن لم يكفر هؤلاء كلهم فهو مثلهم، وكلم الله موسى تكليماً من فيه ـ فمه ـ وناوله التوراة من يده إلى يده.

وابن حنبل ـ بهذه الأقوال المتطرفة ـ يكون قد كفر الشيعة والمعتزلة وغيرهم من أهل القبلة، ممن قالوا بخلق القرآن، تلك المسألة الكلامية التي ضخمها ابن حنبل وجعلها من أصول الدين التي يكفر مخالفها، وما له حجة في هذا سوى أنه لم يجد من بين الروايات، والآثار ما يدعم فكرة خلق القرآن.

وينتقل ابن حنبل بعد ذلك إلى قضية جديدة لا صلة لها بأصول الدين وثوابته، وهي قضية من قضايا الرأي، إلا أنه تحت وطأة الروايات وأقوال الرجال تم تضخيمها ألا وهي قضية الصحابة.

يقول ابن حنبل: ومن الحجة الواضحة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله(ص) كلهم أجمعين، والكف عن ذكر مساويهم والخلاف الذي شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله أو أحداً منهم، أو تنقصه، أو طعن عليهم، أو عرض بعيبهم، أو عاب أحداً منهم، فهو مبتدع رافضي خبيث، مخالف لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً.

وأسانيد ابن حنبل في هذا الاعتقاد هي الروايات التي أضفت القداسة على الصحابة، وألبستهم ثوب المثالية، مخالفة بذلك نصوص القرآن.

وقام الحنابلة وفقهاء أهل السنة بشرح هذه الروايات واستنباط القواعد التي تحول دون الخوض في الصحابة أو المساس بهم.

وحتى تصان هذه القواعد وتكون بعيدة عن الشك والشبهات، ويسلم بها الجميع تم وضعها في كتب العقائد لتتحول مع مرور الزمن إلى عقائد ثابتة لا يجوز إعمال العقل فيها ويقاس على أساسها إسلام المسلم وسلامة دينه.

من هنا اشتقت فكرة عدالة جميع الصحابة دون استثناء، وهي فكرة تصطدم بنصوص القرآن الواردة فيهم، خاصة نصوص سورة التوبة.([14])

وفكرة عدالة الصحابة تعود لأصول مذهبية وسياسية نابعة من الصراع الذي دار بين الاتجاه القبلي الذي ساد واقع المسلمين بعد وفاة الرسول(ص) والدول التي قامت على أساسه، واتجاه أهل البيت.([15])

اعتمد الاتجاه القبلي على الصحابة كسند شرعي في مواجهة أهل البيت، ولمَّا كان الصحابة لا يحملون صفات ومؤهلات أهل البيت، وقد دبت بينهم الخلافات.

ووقعت بينهم الصراعات، وظهرت بينهم الانحرافات، استخدم سلاح الإرهاب لتخويف المسلمين، والحيلولة بينهم وبين الخوض في حقيقة وواقع الصحابة.

من هنا برزت فكرة تحصين الصحابة، وعدم جواز المساس بهم، والخوض في خلافاتهم ومساويهم حتى لا تتضح الرؤية أمام المسلمين وتتكشف حقيقة الاتجاه القبلي والحكام.

واعتبر من يخوض في أمر الصحابة ويتكلم فيهم بمثابة ساب لهم يجب ردعه ومعاقبته، وتم قتل العديد من المسلمين بدعوى سب الصحابة.([16])

ويظهر لنا من كلام ابن حنبل عن الصحابة أنه قد جعلهم من أصول الدين، وذلك حين أوجب على من أسماهم بالرافضة الاستتابة، وهو بهذا الحكم يساويهم بالمرتدين.

يقول ابن حنبل: والدين إنما هو كتاب الله عز وجل وآثار وسنن وروايات، وأصحاب الرأي والقياس في الدين مبتدعة ضلال، إلا أن يكون في ذلك أثر عمن سلف من الأئمة الثقات.

ويختتم عقيدته بقوله: وأصحاب الرأي أعداء للسنة والأثر يبطلون الحديث. ويردون على الرسول(ص)، ويتخذون أبا حنيفة ومن قال بقوله إماماً، ويدينون بدينهم، وأي ضلال أبين ممن قال بهذا وترك قول الرسول وأصحابه؟ فكفى بهذا غياً مردياً وطغياناً.

وهكذا أفرغ ابن حنبل ما في جبته بعد أن أطلق سهامه على جميع المخالفين له من أهل الرأي في دائرة أهل السنة وخارج دائرتهم، ليسنّ سنّة في واقع المسلمين، تلك السنة التي لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم ومتمثلة في النهج الوهابي.

وقد حمل تراث ابن حنبل جيل من الحنابلة، يساندهم قطاع من عوام بغداد، انطلق يرهب الناس والمخالفين ويرفع راية التكفير والزندقة في مواجهتهم.

وهذا ما تشهد به وقائع التاريخ، فيما أطلق عليه المؤرخون فتن الحنابلة وهي حوادث وقعت في فترات متفرقة ضمن حدود بغداد موطن الحنابلة، كان ضحيتها المخالفين على الدوام فقهاء وعوام من السنة والشيعة، وكان الحنابلة قد قويت شوكتهم بدعم من المتوكل العباسي، ومن بعده من خلفاء بني العباس الذين عملوا على استثمارهم في تقوية نظام حكمهم وتصفية المعارضين لهم.

ودخلوا في صدامات دموية مع الشيعة والأشاعرة والشافعية والأحناف والمعتزلة.

وهو يدل من جانب آخر على أن هذه العقيدة قد فرضت على المسلمين بضغط الحكام، ولو قدر لها أن تسلك السبيل المعتاد في الدعوة الذي سلكته الشيعة من بعد الإمام علي عليه السلام والمعتزلة والمذاهب الأخرى لما قدر لها البقاء والانتشار، والبرهان على ذلك أن مذهب الحنابلة سقط بعد سقوط الدولة العباسية، واتجهت الدول التي ظهرت بعدها نحو الأشاعرة والماتريدية والمذاهب الأخرى.

ويبدو أن الاتجاهات الأخرى لم تستسلم لمدافع ابن حنبل، بل استدارت عليه.

 

 

[1] توفي الطبري عام 310هـ، وحاصر الحنابلة بيته، ورفضوا إخراج نعشه منه ليدفن في مقابر المسلمين فدفن بجوار بيته، أنظر سيرته في كتب التاريخ والتراجم.

[2] أصدر الوهابيون العديد من المنشورات التي تصور ابن حنبل كمجاهد كبير وإمام ممتحن سفط ضحية الظلم والطغيان، انظر سيرة المأمون في كتب التاريخ والتراجم، وسوف نعرض لفكرة خلق القرآن من خلال كلام ابن حنبل فيما سيأتي.

[3] انظر سيرة المعتصم والواثق والمتوكل في كتب التاريخ والتراجم.

[4] اعتبر الحنابلة المتوكل ناصر السنة، ودعوا له على المنابر، وتغاضوا عن جرائمه ومنكراته، ومما يذكر هنا أن المتوكل قتل على يد ولده، انظر تاريخ الخلفاء للسيوطي وكتب التاريخ الأخرى.

[5] كتب ابن حنبل رسالته هذه وهو في السجن.

[6] يُنسب كتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل أيضاً.

[7] - القيامة/23

[8] - المجادلة/7

[9] الحديد/4

[10] الحديد/3

[11] انظر التحفة المدنية في العقائد السلفية.

[12] انظر لنا كتاب الحق والحقيقة بين الشيعة والسنة فصل المتطرفو، وتأمل الصدامات بين الفرق الوهابية في جزيرة العرب وصداماتهم المستمرة مع المخالفين من أهل السنة، وتأمل فرق الإرهاب الوهابي التي ترفع شعار الجهاد، وترتكب الكثير من الحوادث والجرائم البشعة في العراق وأفغانستان وباكستان وإيراه، وغيرها من البلدان.

[13] انظر اعتقاد الإمام المبجل أحمد بن حنبل.

[14] يطلق الفقهاء على سورة التوبة بالفاضحة لكونها تفضح المنافقين حول الرسول والبعض الآخر يسميها سورة العذاب لما تحوي من صنوف الوعد والوعيد التي تتعلق بمن حول الرسول صلى الله عليه وآله.

[15] انظر لنا كتاب السيف والسياسة.

[16] انظر لنا دماء واغلال: صور من اضطهاد الشيعة عبر التاريخ، وانظر تاريخ ابن كثير ج 14 ص 353، قصة مصرع قتل الرافضي الخبيث، وانظر الصواعق المحرقة على أهل البدع والزندقة لابن حجر الهيثمي قصة إعدام مسلم اتهم بسب الشيخين.

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2019/09/26   ||   القرّاء : 164


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 أبو ذر الغفاري المجاهد ، القدوة

 في رحاب الزيارة الجامعة

 كلمات وردت في القرآن الكريم: ل ح د _ الدهر

 نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي

   فوائد مهمة للأموات.... راحة ورحمة

 الالحاد .... مفهومه واقسامه وتصنيفاته

 العقلانية بين التدين والالحاد

 من رموز الوهابية

 علماء قدوة  ... ومواقف رسالية للعلماء...

 استراحة اللقاء

 

مواضيع عشوائية :



 دور العبادات في السلوك الإجتماعي

  خطبة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في حجة الوداع

 المراتب الوجودية للقرآن

  آية إكمال الدين

 خصائص الإمام الخمينی ومقومات الاستمرار

 المنشأ النفسي والاجتماعي لظاهرة العنف

 العبادة وآثارها في شهر الله

 الصيام يحسن الصحة النفسية

 شيعة علي(ع) وأوصافهم

 شهر رمضان

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 868

  • التصفحات : 3496608

  • التاريخ : 14/11/2019 - 13:44

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net