هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (74)
---> عاشوراء (84)
---> شهر رمضان (87)
---> الامام علي عليه (41)
---> علماء (16)
---> نشاطات (6)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (14)
---> مقالات (129)
---> قرانيات (59)
---> أسرة (20)
---> فكر (98)
---> مفاهيم (138)
---> سيرة (75)
---> من التاريخ (19)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)
---> العدد الواحد والثلاثون (9)
---> العدد الثاني والثلاثون (11)
---> العدد الثالث والثلاثون (11)
---> العد الرابع والثلاثون (10)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : فكر .

              • الموضوع : نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي .

                    • رقم العدد : العد الرابع والثلاثون .

نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي

نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي

الشيخ علي سليم سليم

 

العقد الاجتماعي يهتم عادة بشرعية سلطة الدولة على الأفراد وهو عقد افتراضي بين الشعب والحكومة أو فعلي بشكل صريح أو ضمني تحدد بموجبه الحقوق الخاصة بكل فئة والواجبات المفروضة عليها ليتخلى بعض حرياتهم ويخضعوا لسلطة الحاكم لقاء حماية بقية حقوقهم.

وظهر ذلك منذ القدم عندما بدأت الحياة البشرية بصورة من العشوائية والفوضى، فوضع العقل البشري اتفاقاً وعقداً لتنظيمها على هيئة مجتمع وحكومة، وقد كثر المنظرون لهذا العقد، نذكر منهم على سبيل المثال، توماس هوبز(1651) وجون لوك(1689) وجان جاك روسو(1762) وإيمانويل كانت(1797) وحاول كل منهم حل مسألة السلطة السياسية بشكل مختلف، محورها فقط الأمن والحقوق المدنية وتفادي القتل والنهب والاغتصاب وغير ذلك، مما يتسبب من عدم وجود سلطة. ويكون العقد هذا شرعياً ما داموا يؤدون ما اتفقوا عليه.

نخلص من هذه العينة من الآراء أن العقلاء يتداعون إلى مثل هذا التأسيس الضروري لقيام حياة الناس بشكل آمن ومصون بمعزل عن التدخل الغيبي، لأن بعض المنظرين هم ماديون، من حيث المعتقد، كما أن هناك عقلاء آخرين يعتقدون أن المشرع الإلهي سيد العقلاء فإن كان العقلاء من البشر بوسعهم سن القوانين الحافظة لحياة الناس على أسس عادلة لضرورة استقامة العيش بشكل طبيعي، فكذلك هو حال أصحاب الشرائع من الرسل وحاجتهم الطبيعية للسلطة من أجل القيام ببسط العدل وإرساء المساواة، والشواهد التاريخية عليه كثيرة.. وربما نأتي على ذكر بعضها.

بعض المنظّرين للعقد الاجتماعي الآنف الذكر آمن بأن الحقوق الطبيعية غير قابلة للمصادرة مثل جون لوك، ومن ثم فإن القانون الإلهي يمكن أن يحل محل سلطة الحكومة، بينما ذهب روسو إلى أن الديموقراطية هي الطريق الأمثل لضمان الرفاهية مع إبقاء الحرية الفردية خاضعة لحكم القانون.

ومن صيغ العقد الاجتماعي التي وجدت في أقدم سجلات العالم يروي النص البوذي من القرن الثاني قبل الميلاد أن الناس اتفقوا في ما بينهم وقبلوا مؤسستي الملكية العامة والعائلة، وعندما ظهرت جرائم القتل والزنا وغيرها، قرروا تنصيب واحد منهم ليحفظ النظام لقاء شطر من ما ينتجونه من حقولهم وقطعانهم وأطلقوا عليه "المختار العظيم".

 

 

تاريخ مصطلح الايديولوجيا

تاريخ مصطلح الايديولوجيا تاريخ مضطرب من حيث دلالته، بعضهم يعتبره معبراً عن مصالح طبقة ما.

علاقة الأيديولوجيا بإشكالية السلطة ترتبط حكماً بالمسألة الحيوية ولأساسية لكل سلطة سياسية، وهي مسألة المشروعية([1])

ولا بد من الإشارة إلى معنى السلطة لنرى الإنقسام الكبير في مقاربتها من حيث التأسيس أو التطوير والتحديث، فالسلطة تعني الحق في الأمر على المأمور، فهي علاقة بين طرفين متراضين.

السلطة في المجال الإسلامي الشيعي هي ولاية، وإن لا تكن مفردات السلطة وإن لم تكن مفردات السلطة والسلطان والدولة تعبيرات تأخذ مكانها في صياغات الفكر السياسي الشيعي، إلا أن استخدام السلطة بوصفها إمرة وحاكمية تحتوي معنى الدولة وتتجاوزها في آن ـ رغم أن الدولة أعم ـ والدولة غاية من غايات السلطة إلا أنها لا تنحصر بها، والفكر السياسي الشيعي قليل الإكتراث بالدولة اصطلاحاً ومفهوماً، وفي ذلك دلالة على أنه لا يزال في جانب منه في طور التأسيس.

بينما مقولة السلطان ترتكز على عنصر النفوذ كأمر واقع، والسيطرة تعني الاخضاع المفروض بالقوة وتسخير الأضعف لأغراض الأقوى، علاقة بين طرفين متغالبين.([2])

في الواقع إن فقه السياسة خضع بدوره كما ظهر معناه لتحولات شديدة الصلة بتحولات الاجتماع السياسي.

الفقيه الحنبلي أبو يعلى الفراء (ت 458هـ) تحدث عن شروط الاقامة وقد عقب عليها "وقد رُوي عن الامام أحمد، ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل، فقال: ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يبيت ولا يراه إماماً عليه مُبِرّاً كان أو فاجراً فهو أمير المؤمنين، وقال: فإن كان أميراً ويعرف بشرب المسكر والغلول، يغزو معه، إنما ذلك لنفسه، وقال الغزالي_505هـ): إن الغرض قيام شوكة الإمام بالأتباع والأشياع، وقال ابن تيمية: ...فالإمامة ملك وسلطان.([3]) في منصب سياسي أقرب منها إلى المنصب الديني.

هذه عينة من أقوال كبار العلماء عند أهل السنة تعتبر الإمامة شأناً دنيوياً معرّية من أبسط شروط النزاهة والكفاءة والأهلية، فلا نتفاجأ في ظل هذه الحال من الداعين إلى العلمنة وفصل الدين عن الدولة حتى من بعض من هم في عداد رجال الدين!

مغالطات وشبهات

عمد البعض إلى التعمية في مسألة الإسلام ودوره في إدارة الحكم زاعماً افتقاره إلى ما يدل في أي من نصوصه وتشريعاته على ذلك، مشيراً إلى أن أول من أطلق شعار "الإسلام دين ودولة" كان "الأخوان المسلمون" تبنياً لمفهوم الحاكمية "بعد توضيحه من قبل أبو الأعلى المودودي، بعد طرحه سابقاً من قبل ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.

كيف لدين أن تكون احكام العبادات والمعاملات فيه أهم من مؤسسة حكم وإدارة وتنفيذ وقضاء وأمن العباد، وهل لعاقل أن يقول ذلك! وكيف يغيب النص الواضح الجلي حول "الدولة" أو "نظام الحكم" عن القرآن الكريم والسنة الشريفة ومنتج 600 سنة من الفقه والعلم الديني بافتراض أن ما قاله علماء السنة السابقون فعلاً تنظير لنظام دولة..

هذا وانضم كذلك جزء كبير من الشيعة الأثني عشرية مع "الخميني" لقافلة "الإسلام دين ودولة" خاصة مع كتابه "الحكومة الإسلامية" المشابه بالمنهج والأسس الاستدلالية وغالبية الأحكام مع منتج المودودي والأخوان، كيف يمكن عقلاً أن يكون حكماً بأهمية ومحورية وخطورة أن "الإسلام دولة" قد غاب من أربعة عشر قرناً من عمل الفقهاء وشيوخ المسلمين؟!

الإسلام السياسي المعاصر بشقيه الشيعي والسني يصر على الاستناد إلى الدين في مسألة الحكم، لكن هؤلاء يعلمون أن كل أدلتهم القرآنية والحديثية لا تحل أي حكم واضح النص والدلالة على الدولة أو نظام الحكم بل هو تفسير للنص من عندياتهم لكلمة "حكم" ومشتقاتها في القرآن الكريم وأمر إطاعة الله ورسوله وأولي الأمر.

وعليه فلا نص واضح قطعي في كيفية اختيار الحاكم ولا تجربة تاريخية ثابتة يمكن تكرارها، وهي التي بدأت منذ بيعة السقيفة إلى اليوم نظام حكم وإدارة مسلمون حسبما رأى كل حاكم منهم، حكم يشابه ما اعتاده البشر في تلك الأزمنة، حكم ديكتاتوري وراثي قائم على القوة والمال وعلى الإنتماء القبلي والعائلي والعرقي والتحالف مع طبقة رجال الدين، يزيد بن عبد الملك الأموي كان بحاجة لفتوى يسكت بها الذين كانوا يطالبونه بالعدل فوجد أربعين شيخاً يشهدون له بأنه ما على الخليفة حساب ولا عقاب! وهذا الاحتياج المتبادل بين الأمير والفقيه نشأت منه السلطة الدينية التي اصبح يتمتع به الحكام المسلمون إلى جانب سلطتهم السياسية([4])

الإسلام دين فقط.. ليس ديناً ودولة

يرى السيد محمد حسن الأمين أن الإسلام دين وحسب وإن الدولة هي الدولة ولا يجب الخلط بينهما، هناك إشكالية "الدين والدولة" فمفهوم الأيديولوجية الدينية عبارة عن منظومة فكرية ابتدعها فريق من الناس.. ولا بد من سقوط الإيديولوجية المؤسسة في مواجهة العقل. ونحن كمؤمنين يجب أن نتخلى عنها، لأنها مانع للرؤية الحرة، فكل ما يقف في وجه الحرية هو أمر سلبي مكبل لهذا الكائن الإنساني العظيم، والتحرر منها هو عودة إلى العقل، لأن تاريخ المسلمين هو تاريخ صراع إيديولوجيات، وهو تاريخ غير مشرّف على الاطلاق، إذا اعتبرنا الإسلام مصدراً للحرية، فالأيديولوجية هي عدوان على الدين وتجميد للفكر والعقل الذي يجب أن يكون متمرداً وأهمية أن يكون ثائراً ومتمرداً باستمرار على تلك العقيدة الجامدة التي لا يمكن اختراقها، وهذا بلاء للإسلام وللفكر الإسلامي الحديث...

فالدين علاقة عامودية مباشرة بين الإنسان والله.. لكن الدولة شأن آخر.

تاريخنا الإسلامي هو تاريخ الدولة الإسلامية، ولا يمكن أن نقبل أن هذا المسلسل من العهود والحكام والسلاطين يمثل الإسلام.. وكان أسوأ قطاع هو قطاع السلطة.. من وجهة نظري فإنه لا شرعية للسلطة عندما تكون دينية، لكنها يمكن أن تكون هي السلطة المنتخبة حتى لو لم تكن إسلامية، نحن كمسلمين ما نحتاجه هو شرعية السلطة لا إسلامية السلطة، ومن هنا نتكلم عن العلمنة، فالعلمنة ثورة حقيقية إنسانية هي كانت أكبر معين لجوهر الإسلام الذي يؤمن أن الحرية هي قدر الكائن الإسلامي لا العبودية حتى لو كانت باسم الدين، وتمت ثورة العلمانية عندما آمن من ثار.

إن الإنسان هو مصدر السلطة الإلهية، فالحقيقة ليست منزلة من السماء وتحتكرها السلطة الدينية، وهذا المفهوم المتخلف مع الأسف وصل إلى الإسلام، مع محاولات جماعات تصور نفسها الناطق باسم الحق الإلهي لذلك فإن أخطر ما تتعرض له الدولة هي أن تكون سلطة دينية للنطق باسم الحق الإلهي، وهو عودة ليس إلى ما قبل العلمانية بل إلى ما قبل الإسلام نفسه.([5])

هذه جملة من الآراء النافية أصلاً لأية علاقة للإسلام وأي دور في شؤون إدارة المجتمع..

وثمة من لم يبلغ هذا المستوى الإلغائي كلية، وإنما خلص إلى أن الإسلام لم يبين شكل الدولة أو كيفية إدارة شؤون الحكم..

لكن هذا ليس مشكلة في نفسه، لأن الإسلام ركز المبادئ العامة لأصول الحكم بحسب آليات وأدوات زمانه، ومن غير المنطقي الجمود عليها، لأن المهم جوهر القضية وليس الشكل والصيغة، والمعتمد هو الطريقة العقلائية في الإدارة والتنفيذ، وهي أمور اجرائية لا يمكن أن تتقيد بالزمان والمكان.

 

 

 

بنى مؤسسات السلطة

يرى محمد مجتهد شبستري أن المسائل الفقهية المرتبطة بالحكم والنظام السياسي، والتي هي مورد للاختلاف بين الفقهاء، ليست إلا شاهداً على كيفية انسجام اجتهاد كل فقيه مع فهمه لله والإنسان.

فريق يرى ضرورة الأخذ بالفهم العلمي للإنسان والمجتمع والتاريخ، بينما لا يقيم فريق آخر اعتباراً لمثل هذه العلوم، وفريق يرى أن مشكلة الإنسان الاساسية في تنظيم الحياة الاجتماعية تكمن في جهله للقانون، وأن الله هو المعني بوضع نظام اجتماعي مشخص مع كافة تشريعاته وقوانينه الجزئية لكل المجتمعات والعصور وما على الإنسان إلا أن يحقق ذلك النظام، بينما يرى الفريق الآخر أن التشريع الإلهي هو ـ قبل كل شيء ـ تشريع للقيم الخالدة، وهو مبدأ للأصول الاخلاقية، وأن العناية الإلهية الازلية توجب توجيه الإنسان في قراراته وخطواته، لا تعيين القانون، وإن أساس فلسفة بعث الأنبياء وإرسال الرسل إنما هي بيان حقائق القيم وتثبيتها في المجتمعات لا سن القوانين وتعيينها، فأكثر تشريعات الإسلام وقوانينه كانت جارية على شكل أعراف وعادات وقوانين عرفية..([6])

الإسلام قام بوضع القوانين وعيّن سلطة تنفيذية لها، والرسول نفسه لم يقتصر دوره على تبيان القانون، بل كان يقوم بتنفيذه أيضاً "من هنا يجب إقامة الحكومة والسلطة التنفيذية والإدارية. إن الاعتقاد بضرورة تأسيس الحكومة، وإقامة السلطة التنفيذية والإدارية جزء من الولاية، كما أن النضال والسعي لأجلها، من الاعتقاد بالولاية أيضاً"([7]).

فالولاية كينونة شرعية، تجد مبتغاها في إقامة سلطة إسلامية، إلا أن  وجودها لا ينتفي في المرحلة التي تسبق إقامة هذه السلطة، إن تشكيل الرسول لحكومة وتعيينه خليفة من بعده دليلان على لزوم إقامة الحكومة التي لا تنحصر بزمانه، إنما تستمر بعده أيضاً "لأن أحكام الإسلام ليست محدودة بزمان ومكان خاصين، بل هي باقية للتعطيل، أنها منحصرة بزمان أو مكان محددين، خلاف الضروريات العقائدية في الإسلام، إذن لا مفر من تشكيل الحكومة وتنظيم جميع الأمور التي تحصل في البلاد منعاً للفوضى والتفسخ وعليه، فما كان ضرورياً في زمان الرسول (ص) وأمير المؤمنين (ع) بحكم العقل والشرع، من إقامة الحكومة والسلطة التنفيذية والإدارية فهو ضروري بعدهم وفي زماننا أيضاً.([8])

إن ماهية القوانين الإسلامية وكيفيتها تفيد أنها شرعت لأجل تكوين دولة ولأجل الإدارة السياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع، إذ إنها تبني نظاماً اجتماعياً شاملاً، ويتوفر في هذا النظام الحقوقي كل ما يحتاجه البشر من الأمور الخاصة إلى المقررات المتعلقة بالحرب والصلح والتعامل مع سائر الشعوب ومن القوانين الجزائية إلى قوانين التجارة والصناعة والزراعة، ويتضح بهذا إلى أي حد يهتم الإسلام بالحكومة والعلاقات السياسية والاقتصادية للمجتمع.

وبالتدقيق في ماهية وكيفية أحكام الشيء، نجد أن تنفيذها والعمل بها يستلزم تشكيل الحكومة، وأنه لا يمكن العمل لوظيفة تطبيق الأحكام الإلهية دون تأسيس سلطة عظيمة وواسعة للتنفيذ والإدارة.([9])

وظيفة السلطة

وظيفة السلطة عند الإمام الخميني، تضمنت خدمة الناس، وإن رغم ما يعنيه من إعلاء لموقع الناس إلى جانب تطبيق الأحكام، لا يعفي من تتبع الموقع الحقوقي للأمة في نظرية الولاية العامة للفقيه، وسيزداد الأمر إلحاحاً من زاوية النظر إلى موقع الأمة في علاقتها بموضوع اختيار الحاكم، إذ رغم الأهمية الفائقة التي تمنحها نصوص الإمام الخميني لموقع الناس في البناء الفكري ـ السياسي لديه، إلا أنها لا تذهب إلى الحد الذي يعين الدور الحقوقي ـ القانوني للأمة، ما يبقى هذه النصوص عرضة للتأويل في اتجاهات مختلفة([10])

ضرورة تشكيل الحكومة عند الإمام الخميني:

مجموعة القوانين لا تكفي لإصلاح المجتمع.. ولكي يكون القانون مادة لإصلاح واسعاد البشر، فإنه يحتاج إلى السلطة التنفيذية، لذا فإن الله عز وجل قد جعل في الأرض ـ إلى جانب مجموعة القوانين ـ حكومة وجهاز تنفيذ وإدارة. الرسول الأعظم (ص) كان يترأس جميع أجهزة التنفيذ في إدارة المجتمع الإسلامي، وإضافة إلى مهام التبليغ والبيان وتفصيل الأحكام والأنظمة، كان قد اهتم بتنفيذها، حتى أخرج دولة الإسلام إلى حيز الوجود.

إن القوانين والأنظمة الاجتماعية بحاجة إلى منفذ، في كل دول العالم لا ينفع التشريع وحده، ولا يضمن سعادة البشر، بل ينبغي أن تعقب سلطة التشريع سلطة التنفيذ، فهي وحدها التي تنيل الناس ثمرات التشريع العادل، لهذا قرر الإسلام إيجاد سلطة التنفيذ إلى جانب سلطة التشريع..([11])

إن الإيمان بضرورة تشكيل الحكومة وإيجاد تلك المؤسسات، جزء لا يتجزأ من الإيمان بالولاية، والعمل والسعي من أجل هذا الهدف هو مظهر من مظاهر ذلك الإيمان بالولاية([12])

كما أن تشكيل الحكومة يرمي إلى الاحتفاظ بوحدة المسلمين بعد تحقيقها، وقد ورد ذلك في خطبة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام: "...وطاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من الفرقة.."([13])

إن حكومة الإسلام هي حكومة القانون، فالفقيه هو المتصدي لأمر الحكومة لا غير، هو ينهض بكل ما نهض به الرسول (ص) لا يزيد ولا ينقص شيئاً، فيقيم الحدود كما أقامها الرسول، ويحكم بما أنزل الله ويجمع فضول أموال الناس كما كان ذلك يمارس على عهد الرسول(ص). وينظم بيت المال، ويكون مؤتمناً عليه، وإذا خالف الفقيه أحكام الشرع ـ والعياذ بالله ـ فإنه ينعزل تلقائياً عن الولاية، لانعدام عنصر الأمانة فيه، فالحاكم الأعلى في الحقيقة هو القانون، والجميع يستظلون بظله، والناس أحرار من يوم يولدون فيه في تصرفاتهم المشروعة فليس لأحد على غيره أي حق، وليس لأحد ـ بعد تنفيذ القانون ـ أن يقسر أحداً على الجلوس في مكان معين، أو الذهاب إلى مكان معين بغير حق، فحكومة الإسلام تطمئن الناس وتؤمنهم، لا تسلبهم أمنهم واطمئنانهم، شأن الحكومات التي تشاهدون أنتم كيف يعيش المسلم تحت بأسها خائفاً يترقب...

إن الإسلام يعتبر القانون آلة ووسيلة لتحقيق العدالة في المجتمع، وسبيلاً إلى تهذيب الإنسان خلقياً وعقائدياً وعملياً، وكانت مهمة الأنبياء هي تجسيد القانون والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وإن يسوسوهم، ويقودهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.([14])

وفي رؤية متقدمة لدور المجتهد يقول الإمام الخميني: على المجتهد أن يكون ملماً بمسائل عصره محيطاً بها، فلم يعد بمستساغ للشباب والناس عموماً أن يقول مرجعهم ومجتهدهم إنني لا أبدي رأياً في السياسة، فالتعرف على أسلوب التعامل في مواجهة الألاعيب والدسائس السائدة في الثقافة العالمية، وعمق الرؤية الاقتصادية، وكيفية التعامل مع النظام الاقتصادي العالمي، والتعمق في السياسة وحتى معرفة السياسيين والساسة والمعادلات الحاكمة، وتفهم نقاط القوة والضعف لدى القطبين الرأسمالي والشيوعي، وفهم دورهما الاستراتيجي في إدارة العالم. إن كل هذا هو من خصائص المجتهد الجامع للشرائط لتوجيه المجتمع الإسلامي الكبير، بل والمجتمع العالمي بأسره، فإضافة إلى الإخلاص والتقوى والزهد الذي هو من شأن المجتهد فإن عليه أن يكون مديراً ومدبراً حقيقياً.

 

الحكومة في نظر شمس الدين

يعتبر الشيخ شمس الدين أن الحكومة الإسلامية ضرورة اجتماعية يفرضها الاجتماع الإنساني والعلاقات الاجتماعية المعقدة، والأنشطة الاجتماعية المتعددة الوجوه، لهذا لا بد من إشراف ما على المجتمع، ينظم علاقاته تنظيماً يحول بينه وبين التفكك بفعل تصادم المصالح بين الأفراد والجماعات، ويستدل على ذلك بطرق عدة وفي مواضع شتى على ما تظهره نصوص القرآن التي تنادي بالحكومة الإسلامية، وعن طريق حكم العقل غير المستقل، حيث الإسلام هو عقيدة وشريعة ورسالة إلهية خاتمة، وهي كلٌّ واحدٌ مترابط في الأحكام والمبادئ، فمن هذه الجهة تقتضي العقيدة الإسلامية بطبعها تكوين الدولة والحكومة، وحتى لو لم يرد في الشريعة ما يشرع إقامة الدولة، لقضت طبيعة التشريع بضرورة إنشاء المجتمع السياسي ولقضى تكوين المجتمع السياسي ووجوده بضرورة إنشاء الدولة وتأسيس الحكومة، وذلك من خلال إنشاء مؤسسات إدارية وأجهزة تنفيذية لها كالقضاء والدفاع العسكري، وجباية الأموال واستثمار الأرض المحكومة للأمة من الأراضي الخراجية والمياه والمعادن وإقامة المرافق العامة وما إلى ذلك.

ويخلص إلى القول بأن أدلة العقل والنقل والاجماع متطابقة على إقامة الحكومة الإسلامية بعد النبي(ص)، حكم إسلامي شرعي لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه، بل إن التشكيك فيه فضلاً عن رده مخالف لحكم الله تعالى.

لكنه يؤكد في نهاية المطاف الفكرة الاساسية لديه وربما هو الموقف النهائي لديه، حيث إن كتابه (نظام الحكم والادارة في الإسلام) كان قد كتبه في خمسينات القرن الماضي وشكل باكورة أعماله، أن آليات بناء السلطة، من حيث انبثاقها  وممارستها ومصدر مشروعيتها، لم تستند إلى الدين بل استندت إلى الأمة، أي السيادة الشعبية، وهذا يعني أن جوهر "السياسي" يجب أن يُلتمس "بالاجتماعي" الذي يعني من حيث البنية السيادة الشعبية، ومن حيث الوظيفة حفظ النظام العام..

وتتلخص مسألة الفكر السياسي الشيعي عند العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين بأن الله تعالى هو مصدر جميع السلطات، وليس ثمة مصدر غيره تعالى يمد بالسلطة أحداً فليس لغير الله صلاحية أو قوة، يصلح أن تكون مصدراً مع وجود الله، ويشكل هذا القول مع غيره من الفقهاء الشيعة الركيزة التي يقيم عليها رؤيته للإمامة المعصومة التي هي استمرار للنبوة من حيث التبليغ والتفسير والحفظ شريعة وعقيدة، أما المهمة السياسية، فتقع في الدرجة الثانية من مهمات الإمام المعصوم، ولا تكوّن ماهية الإمامة المعصومة، مستحضراً الأدلة الشيعية التقليدية القائمة على النص والوصية والعصمة والأفضلية واللطف الإلهي، لكن الانعطافة الكبرى في فكره تكمن في فهمه لمرحلة الغيبة الكبرى (329هـ) للإمام الثاني عشر المهدي(ع)، فمع هذا التاريخ تنقطع فعلية الشرعية السياسية لهذا النظام بالغيبة الكبرى، حيث بدأ الزمن السياسي للأمة.([15])

وهو ما عرف عنه بحسب مبناه الفقهي من "ولاية الأمة على نفسها" ولكنه يشبه قاعدة الشورى التي يستند إليها أغلب الإسلام السياسي السني.

وقد لقي هذا الفهم نقداً وتحفظاً من قبل الفقهاء الشيعة عامة.

وقد اعتبر السيد محمود الهاشمي(ره) أن الشورى والانتخابات والاختيار على أساس الانتخاب من البدع التي جاءتنا من الغرب، ومن ثقافة المخالفين للشيعة في الولاية، ولاية أمير المؤمنين(ع) ولم يكن له عين ولا أثر في الإسلام.

وكيف كان فهذا.. اسهام جريء من قبل العلامة شمس الدين في سياق الفقه السياسي الشيعي، شكل من زاوية الفلسفة السياسية، تمديناً في السلطة ونصف علمنة لها.

ويؤسس لرؤيته هذه بالمرونة في أصل التشريع، حيث إن الأحكام الشرعية تتناسب مع اختيارات كثيرة للفرد والمجتمع في صيغ الحياة، ولا تقيد حركة الإنسان وحريته، وتراعي حركة الحياة وتغيرها، وما يطرأ من حالات مختلفة على الإنسان والمجتمع..

وإن النصوص مطلقة وعامة في الزمان والمكان والأحوال، وهي ليست صيغاً جامدة ثابتة على هيئة واحدة فيما خص المعاملات، فإنها تشريعات لحالات متقلبة ومتغيرة وخاصة في ما يتعلق منها بالنواحي التنظيمية للمجتمع وكافة الانشطة السياسية والاقتصادية وغيرها، وتكون نسبية بنسبة ظروفها وأحوالها ومكانها وزمانها، فما يقتضي الجمود على النص مختص بالعبادات، وبهذا تتشكل رؤيته للاجتماع السياسي الاسلامي الذي عبر عنه بولاية الأمة على نفسها من خلال رفضه للنظرة الجامدة الإطلاقية للنص.

ويذهب الشيخ شمس الدين إلى رفض المناهج المتداولة في مقاربة مسألة الحكم في الإسلام.. وأن المقاربة بالاستناد إلى النصوص والتجربة التاريخية للإسلام أفضت مع الإسلاميين إلى اعتبارها دلالة على تشريع الحكم في الإسلام، وعلى وجوب إقامة الحكم الإسلامي في كل زمان ومكان، بينما لم ير فيها غير الإسلاميين من مسلمين وغيرهم، هذه الدلالة، ولو سلموا بذلك فإنهم يرون فيها صيغة مرحلية اقتضاها زمان مضى، وظروف تبدلت، ولا بد من العدول عنها إلى صيغة معاصرة أكثر ملاءمة للزمان والأحوال.. فالقول أن يكون النظام والحكومة إسلاميين فقضية غير مسلّمة وغير بديهية، كما هو الشأن في أي مجتمع سياسي معاصر خارج العالم الإسلامي.. فيمكن للمجتمع السياسي الإسلامي أن يستمر مسلما في تكوينه ونهجه العام، ويكون قابلاً لأي نظام لا يتنافى مع الإسلام باعتباره عقيدة المجتمع، دون أن يكون نظام الحكم إسلامياً فالمهم هو استمرار الإسلام في الأمة، واستمرار الأمة موحدة.

فقضية الحكم ليست قسماً من أقسام الشريعة الإسلامية وفصلاً من فصولها وباباً من أبوابها، وإنما هي طبيعة فيها ونتيجة لها وسمة فيها، تتولد منها تولد الثمرة من الشجرة والضوء من الشمس.

ويعتبر مسألة الحكم دخيلة في تركيب الشريعة بكاملها، ومع فقدان هذا الالتزام لا ينحصر الخلل في مسألة الحكم، وإنما يسرى في جميع وجوه حياة المسلم.

وهي قضايا العقيدة والشريعة معاً، ليست قضية غيبية تعبدية، وإنما هي قضية عقلية موضوعية، تتصل بالبعد السياسي الاجتماعي للإسلام، كما تتصل بالبعد التعبدي الفردي، أو السلوك المعيشي..

والغريب ما يظهر من معالجته المنهجية الدفع باتجاه مفاجئ وخارج ما يفترض أنه السياق الطبيعي للمعالجة، لكأن النتائج تبدو غريبة عن مقدماتها.. أن تكون مسألة الحكم طبيعة ملازمة للشريعة وسمة فيها ونتيجة لها وليست باباً أو فصلاً أو نصوصاً مقطوعة، أي أنها أشبه ما تكون بروح ملازمة للشريعة والعقيدة بمبادئها وكلياتها.. هذه المساوقة بين السلطة والشريعة يفترض أن تؤدي إلى موقف قطعي حاسم من مسألة السلطة، يتعالى بها إلى موقع التقديس، ويجعل منها موضوعاً تعبدياً وغيبياً.

 

بين الإمامة والخلافة

تتكون ماهية الخلافة وجوهرها عند أهل السنة، بالمسألة السياسية التنظيمية فقط، ومباشرة الحكم السياسي السلطوي لا غير، أما المهمة التشريعية فهم يرون أنها مهمة اكتملت بالنبي (ص) ولم يبق منها شيء لأحد بعده، أما مهمة التبليع فهي إلى الخليفة مهمة ثانوية، أما الاختلاف بينها وبين الإمامة بالمفهوم الشيعي فإن الأولوية للمعصوم هي التبليغ وحفظ الشريعة، وأن الطاعة في المجال السياسي متفرعة عن الطاعة في المجال التبليغي، وهذا يعني إن الاستقامة على منهج الإسلام لا تحصل بمجرد التسليم بالولاية السياسية دون اتباع المنهج التشريعي، بينما تحصل هذه الاستقامة باتباع المنهج التشريعي، وإن لم تكن للإمام سلطة سياسية فعلية يمارسها لأن الإمامة لا تتقوم بالسلطة السياسية، بل توجد دونها. وهذا على الضد من الخلافة في المفهوم الكلامي السني، حيث إنها تتقوم بتولي السلطة السياسية الفعلية وممارستها بحيث تنعدم الخلافة بفقد الشخص صفة الخلافة والخليفة إذا لم يتول السلطة الفعلية ويمارسها.

من هنا يتبين الفرق والفصل في شخصية المعصوم بين دوره كمبلغ للأحكام الشرعية وبين مستويات حياته الأخرى الشخصية والعامة، ولكن هذه الرؤية تختلف اختلافاً جذرياً عن الرؤية الأصولية في مناهجها التقليدية المعروفة التي لا تقيم ولا تقبل الفصل بين الشخص والدور المناط به على كافة الصعد، وهذه الرؤية للشيخ تقترب في الاتجاهات الحديثة في فهم الدين والشريعة، والتي تقيم على نفس الأساس المنهجي رؤيتها في فصل الديني عن السياسي.

إلا أن ما يجدر التأكيد عليه أنه لا يوظف هذه المنهجية في هذا الاتجاه إنما في اتجاه آخر، يقوم بلا شك على غلبة العقلانية والمعاصرة، ما سمح له في نهاية المطاف بأن يؤصل دور الأمة، وأن يوجد لها موقعاً مركزياً في عملية انتاج السياسة ومنهج مشروعية ممارسة السلطة.

كما أن الدولة لا تستمد قيمتها بذاتها إنما قيمتها وسيطة ووظائفية ولا قداسة لها، والمقابلة ليست بين المقدس وغير المقدس في الدولة، وإنما بين الدولة والأمة، يوجد أمر واحد يمكن أن نقول إنه مقدس في الدولة، ولكن العلاقة بينهما هي علاقة شكلية وهو ما يسمونه في الفقه بحفظ النظام العام، أي تسيير حياة المجتمع في ما يتعلق بضروراته وحاجاته.

إننا نرى أن مبدأ النظام العام، هو مبدأ مجتمعي ذو صلة بمصالح الأمة وضرورات انتظامها، أكثر من صلته بالدولة وضروراتها.

المباني المعروفة عند فقهاء الشيعة في العصر الحاضر:

  1. ولاية الفقيه بدعوى ثبوتها بالدليل اللفظي
  2. ولاية الفقيه باللابدية العقلية: بدليل وجوب حفظ النظام وكونها القدر المتيقن منه
  3. دليل ولاية الأمة على نفسها: يختار الشيخ الثالث من بينها، وأنه لا دور فيها للفقيه بمعنى أنه يحكم وأنه مصدر الشرعية، فدوره دور لمستشار والمفتي، أي يتمتع بموقع تشريعي ليس مصدراً للشرعية وليس له دور سلطوي.. فالأمة هي القاعدة لممارسة السلطة مصدر مشروعيتها فالأمة تمارس السلطة والتشريع في دائرة التنظيم، وأما ما يحتاج إلى تشريع فقهي فهذا من شأن مجامع الفقهاء.([16])

ويرى الإمام شمس الدين إن الإمامة منصب ديني محض تستمر فيه ومن خلاله مهمة النبوة في حقل التشريع وحفظ العقيدة والشريعة من التحريف والتشويه، وسوء التأويل.. منصب يقتضيه الإسلام بما هو دين، تقتضيه الأمة الإسلامية بما هي تكوين إنساني ـ عقائدي يصوغ حياته وفقاً للإسلام، وليس بما هو مجتمع سياسي، ومهمة الإمامة المعصومة تتصل عملياً بالتشريع بالدرجة الأولى، لا بالوضع التنظيمي السياسي بالدرجة الأولى، ولا يشكل هذا الأمر ماهية أمامته ومهمته، وإنما هي عقائدية تشريعية بالدرجة الأولى وسياسية تنظيمية بالدرجة الثانية..

بينما يذهب الإمام الخميني أن الولاية الجعلية الاعتبارية هي كالسلطة العرفية وسائر المناصب العقلائية، كالخلافة التي جعلها الله تعالى لداوود(ع) وفرّع عليها الحكم بالحق بين الناس، وكنصب رسول الله(ص) علياً(ع) بأمر الله تعالى خليفة وولياً على الأمة، ومن الضروري أن هذا أمر قابل للانتقال والتوريث، ويشهد له ما في نهج البلاغة "أرى تراثي نهبا"، فعليه تكون الولاية، أي كونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فيما يرجع إلى الحكومة والإمارة متنقلة بين الفقهاء.

إن الإشكاليات المعاصرة لعلاقة الدين بالسلطة، ستؤسس عليها مستعيدة مفرداتها وبعضاً من سجالاتها حول النص والاختيار، والشورى ودور الأمة، من يحكم، وما هي المسوغات الشرعية للحكم، ذلك أن الوصية التي هي نتاج النص تجعل كل اختيار بشري غير ذي قيمة، وبالتالي فإن شرعية ممارسة السلطة في الرؤية الإمامية في زمن حضور الإمام المعصوم، منوطة به وحده، وعلى ضوء ذلك لا يمكن الإقرار بشرعية أي نظام سياسي، يقوم على غصب الإمام المعصوم صلاحياته وسلطته على الرغم من أن الضرورات قد تفرض تعايشاً مع تلك السلطة، يقوم على الاعتراف الواقعي لها دون الاعتراف الشرعي.

مقاربة السلطة

هناك روايات عديدة قاربت السلطة بوصفها ضرورة مجتمعية لا مناص منها ولا إنتظام لأحوال الأمة من دونها، بمعزل عن كونها شرعية أو غير شرعية، ففي رواية الإمام الرضا(ع) أنه قال: إنا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بقوا وعاشوا، إلا بقيِّم  ورئيس لما لا بد لهم منه في أمر الدين والدنيا.

وعن الإمام علي(ع) قوله: أسد حطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم.. وأنه لا بد للناس من أمير برّ أو فاجر..

وهذا يفيد في التأسيس لصلاحيات الفقيه ـ سياسية ولائية، ولا تعنى القاعدة في اختيار الاشخاص أو صيغ الحكم، بل هي حالة استثنائية واضحة، لأنه لو خُيّر بين الفوضى والفتنة، أي عاقل يختار السلطان الظلوم عليها، إذا فرضنا أمن المجتمع.

وقد ذهب من الفقهاء الكبار كالشيخ الطوسي(ت460هـ) إلى اعتبار الرياسة من الأمور التي تثبت عقلاً، إذ أن الخلق لا يجوز أن يخلوا من رئيس في وقت من الأوقات.

والعلامة الحلي(ت726هـ) يحصر ولاية الفقيه بالأمور الحسبية دون التعرض للسلطة، بيد أن ما يمكن اعتباره تطوراً نوعياً في الفقه السياسي الشيعي هو أطروحات الفقيه العاملي محمد بن مكي الجزيني المعروف بالشهيد الأول (استشهد سنة 786هـ) وهو أحد الذين قالوا بولاية الفقيه العامة، وهو بهذا يدخل في عداد الفقهاء المجددين. وهو بهذا يمثل خطوة فقهية نوعية باتجاه منح الفقيه صلاحية الولاية السياسية على المستوى النظري.

والشيخ الكركي(ت 940هـ) من الفقهاء والكبار والذي كان مقرباً من الشاه طهماسب وإسماعيل الصفوي، حتى صار معتمد حكام الإسلام ومرجع العلماء.

ومع المولى النراقي(ت 1245هـ) تحولت ولاية الفقيه من كونها موقفاً فقهياً إلى كونها نظرية سياسية ـ فقهية متكاملة.

وهناك من يرى في تحليل الخطاب الفقهي للكركي، فيما يقارب السياق ذاته غير أنه من غير الثابت أنه كان يعني ضرورة تأسيس الفقهاء للحكومة الإسلامية بأنفسهم، ذاك أنه عمل في كنف السلطان دون أن يدعي السلطة لنفسه وأغلب الظن أن تفسير التنازع الذي حكم نص صاحب الجواهر الشيخ محمد حسن النجفي(ت 1266هـ) لا يكمن في المضمون الفقهي الذي يبدو واضحاً ومحسوماً في تبني الولاية العامة، بل يكمن في التفاوت بين الوعي الفقهي والوعي السياسي، فالوعي الفقهي كان قد بات أكثر نضجاً وتضمناً على ما يدفع الفقيه إلى الموقع السياسي الأعلى في الهرمية الشيعية، في حين أن الوعي السياسي كان ولا يزال أسير قرون طويلة من الانكفاء والتعثر ويعاني من وطأة الواقع السلطاني الذي يمسك بمقدرات السلطة ولا ينفي ذلك بالطبع تلك العلاقة الجدلية بين الوعي الفقهي والوعي السياسي، إذ أنه ما كان مقدوراً حصول ذلك التطور النوعي في وعي الفقيه لو لم يشهد المسار السياسي تحولاً أساسياً بفعل ولادة دولة سلطانية شيعية قادرة.

الشيخ محمد حسين النائيني(1936م) الذي يعد كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) إسهاماً غير مسبوق في مجال الفقه والفكر السياسي الشيعي، لذا فقد سمي بمؤسس الفقه السياسي الإسلامي الحديث.

ويأتي كتابه محاولة فكرية وفقهية لتسويغ النظام الدستوري وفق الضوابط الإسلامية، أعده سنة 1909م إبان الثورة الدستورية التي عاشتها إيران في ظل الدولة القاجارية.. وفي عهد الشاه ناصر الدين(ت1896م) خاض العلماء معه مواجهة مفتوحة، وكانت تلك الفترة من أشد الفترات حرجاً في تاريخ إيران الحديث وأثمرت المواجهات اللاحقة التي خاضها الشعب ضد مظفر شاه ما بين العامين(1896 ـ 1907م) بقيادة العلماء ومؤازرة قوة البازار إذعاناً من قبل الشاه لإعلان المشروطة (الدستور).

وقد آزرت الحركة الدستورية طبقة من كبار العلماء وشكلت اتجاهاً عقلائياً للشيخ الأنصاري ومن بعده الميرزا الشيرازي فالمرجع الخليلي وصولاً إلى الآخوند محمد كاظم الخراساني(ولد سنة1839م) الذي آلت إليه المرجعية بعد رحيل الخليلي، وفي المقابل رفض السيد محمد كاظم اليزدي الذي قلده أكثرية العامة المشروطة هو والشيخ فضل الله النوري.

ويكشف هذا الرفض حجم الالتباس في الرؤية السياسية لهؤلاء الفقهاء إذ لم يكن موقفهم وليد الانحياز للمستبدة (حكم الفرد) بقدر ما كان وليد هواجس دينية وعقائدية، ذلك أنهم كانوا ينظرون بريبة إلى الدستور، لأنه يعترف رسمياً بمساواة كل المواطنين أمام الدستور بصرف النظر عن دينهم، ومن ناحية أخرى يسمح بحرية الصحافة والمطبوعات التي يمكن أن تفتح طريقاً للأفكار والآراء الإلحادية الغربية، ولأنه سيدعو إلى التعليم الإلزامي للبنات.

ولم يكتف المرجع الخراساني بتأييد المشروطة عبر فتوى دينية قوية المضمون بل حث عبر رسالة إلى السلطان العثماني على تأييد المشروطة في بلاده عند إعلان الدستور العثماني عام 1908م.

يرى النائيني أن هناك نوعين من السلطة:

  1. الاستيلاء على نحو التملك كما يتعامل المالك مع أمواله الشخصية، وهذا النوع من السلطان هو إشراك بين الله والسلطان.
  2. أن تقوم هذه السلطة على أساس أنها أمانة، وسلوك الحاكم فيها محدودة بحدود ولايته، وتسمى هذه السلطة بالمحدودة المقيدة والمشروطة والدستورية، ويسمى القائم بها، حافظاً وحارساً، والحارس والعادل.

وقد استهل رسالته بالتأكيد على أصالة النظام السياسي والحاجة إليه مطلقاً"

يقول في "تنبيه الأمة وتنزيه الملة ص 99:

اعلم أن من الأمور التي اتفق عليها جميع المسلمين، بل عقلاء العالم أجمع هو أن استقامة نظام العالم وحياة النوع البشري متوقفة على وجود سلطنة وحكومة سياسية سواء قامت بشخص واحد أو بهيئة، وسواء كان المتصدي لها غاصباً قاهراً أو وارثاً منتخباً، ومما هو معلوم بالضرورة أيضاً أنه لا يمكن حفظ شرف واستقلال أية أمة أو قومية، وحفظ خصائصها الدينية والوطنية إلا إذا كان النظام الحاكم فيها منتزعاً منها، وكانت الإمارة عليها من نوعها.

وتبقى الرؤية الفقهية عند النائيني لمسألة السلطة ودور الفقهاء منها في غيبة الإمام، الموضوع الإشكالي، حيث خضع هذا الموضوع لتضارب في التحليل من قبل الذين قاربوا فكر النائيني، وكان عرضة لتأويلات مختلفة.([17])

لقد شكل مفهوم السلطة موضوعاً انقسامياً في الاجتماع الإسلامي التاريخي ولا يزال كذلك بين أنصار علمانية الدولة، وأتباع اسلاميتها.. وقد ذهب علي عبد الرزاق في كتابه الإسلام وأصول الحكم إلى أن الخلفاء الأربعة الأوائل قد تولوا حكماً سياسياً خالصاً، لا علاقة له بالديني، إذ إن الديني يحدد بوصفه علاقة بالله، انتهت مع انتهاء الوحي ووفاة النبي.

وذهب محمد سعيد العشماوي الذي انتقد شعار "الإسلام دين ودولة" إلى اعتبار لفظ الحكومة عند الرعيل الأول من المسلمين كان يشير إلى العدالة، وأن استعماله من قبل المسلمين المعاصرين للإشارة إلى السلطة التنفيذية أو سلطة الإدارة العامة، يتم بفعل ما اكتسبه اللفظ عبر تطور تاريخي، وأن ذلك يؤدي إلى خلط شديد وسوء استعمال آيات القرآن الكريم.. أما د. رضوان السيد فيرى أن كلا التصورين الشيعي والسني، لا يقتضيان الدولة، أي المجتمع السياسي الأساس، فالخلاف بين الطرفين خلاف على مقتضيات الشرعية التأسيسية للأمة، أي على مقتضيات الدين، وليس على الجماعة السياسية أو ضرورة الدولة للدين أو عدم ضرورتها.

في مقابل ذلك، نجد أن المقاربات التي تقوم على لحمة الديني والسياسي أكثر من أن تحصى، يرون الإسلام ديناً ودنيا ودولة، وأن الإسلام دين السياسة، بل إن أحكام الإسلام السياسية أكثر من أحكامه العبادية.([18])

المشكلة الكأداء تشكلت من غياب الرسول(ص) واستمرت مستقبلاً لتغدو لصيقة بالمسار التاريخي للمسلمين، وهي اشكالية النص والاختيار، وشكلت "سقيفة بني ساعدة" وما دار فيها من سجالات تظهيراً لمنطق التغالب والعصيبيات والمصالح وتنازع سياسي قبلي، انتج بالمحصلة نتيجة التناقضات الهائلة ثنائية الدين ـ السلطة. أي ممارسة السياسة باستقلال نسبي عن المنطق الديني نفسه.

وقد آل الانقسام تجاه السلطة إلى تأسيس اتجاهات ثلاثة:

  1. تنصيب الإمام وإقامة الدولة في المجتمع الإسلامي، فرض وركن من أركان الدين، وهو ما ذهب إليه الشيعة أي دمج بينهما.
  2. وهو مناقض تماماً للأول، يرى أصحابه أن الإمامة (الدولة) ليست بواجبة، بمعنى أن الدين لا ينص على وجوب اقامتها ولا على وجوب تركها، بل ترك أمرها للمسلمين.
  3. وهو رد على الموقفين السابقين وهو موقف عموم أهل السنة، أن الإمامة واجبة من جهة، وأنها تكون بالاختيار لا بالنص، ويختلفون فيما بينهم، فمنهم من يذهب إلى وجوبها بفهم بالعقل، ومنهم من يرى أنه يفهم بالشرع ومنهم من يجمع بين الإثنين، وهذا الاتجاه أحال الإمامة إلى ما يقرب أن يكون منصباً مدنياً، زمنياً دنيوياً رغم وظائفه الدينية، بل إن البعض يعتبر ذلك علمنة وعقلنة لمنصب الحاكم ما دامت مصلحة الأمة معياره، وتعتبر مقولة جواز إمامة المفضول على الفاضل التمثيل الواقعي لهذا الاتجاه الذي قام بتأصيل الضرورات والمصالح بوصفها قيماً لاختيار الحاكم وممارسة السياسة.

إن مبدأ المصلحة هو المستند الذي كان الصحابة يرتكزون عليه في تطبيقهم للشريعة، سواء تعلق الأمر بما فيه نص أو بما ليس فيه.. وهي ممارسة اجتهادية تتخذ المصلحة مبدأ ومنطلقاً، فإذا تعارضت المصلحة مع النص في حالة من الحالات، وجدناهم يعتبرون المصلحة، ويحكمون بما تقتضيه ويؤجلون العلم بمنطوق النص فيها.

أما الماوردي (364 ـ 450هـ) فتحدث عن شرعنة الحكم السلطاني وثنائية الأمير والخليفة، فهي أن يستولي الأمير على بلاد يقلّده الخليفة إمارتها ويفوض إليه تدبيرها وسياستها، فيكون الأمير مستبداً بالسياسة والتدبير والخليفة بإذنه منفذاً لأحكام الدين ليخرج من الفساد إلى المصلحة ومن الحظر إلى الإباحة..

ويمثل هذا الموقف الفقهي نموذجاً من مواقف فقهاء كثيرين، يصفهم د. وجيه كوثراني بأنهم كانوا يميلون ويتجهون إلى تجريد الدولة السلطانية من الوازع الديني ووصف وازعها بالوازع السلطاني العصباني، على غرار ما كان يرى ابن خلدون ووصف المقريزي لرؤية الناس في زمانه يميزون بين حكم الله وحكم السياسة وصولاً إلى الاعتراف بأمر واقع هو نوع من فصل الدين عن الدولة.

رؤية السيد محمد باقر الصدر

تفرد السيد محمد باقر الصدر (استشهد عام 1980م) بين الفقهاء الشيعة في معالجة نشأة الدولة، ويرى أن الدولة ظاهرة اجتماعية أصيلة في حياة الإنسان وقد نشأت هذه الظاهرة على يد الأنبياء، ورسالات السماء، واتخذت صيغتها السوية ومارست دورها السليم في قيادة المجتمع الإنساني وتوجيهه من خلال ما حققه الأنبياء، في هذا المجال من تنظيم اجتماعي قائم على أساس الحق والعدل، يستهدف الحفاظ على وحدة البشرية وتطوير نموها في مسارها الصحيح.

لقد ربط الصدر من الناحية السيوسيولوجية نشأة الدولة بالدين، وعلى وجه التحديد بدور الأنبياء، كرد على اختلاف انقسامي طرأ على المسار البشري الذي قام على أساس توحيدي، {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه...}([19])

في الواقع، يطرح هذا الفهم رؤية مغايرة للأنثروبولوجيا الغربية عند "هوبز" و "لوك" و "روسو" والتي افترضت وجود عقد سياسي اجتماعي بين الحاكمين والمحكومين، أعقب مرحلة القانون الطبيعي، فالصدر يخلص من ناحية تكوين الدولة ونشوئها تاريخياً، إلى رفض إسلامي لنظرية القوة والتغلب، ونظرية التفويض الإلهي للجبارين، ونظرية العقد الاجتماعي، ونظرية تطور الدولة عن العائلة، ويؤمن بأن الدولة ظاهرة نبوية، وهي تصعيد للعمل النبوي بدأت في مرحلة معينة من حياة البشرية.

إن أطروحة الصدر في خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، قد انطوت على قيمة دلالية تعكس تقاسماً وظيفياً تكاملياً بين الفقيه والأمة، الذين يشكلان ظهيراً مجسداً لمفهومي الشرعية الدينية والشرعية الشعبية، فالأمة هي التي تمثل الخلافة العامة أي الحاكمية السياسية، وهي تقوم بدورها هذا بوصفها مجموعاً كلياً مفوضاً، وتختار الحاكم بصفته فرداً منها ومكلفاً من قبلها...

يستهل السيد الصدر تنظيره الدستوري بالتأسيس على مبدأين أساسين:

أولاً: إن الله هو مصدر السلطات جميعاً.

ثانياً: إن الإنسان حر ولا سيادة لإنسان آخر أو لطبقة أو لأي مجموعة بشرية عليه.

وهذان الأمران يفضيان بحسب رؤيته إلى اختلاف أساسي عن فكرة الحق الإلهي الذي استغل على مدى قرون من الزمن، لكي توضع السيادة أسمياً لله، فيما يتم احتكارها واقعياً من قبل من نصّبوا أنفسهم خلفاء لله على الأرض، وهكذا ستكون الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، فالأحكام الشرعية الثابتة بوضوح فقهي مطلق هي جزء ثابت من دستور الدولة الإسلامية، سواء نص عليها الدستور أم لا . أما الاجتهادات الفقهية المختلفة فستعتبر من ضمن البدائل الموكول إلى السلطة التشريعية أن تمارسها على ضوء المصلحة العامة. وكذلك فإن مجالات القوانين التي تسمى "منطقة الفراغ" من حق السلطة التشريعية أن تفرض على المكلفين موقفاً تجاهها، بما يتناسب مع المصالح العامة، وبما لا يتناقض مع الدستور.([20])

الفكر الاجتماعي عند السيد الصدر يكاد يكون غاية مقاربته كافة، أو الصبغة التي اصطبغت بها أفكاره في مختلف النواحي، حيث تطلع دائماً إلى تقديم الإسلام بوصفه منظومة متكاملة قادرة على انتاج تجربة مجتمعية مثلى.

وقد أدرك أن ذلك لن يتيسر له بالاستناد إلى فقه الفرد أو فقه الفروع لذا التمس الفقه الاجتماعي لتجاوز الأفق الفقهي التقليدي المحدود..

وبفضل منهجية أصول الفقه وصل الفكر الإسلامي في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي عند  الشهيد محمد باقر الصدر إلى مستوى صياغة المفاهيم كأساس ضروري للمذهب الاجتماعي، ذلك أن مبحث أصول الفقه هو الذي يسمح للفكر الإسلامي بطرح القضايا الاجتماعية والسياسية طرحاً كلياً أو جزئياً..

بيد أن صياغة المفاهيم والتنظير الاجتماعي لا بد لهما من مرجعية نظرية تشريعية ضابطة، تستند إلى مؤشرات عامة تعبر عن روح الشريعة ومقاصدها.

ومن مجمل المؤشرات العامة التي استند إليها أن النبي(ص) والأئمة(ع) لهم شخصيتان: الأولى بوصفهم مبلغين للعناصر الثابتة عن الله تعالى، والأخرى بوصفهم حكاماً وقادة للمجتمع الإسلامي يضعون العناصر المتحركة التي يستوحونها من المؤشرات العامة للإسلام والروح الاجتماعية والإنسانية للشريعة المقدسة.

ويشير "الصدر" في مقدمة "المعالم الجديدة للأصول"، إلى أن إيمان الإنسان بالله والإسلام والشريعة ومعرفته أنه مسؤول بحكم كونه عبد الله تعالى عن امتثال أحكام الله تعالى، يصبح ملزماً بالتوفيق بين سلوكه في مختلف مجالات الحياة والشريعة الإسلامية، ومدعّواً بحكم عقله إلى بناء كل تصرفاته الخاصة، وعلاقاته مع الأفراد الآخرين على أساسٍ؛ أي اتخاذ الموقف العملي الذي تفرضه عليه تبعيته للشريعة.. ويعين الموقف العملي الذي تفرضه هذه التبعية عليه في كل شأن من شؤون الحياة.([21])

وكان "محمد خاتمي" قد استنتج من خلال دراسته لأفكار الشهيد الصدر أن الغاية التي كمنت وراء مقولاته وأفكاره هي تأكيد: "أن الحكومة الإسلامية هي الهدف الأصلي لنشاط المسلمين الفكري وتحركهم الجهادي. وأن فكرة الحكومة الإسلامية هي محور البحث، وهي المفتاح لفهم آرائه السامية في الميدان الاجتماعي والاقتصادي".([22])

كان هدفه التقديم لبناء الدولة الإسلامية الحاضنة لمشروع الإنسان الخليفة، ومن لم يفهم "السيد الصدر" بهذا الفهم فقد بخسه حقه وعمل على اضعافه وضياعه؛ لأن هذا المشروع النهضوي منطقاً داخلياً لا يفهم ولا يستوعب إلا عبره وبواسطته.

إن تلك المسؤولية التي ذكرها، تجعل الإنسان في موقع الخلافة والامانة.. وعلى هذا فإن فكرة الخلافة والأمانة هي ما يؤسس جوهر السلطة والدولة بل أنه ذهب إلى تسويغ الإمامة باعتبارها التجسيد الحي للنظرية الإسلامية كنصوص وتعاليم ومبادئ، فالإسلام من دون سلطة، إمامة كانت أو دولة لن يتعدى أن يكون أطروحة مثالية ونظرية..([23])

ويربط من الناحية السوسيولوجية، نشأة الدولة بالدين، وعلى وجه التحديد بدور الأنبياء كرد على اختلاف انقسامي طرأ على المسار البشري الذي قام على أصل توحيدي.

وهذا الفهم مغاير للأنثروبولوجيا الغربية، فهو بالتأكيد لا يندرج في اطار نظريات العقد الاجتماعي التي وردت عند "هوبز" و "لوك" و "روسو" والتي افترضت وجود عقد سياسي اجتماعي بين الحاكمين والمحكومين، أعقب مرحلة القانون الطبيعي، فالصدر يخلص من ناحية تكوين الدولة ونشوئها تاريخياً إلى رفض إسلامي لنظرية القوة والتغلب، ونظرية التفويض الإلهي للجبارين، ونظرية العقد الاجتماعي، ونظرية تطور الدولة عن العائلة ، بل إن الدولة ظاهرة نبوية، وهي تصعيد للعمل النبوي بدأت في مرحلة معينة من حياة البشرية.. وظاهرة اجتماعية أصيلة في حياة الإنسان ..([24])

حول أصل الدولة وعلاقتها بالدين؟:

هناك مغايرة وتقاطع مرحلي بين النظرية السياسية الغربية وبين رؤية "الصدر" وأن هناك تسليماً بصلة الدولة كظاهرة ناشئة بالدين، وهذا ما يقوله بوضوح "مارسيل غوشيه" "أن الدين شكل تاريخياً شرط إمكان الدولة، وبالتالي فمن الأصح القول بأن أساس الدولة هو نفس أساس الدين".

غير أن الافتراق بين الوجهين جوهري وهو مسألة الوحدة والانقسام وعلاقتهما بأصل الاجتماع الإنساني، لقد اعتبر "كلاشر" أن المجتمع في اصله واحد، وأن الدين هو الذي يستولد الانقسام السياسي فيه، في مقابل ذلك يرى "الصدر" بالاستناد إلى النص القرآني أن وحدة الاجتماع أصل، وأن الاختلاف حالة طارئة، وأن ظهور الدين لم يكن إلا لدفع الاختلاف وإعادة إنتاج الوحدة، وهي وجهة منسجمة مع الأصل المكون للمزاج الاجتماعي.

وبالمحصلة لدى السيد الصدر أن وظيفة الدولة الحكم بما أنزل الله ورفع الاختلاف الذي أصاب المجتمع الإنساني، أي اسبغ عليها دوراً جينياً من الناحية الإلهية ودوراً توحيدياً من الناحية الاجتماعية {إن هذه أمتكم أمة واحدة}([25])، والذي يمثل نموذج التقسيم {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً}([26])، هكذا تكتسب الشرعية من عدمها من خلال النموذج الذي تمارسه السلطة.([27])

 

[1] نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر. د. علي فياض ص 34

[2] م. ن. ص 10ـ11ـ12

[3] نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر ص 103

[4] مجموعة مقالات لـ علاء الدين الخطيب، إبراهيم غرايبة، أحمد عبد المعطي حجازي، تحت عنوان "الإسلام دين ودولة".

[5] السيد محمد حسن الأمين، مجلة شؤون جنوبية العدد: يونيو 2014

[6] نظريات السلطة في الفكر السياسي ص 261

[7] الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية ص 55

[8] ن. م. ص 62 ـ 63

[9] نظريات السلطة في الفكر السياسي ص 210 و 213

[10] المصدر نفسه ص 270

[11] الحكومة الإسلامية، الإمام الخميني ص 23

[12] ن. م. ص 19

[13] ن. م. ص 35

[14] الحكومة الإسلامية، الإمام الخميني ص 70 ـ 72

[15] محمد مهدي شمس الدين، نظام الحكم والإدارة في الإسلام ص 210

[16] نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي الفصل الرابع ص 275

[17] نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي: الفصل الثاني، الإطار التاريخي.

[18] نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي الفصل الثاني ص 88

[19] البقرة /213

[20] نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر. الفصل الخامس

[21] المعالم الجديدة للأصول ص 5.

[22] الدكتور محمد خاتمي، بيم موج ص 98 نقلاً عن نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر ص 373

[23] المصدر السابق ص 374

[24] نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر ص 399

[25] المؤمنون/52

[26] القصص/4

[27] م. ن ص 405 ـ 406 بتصرف.

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2019/09/26   ||   القرّاء : 72


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 أبو ذر الغفاري المجاهد ، القدوة

 في رحاب الزيارة الجامعة

 كلمات وردت في القرآن الكريم: ل ح د _ الدهر

 نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي

   فوائد مهمة للأموات.... راحة ورحمة

 الالحاد .... مفهومه واقسامه وتصنيفاته

 العقلانية بين التدين والالحاد

 من رموز الوهابية

 علماء قدوة  ... ومواقف رسالية للعلماء...

 استراحة اللقاء

 

مواضيع عشوائية :



 كيف نشأت المجالس والمآتم؟

 تعزية بالحاج محمود زين العابدين شمس الدين

 سورة الحجرات «سورة الأخلاق و الآداب»

 قيم تربويـّة واجتماعيـّة في شهر رمضان الكريم : حسن الخُلُق.

 معاني العدل

 تباركت ذكراك

  دعوة الله للضيافة*

  مملكة الكراهية

  الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) يرفض البيعة ليزيد ويخرج ثائرا

 سورة النساء في الملامح العامة وقوانين الأسرة

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 868

  • التصفحات : 3426929

  • التاريخ : 15/10/2019 - 18:09

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net