هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (62)
---> عاشوراء (59)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (12)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (112)
---> قرانيات (54)
---> أسرة (20)
---> فكر (91)
---> مفاهيم (114)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : فكر .

              • الموضوع : لبنان في مهب الارهاب الصهيو تكفيري .

                    • رقم العدد : العدد التاسع والعشرون .

لبنان في مهب الارهاب الصهيو تكفيري

  

بسم الله الرحمن الرحيم

لبنان في مهب الارهاب الصهيو تكفيري

الشيخ علي سليم سليم

تمهيد:

  ما من شك ، أن جوهر المشكلة اللبنانية المركبة من الانقسامات الحادة المزمنة بين افرقاء الداخل، والوصايات الخارجية، هو خلل بنيوي، عمودي أكثر مما هو أفقي، المشكلة في أصل الصيغة والتركيبة لهذا الكيان السياسي، والزعماء بما لهم من تأييد في قواعدهم الجماهيرية، يتقنون فنون تحريك الغرائز واللعب على أوتارها ساعة الحاجة إليها، وما يستلزم من تحريض وشد العصبوية المذهبية والطائفية وكل مستلزمات العدة، التي تتيح لهم التربع على عرش الزعامة المتوارثة أباً عن جد، ولا تكون القواعد سوى مطية!

   بهذا التوصيف الواضح المعلوم لكل من يعيش في هذا البلد ويتعايش مع هذه النمطية المملة، وقلنا أكثر من مرة أن هذا الكيان الواحد في الظاهر يحتوي على شعوب متعددة ملتحدة وليست متحدة، فلكل فريق سياسي هوية مذهبية أو طائفية، ومروحة واسعة من التحالفات الداخلية والخارجية، وهذا النوع من العلاقات الفريدة من نوعها لا وجود له إلا في مثل هذا البلد، فالمعروف أن الدولة يكون لها شبكة من العلاقات والتحالفات، والافرقاء الداخليين هم ينتظمون داخلها، وعلى أساس ذلك تتخذ المواقف ضمن اطار معارضة لسياسة من هم في سدة الحكم والسلطة، لأنه هناك دولة، أما عندنا فهناك هيكل وشكل دولة ليس إلا، تحولت بعد الطائف من رئاسة على رأسها رئيس للجمهورية يحمل صفة الحاكم ذي الصلاحيات الواسعة ليتدنى إلى مستوى حكم، وانتقلت  الصلاحيات إلى الحكومة على حساب بقية الطوائف حيث لا يجادل أحد في أن تركيبة الحكم في لبنان متمحضة في الطائفية، والطائف لم يحل هذه المعضلة بل على العكس كرس الطائفية، وقد قال حينذاك السيد فضل الله (ره) إن الحسنة الوحيدة للطائف هو أنه أوقف دوامة الحرب الدموية في لبنان.

  وبهذا اصبح هذا الكيان تربة خصبة لكل المؤامرات ، وساحة ارتدادية ، جعلت منه ارضية قابلة للتجارب والاطماع .

لذلك نجد ومن باب التأكيد على وجود الخلل البنيوي في هذا النظام، أنه عند كل استحقاق لدينا انقسام حاد واختلاف على أبسط التفاصيل فضلاً عن غيرها فلا يتمكن في ظله أن يعين مديراً عاماً، فضلاً عن تشكيل حكومة أو انتخاب رئيس للجمهورية أو اتفاق على قانون انتخابي للنواب، نواب الأمة اللبنانية طبعاً! أي بلد هو هذا، وأي نظام هو هذا ، وأي أناس نحن في بلد لم نرق فيه بعد إلى مستوى المواطنة ! أليس غريباً هذا حقاً؟!

من الطبيعي جداً في ظل نظام طائفي كهذا نعيشه منذ التأسيس للكيان اللبناني، أي ما يقارب قرناً من الزمن إلا قليلاً، أن تبقى الأزمات تتوالى دون أن ينعم هذا البلد الصغير بالأمن والاستقرار، فهو نظام ولاّد أزمات، لا يملك من الإدارة الذاتية شيئاً إلا من حيث الشكل، لذلك نرى أن أي مشكلة تحصل في المنطقة سرعان ما يتأثر بها، بسبب فقدانه المناعة الذاتية، وارتهانه بالكامل للخارج، الأمر الذي أدى إلى حالة الضياع وفقدان التوازن لولا وجود المقاومة التي تحمل عبئاً إضافياً فوق أعباء مواجهة العدو، ولكن بأوجهه المتعددة.

وتوالت الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان والبلاد العربية وصولاً إلى عدوان تموز 2006 تأسست حينها مرحلة جديدة في تاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني حيث بنيت عليها قواعد جديدة للردع أعطت الأمل وأكدت نجاعة خيار المقاومة في المنطقة.

 

الارهاب يعصف بلبنان والمنطقة :

   لكن ثمة تيار آخر كان ينمو في الخفاء يعمل كدبيب النمل، يدعمه الحكام العرب والاعلام النفطي الممول من ممالك الرمال، يحفر في جسد الأمة ليدخلها تدريجياً في حرب مذهبية لا تبقي ولا تذر.

زود هذا التيار فيما بعد بدعم لوجستي مالي متعاظم لتشكيل قوى على تناهض الصعود الطاغي لقوى المقاومة في المنطقة ـ بحسب سيمور هيرش 2007 ـ وأخذ العمل على هذا التيار وقتاً استمر أكثر من عقد بحسب متابعي نمو هذا الفكر القائم على سناريو ضرب الأمة الإسلامية وسحق بلدانها في حرب المائة عام بين السنة والشيعة.([1]) ولا يزال العمل على التجييش الطائفي والمذهبي بشتى الوسائل التي جندت لهذا الهدف بأكلاف تعد بمئات مليارات الدولارات، منذ حرب أفغانستان التي احتلت من قبل الاتحاد السوفياتي آنذاك، مروراً بالحرب المدمرة على الجمهورية الاسلامية الايرانية في أوائل الثمانينات من القرن المنصرم، ولا يزالون، وعلى رأسهم آل سعود الذين باعوا فلسطين لليهود المساكين! وهذا مثبت بالوثائق، وعلى كل حال هم لا يخجلون بذلك، والمهم ما أود قوله أن الفرز الراهن بين أقطاب الصراع القائم حالياً في منطقتنا واضح وضوح الشمس، وكما يقال، أصبح اللعب على المكشوف.

حاولت "اسرائيل" الوصول إلى الفرات عبر اجتياح سوريا وبعده لبنان عام 2006 ولم تنجح، فأوكلت المهمة إلى الخليجيين الذين أعطوها فلسطين قبل ذلك،  والآن يجندون التكفيريين من مثل "داعش" وأخواتها، ومعهم أكراد البارزاني لتقسيم العراق...

وصلت "داعش" الصهيونية إلى الفرات، أو وصلت "إسرائيل الداعشية" إلى الفرات، وقالت داعش "إن الله لم يأمرنا بقتال إسرائيل".

بعد احتلال فلسطين تم تهجير المسيحيين منها ولم يبق منهم إلا القليل.. ومع "داعش" وأخواتها الأهلية، إذا بداعش تصل إلى الموصل وتقتل المسيحيين والشيعة إضافة إلى السنة الذين رفضوا مبايعتها. ودمرت الكنائس، وآخرها كنيسة السريان الكاثوليك التي يعود تاريخها إلى قبل 1800سنة، فكانوا يخيرون المسيحيين بين الجزية أو القتل، ويعملون على تهجيرهم كما في فلسطين، إلى أن تصل النوبة إلى لبنان فمن يحمي مسيحيي لبنان؟([2])

المهم أن الظروف التاريخية التي رافقت احتلال فلسطين من قبل تلك العصابات المجرمة، تشبه إلى حد بعيد حالة الفوضى والاضطراب التي تعم المنطقة اليوم.

وما أود الاشارة إليه أوجه الشبه بين تلك العصابات اليهودية وما تسمى "الخلافة الإسلامية"، "داعش" صحيح أن داعش نسخة طبق الأصل الكيان الصهيوني إلى حد التماهي والتطابق والترادف لكن داعش التي أمست تساوي التوحش، وهما بكل الأحوال وجهان لعملة واحدة على مستوى الأهداف والعقيدة الدينية، من العنصرية ورفض الآخر والتعايش معه والعنف، والقتل، والتهجير وسفك دماء كل من خالفهم حتى بالرأي ولو كان من مذهبهم حسب التصنيف المذهبي. لكن الفارق النوعي بين الطرفين المتطرفين، أن "داعش" استعجل، بفعل حرقته المراحل الكثيرة دفعة واحدة، وإن كان يخطط ويرسم.

صحيح أنه فكر ـ إذا صح تسميته بالفكر ـ قديم، يرجع إلى مئات السنين، وإن بدأ يتبلور من زمن ابن تيمية، (661هـ 728هـ) وأخذ شكله النهائي على يد محمد بن عبد الوهاب (1115هـ ـ 1206هـ) (1703مـ ـ 1791م) وذلك بالتحالف والتقاسم بالمهام بينه وبين آل سعود.
بينما نجد اليهود عملوا بشكل مختلف، حتى قبل مؤتمر بازل بسوبسرا سنة (1898م) حيث وضع تيودور هرتزل اللبنة الأولى على خارطة احتلال فلسطين.

فهناك مستعمرات يهودية على سبيل المثال، ليتسيون ريشون تأسست سنة 1882م، وقبل احتلال الانكليز لفلسطين بعشرات السنين، وظلوا يعملون بصمت إلى أن جاء الاحتلال البريطاني، حينها بدأ العد العكس لإقامة كيانهم على أرض فلسطين السليبة.

وهذا بخلاف الدواعش الذين تسرعوا كثيراً، وإن نجحوا بالمجازر والارعاب والدعم الاسرائيلي والأميركي وبعض الدول الرجعية العربية وعلى رأسهم مملكة آل سعود الذين لا همّ لهم إلا انتظار حصائد تآمرهم على المقاومة ومحورها، وهو أمر بات معلوماً.

هناك كتاب ينظّر للسلفية الجهادية تحت عنوان: "إدارة التوحش: أخطر مرحلة ستمر بها الأمة"، يقول أن من شروط النجاح الكبرى لإقامة الخلافة في المناطق التي يسيطر عليها، عدم التقية، والمجاهرة والحسم، واستخدام وسائل الإعلام في إظهار عدالة القضية وقوة القائمين عليها وبطشهم، والعمل على تحقيق الشوكة بالموالاة الإيمانية بين كل هذه المجموعات تتمثل في عقد مكتوب بالدماء.

وفي هذا السياق يرى الكاتب العراقي فاضل الربيعي في مقالة له "متلازمة الدولة اليهودية والدولة الإسلامية، أن بقاء وتمدد دولة التنظيم الإرهابي (داعش) لم يعد مجرد صراع بين الدولة في العراق وجماعة إرهابية متوحشة لقد بات يرتبط بمشروع ظهور "الدولة اليهودية"؛ أي أن "الدولة الإسلامية في العراق والشام" هي حاجة أميركية ـ إسرائيلية لتبرير وجود "الدولة اليهودية".

وفي مقاربته لقيام الدولة الإسلامية والدولة اليهودية، يلاحظ الربيعي تماثلاً في مضمون استراتيجية التوحش المؤدية لولادة إسرائيل والتي تؤدي اليوم إلى ولادة نظيرتها الدولة الإسلامية، معتبراً أن ولادة الدولة الإسلامية تتماثل وتتطابق إلى أقصى حد ممكن للعنف، وبحيث يبلغ ذروته مع وقوع مجازر مروعة ضد المدنيين العزل بواسطة التطهير الديني ... وتقوم الثانية اليوم بتطبيق استراتيجية التوحش الشامل التي طالت كل الاعراق والأديان والمذاهب من دون تمييز، وبدعاوى دينية شديدة التزمت، متذرعة بآيات قرآنية انتزعت من سياقها الزماني والمكاني،

على أي حال.. ويشير الربيعي في سياق سردية التشابه بين المشروعين القائمين على العنف وسفك الدم والقتل والتهجير والإبادة، إلى أن التشابه غريب ومريب، فيقول: أن انسحاب البريطانيين من فلسطين أدى إلى ولادة "إسرائيل" وأدى الانسحاب الأميركي من العراق، إلى ولادة الدولة الإسلامية في الموصل والرقة قبل أن تتمدد بسرعة إلى غرب العراق وشمال سوريا، ولقد تلازمت هذه الولادة مع ممارسة استراتيجية في أقصى أمدائها.. والأنكى أن كل هذه الجرائم ترتكب باسم الإسلام الذي يحمّله هؤلاء القتلة كل إجرامهم وإرهابهم وجريرة جنونهم. ونخلص مما تقدم إن فكرة الاصطفاء اليهودي/ التوراتي توازي الاصطفاء الاسلاموي/ الخلافي الذي لا يقبل أن يشاركه أحد من مخالفيه (عقدياً وسياسياً ودينياً ومذهبياً)([3])

ولا شك أن المستفيد الأول من وجود للقوى التكفيرية في المنطقة هو إسرائيل، وأميركا، لتبرير وجود الأولى، وتوظيف الثانية فزاعة وأداة ضغط بوجه محور المقاومة عامة.

وهذا ما نلاحظه من خلال تزخيم العمل الميداني في سوريا والعراق من خلال السيطرة السريعة والمفاجئة لداعش، على مناطق واسعة قادرة على تشكيل دولة "سنية" مدعومة خارجياً طبعاً يتبعه إعلان حلم الأكراد باستقلال كردستان، ويستقر الأمر على بقاء الجنوب دولة ثالثة للشيعة هناك.

كل ذلك يندرج بشكل واضح في إطار تحقيق المشروع الأميركي ـ الصهيوني بتقسيم المنطقة لبناء شرق أوسط جديد قائم على أساس دويلات مذهبية تشبه في طبيعتها الكيان الصهيوني، وتفتح الباب واسعاً أمام الاعتراف بيهودية "دولة إسرائيل" ومن ثم تهجير الفلسطينيين منها وتصفية قضيتهم بشكل نهائي ليكون البديل هو الأردن، من هنا نلاحظ تكثيف المستوطنات وتقطيع أوصال الضفة الغربية وغيرها، والعرقلة الأميركية في إيجاد حل، بانتظار تغير موازين القوى في المنطقة، تأمل من خلال فرض شروطها وأجندتها لتصب في خدمة المصالح الأميركية الإسرائيلية، إن هذه الظاهرة العنيفة الخطيرة وجدت لكي تزلزل البناء المجتمعي بمختلف مستوياته يقف خلفها الغرب.

فالخطر حتمي يتهدد كل دول المنطقة، بل هو التطبيق الفعلي للحرب على العدو المسلم المفترض، الذي جعله المفكرون الأميركيون بديلاً للنظام الشيوعي المنهار بداية التسعينات وكانت ارهاصات "المشروع: الأميركي الصهيوني في تجاوز ستاتيكو سايكس بيكو، الذي لم يعد يفي بالغرض.. قد بدأت منذ انطلاق الهتافات المبهمة لجماهير "الربيع العربي" وبالمناسبة أن هذه التسمية روج لها الإعلام في الغرب المحب لشعوبنا العربية والإسلامية!!

لا شك أن ربط الارهاب بالدين، هو عملية تعسفية، وجزء من حملة سياسية تستهدف ايديولوجيا محددة ضمن الحرب الشاملة على الإسلام، كما أنه ليس جديداً أن تعمد السياسة الأميركية إلى انضاج التسويات الكبرى على نار حامية، كانت داعشية هذه المرة.

وهكذا فإن الاستراتيجية الأميركية تعمل على توظيف الارهاب لإجهاض الأحلام القومية ببناء كيانات أكبر من قطرية، وتشويه الاسلام الجامع الموحد لطاقات الأمة، وهذا التوظيف ظهر من خلال الاخطاء التي ارتكبتها قوى أساسية في ما عرف بالربيع العربي.([4])

والحقيقة هو خريف، بل حريق لكل الكيانات التي قامت بعيد الحرب العالمية الأولى، الذي قسم المنطقة على أساس توزيع النفوذ بين المنتصرين، أعني فرنسا وبريطانيا، وما جرى من ويلات ونوائب، لا نزال نتجرع غصصها حتى يومنا هذا. ليس أسفاً على سايكس ـ بيكو ـ وهو لطالما ارتفعت الاصوات بإزالة الحدود المصطنعة تلك، التي وضعها الاستعمار مستبدلاً السلطة العثمانية الظالمة بأتباع اذلاء، وهو ما نسميه بالأنظمة الرجعية العربية.

إن السلطة العثمانية وإن كانت جائرة، إلا أنها كانت تمثل الحد الأدنى من عناوين وحدة الأمة، على كل العلات التي كانت تختزنها عقلية الحكام فيها، لأن المنتصرين جاءوا لتقسيم وتفتيت المنطقة ولزرع الأنظمة المستبدة كوكلاء لهم، تمهيداً لإقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين ـ ومن أراد التعرف كيف كانت تلك الأنظمة الرجعية الخائنة التي باعت فلسطين لأجل اليهود المساكين، فليراجع مقالات جعفر البكلي كيف عامل المفوض السامي البريطاني، الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس المملكة الثالثة الحديثة.

نحن اليوم كأننا نعيش عشية سنة 1919م، من حيث الظروف الموضوعية، وحالة الاضطراب والفوضى، جراء الحرب الكونية التي تشن على محور دول المقاومة على الأرض السورية والعراقية، من خلال ما يراد لها من انهاك وإشغال إن لم يمكن تدميرها والقضاء عليها، لإعادة ترسيم جيوسياسية عبر إنشاء الشرق الأوسط الجديد، لكن دون تحقيقه عقبات كؤودة بسبب صلابة خط المقاومة التي ستفشله حتماً.

هناك خطأ تاريخي ارتكب في الماضي، ويعاد اليوم تكرار نفس التجربة.

المشكلة اليوم بالتوصيف الدقيق وجودية، هو أن نكون، أو لا نكون فلبنان وسوريا بلدان لا يمكن أن يكونا منعزلين، فالارتباط بينهما ارتباط عضوي، من الصعب فصله، لا يمكن فصل، لا الأرض ولا الأمن، ولا السياسة، ولا الاقتصاد.

الغرب لم يكن يوماً إلا مع مصالحه، وكان قد نصّب نفسه حامياً للأقليات في المنطقة، خصوصاً المسيحيين ، اليوم لم يعد الأمر ذا أهمية عندهم، بل هو مستعد لاستقبال مسيحيي لبنان والشرق وهو لا شك أمر خطير على أصل التعددية والتنوع الثقافي والسكاني فلم يعد يهم الغرب، وما حصل من تهجير أكثر من مليون مسيحي عراقي خير شاهد على ذلك، لأن المسيحية الغربية متصهينة، تتبنى مقولات اليهود من أن فلسطين، أرض الميعاد.

من هنا نجد الفاتيكان مستنفراً بشكل غير مسبوق تاريخياً، باعتباره المرجعية لكاثوليك العالم، روحياً، وإلى حد ما سياسياً، خصوصاً بعد تلمسه الخطر الوجودي القائم لمسيحيي الشرق الأوسط الذي طاول حضورهم وأدى إلى تهجيرهم من العراق، وأضحت المناطق المسيحية، خصوصاً في سوريا، وإلى حد بعيد في لبنان، بحث عن حماية دولية لإجهاض اقتلاع المسيحيين من أرضهم، لا سيما أن الفاتيكان يدرك جيداً سياسات الدول، الاقليمية والدولية القائمة على مقولة: "المصالح الدولية أهم من المبادئ ومآسي الشعوب".

بل أكثر من ذلك، فما يحصل اليوم في المنطقة كلها من مصائب وويلات هل هذا يعني "انكشاف لحقيقة رغب الجميع في تجاهلها، وهي أن هذه الكيانات السياسية التي استولدتها معاهدة سايكس بيكو لم تكن في أي يوم أوطاناً بدول قابلة للحياة، أم إن القيمين على مقاليدها هم المسؤولون عن خرابها بل تخريبها بذريعة أنها "منتجات استعمارية"؟! وما هو البديل في ظل انعدام "القدرات الوطنية" على بناء البديل المنشود؟!"([5])

بعد استعراض هذه القراءة التي شملت حقبات عدة مر بها لبنان والمنطقة، بعضها حظي بشيء من التفصيل وصولاً إلى وضعنا الراهن، وما ابتلي به لبنان من جماعات وحشية، إذا كانوا هم أنفسهم يقولون: شرابنا الدماء، وأنيسنا الأشلاء!! فبماذا يمكن تسميتهم؟!

على كل حال، الصراع كما هو معلوم؛ صراع مصالح، على النفوذ وموارد الطاقة وتأمين طرق تواصلها، وهذا ما يستلزم إيجاد أنظمة موالية بغية تحقيق هذه الأغراض الحيوية، والتي يترتب عليها اقتصاد ورفاهية شعوب هذه الدول التي تقود الحرب في المنطقة. والذي يبدو أن الأزمات ستستمر إلى أمد غير معلوم وليس هناك من مؤشرات تنبئ بحصول تسويات قريبة ويبدو أن المستقبل مظلم في الاقليم كله.

لبنان، هذا البلد الصغير الحجم، هو بحسب تعبير هنري كسنجر فائض جغرافي، وسوريا أصبحت اليوم كذلك، حيث يستخدم مسرحاً لتفكيك جزء من مشاكل المنطقة، هكذا ينظر الغرب اليوم.

الأمة العربية على وشك السقوط، ولم يبق منها إلا بعض بقع الضوء في سورية ولبنان، والعراق وبعض فلسطين.

فالجميع تحالفوا مع "اسرائيل" وسقطوا بالاتفاقيات المذلة، والسعودية تدعو "الإسرائيليين" لزيارتها والسلام معها! ثورات الحريق العربي تناشد "إسرائيل" مساعدتها لاغتصاب سورية.. و "الإخوان المسلمون" يتظاهرون ضد "الانقلاب" في مصر، ولا يتظاهرون ضد قصف غزة!([6])

ألم تعد "إسرائيل" عدواً، أين مصر عبد الناصر التي خاضت بطولات مشرفة بجيوشها مع العدو، وكيف فرح "الاخوان" بهزيمة 67، فليس في الأمر غرابة أن لا يكون لفلسطين في قاموسهم من وجود!

وقد ظهر للمتوهمين بعد طول تدمير، أنه ليس ربيعاً ولا عربياً وقد قاد هذا النزاع الشرق الأوسط إلى حروب أهلية لا أفق لها، وأسقط حدود الدول السابقة مع مرور مائة عام على نشوئها وفق سايكس ـ بيكو، وبدأ رسم الخرائط الجديدة من العراق وسوريا، وعندما يهتز حجر من الدومينو الشرق أوسطي ستهتز حجارة أخرى أو تقع.

والمستفيد هو إسرائيل، لذا يطرح كثيرون بناءً على المعطيات الواقعية، لا حباً بنظرية المؤامرة: ما دور إسرائيل في تطورات هذا الربيع؟ لقد تمكنت في ظل هذا "الربيع" "إسرائيل" من حسم حروبها مع العرب، حيث ينشغل هؤلاء منذ سنوات بأنفسهم ويخططون للإنتصار على بعضهم لا على " إسرائيل" ولرمي بعضهم في البحر لا رمي "إسرائيل" وعلى العكس، ظهرت ملامح مهادنة أو تعاون بين بعضهم و "إسرائيل" ضد البعض الآخر، فيما إسرائيل تبدو الأكثر ارتياحاً منذ نشوئها.

والمكسب الأهم الذي حصدته هو انهاء حق الشعب الفلسطيني بالعودة إلى دياره وقبل أشهر استفردت بغزة وسط صمت عربي كامل!

وعلى الأرجح ستكون خطوات "إسرائيل" المقبلة الافادة من الانهيار العربي الشامل لتكريس الطموح القديم إلى يهودية الدولة وإفراغ الأرض العربية التي تحتلها اليوم من سكانها العرب ودفعهم إلى الضفة الشرقية ليكون هناك "وطنهم البديل" وفق مشروع بن غوريون، وهذا الأمر يقتضي استهلاك مزيد من الوقت والجهد والدماء العربية وانهيار المزيد من دول المشرق العربي([7])

وليس لبنان بالطبع بعيداً عن هذه الفوضى التي تعم المنطقة جميعاً، في انتظار ما ستؤول إليه الملفات الكبرى وعلى رأسها الملف النووي الإيراني، فمن هنا وإلى سنتين، فإما تسوية كاملة، وإما مواجهة شاملة هذا كله بحسب المعطيات، وإن كان للميدان الكلمة الفصل، وإلى ذلك الحين يخلق الله ما لا تعملون.



[1] عبد المعين زريق: الاخبار ن العدد 2461 بتصرف

[2] داعش ترسم حدود "إسرائيل"على الفرات، د. نسيب حطيط، بتصرف

[3] ريتا فرج: الصهيونيو "داعش".. إدارة التوحش. السفير:12956 بتصرف

[4] يحيى حرب: نحو استراتيجية قومية إسلامية لمواجهة التحالف الامبريالي الداعشي.

[5] طلال سلمان، السفير العدد:12959

[6] "داعش" ترسم حدود "إسرائيل" على الفرات..د. نسيب حطيط.

[7] طوني عيسى، الجمهورية:31 كانون الأول 2014

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2016/03/22   ||   القرّاء : 854


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 هيئة علماء بيروت تتقدم بالعزاء بضحايا الزلزال في إيران

 هيئة علماء بيروت تدين بيان الجامعة العربية بحق المقاومة

  مصيبةُ الإمامِ الحسين (عليه السلام) ابكت كلُّ الوجودِ

  . لماذا ثار الإمام الحسين(عليه السلام)؟

  العباس بن علي عطاء وإيثار

  الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) يرفض البيعة ليزيد ويخرج ثائرا

  إحياء أمر أهل البيت(عليهم السلام)

  الأبعاد المعنوية في شخصية الإمام الحسين عليه السلام

  شرح خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) في مكة

  رسالتنا في شهر محرم

 

مواضيع عشوائية :



 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

  مُحَمَّدٌ صلى اللّه عليه و آله عَن لِسانِ مُحَمَّدٍ صلى اللّه عليه و آله

  التعامل الإنساني في سيرة الإمام علي

  مملكة الكراهية

 إستعمالات القرآن لكلمة الوحي

  الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام كما يصف نفسه

  البعد الاجتماعي للحج

  أمور تعين على الفوز بالحسنات في شهر رمضان

 البداء في المنظور الإسلامي

  من صفات اولي الالباب

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 747

  • التصفحات : 2319340

  • التاريخ : 22/11/2017 - 03:37

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net