هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (64)
---> عاشوراء (59)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (12)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (112)
---> قرانيات (54)
---> أسرة (20)
---> فكر (91)
---> مفاهيم (114)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : فكر .

              • الموضوع : الوهابية: تكفير المجتمعات وتدميرها .

                    • رقم العدد : العدد الثلاثون .

الوهابية: تكفير المجتمعات وتدميرها

 بسم الله الرحمن الرحيم

الوهابية: تكفير المجتمعات وتدميرها

الشيخ علي سليم سليم

إذا أردنا أن نؤرخ لحقيقة الصراع في المنطقة وجوهره، علينا البدء من الأعوام الأولى من القرن الماضي، وقبله بقليل، قصدت المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا سنة 1897م، إلى بدايات تفكك الدولة العثمانية، وأعقب ذلك الحرب العالمية الأولى، التي انتهت نتائجها كما هو معلوم إلى تقسيم نفوذ الدول المنتصرة في الحرب في منطقتنا التي لا تزال ملتهبة منذ ذلك الوقت، وإلى اليوم، مع تعديل أو تبديل بأسماء الدول المستثمرة بالدماء.

في ذلك الوقت الذي أفضى إلى التوافق على تقسيم المنطقة بما تعرف باتفاقية سايكس ـ بيكو. لم يكن الكياني الصهيوني قد أنشئ بعد، كان لا يزال قيد الإعداد والإنشاء، كذلك لم يكن الكيان السعودي، قصدت "الدولة الثالثة" توأم المشروع الواحد في جذوره وغاياته ودوره، في حكم المنطقة العربية، قد ولد بعد والملفت في ذينك الكيانين، أنهما يقومان على قاعدة ايديولوجية دينية لا تقبل الآخر، بالأدبيات التلمودية "غوييم" أي الأغيار مطلقاً، وبالأدبيات الوهابية، تكفير الآخر، ولكن هذا الآخر حصراً من المسلمين، ممن هم لا يعتقدون الفكر الوهابي.

وهذه إشارة أولية تضع علامات استفهام في المنطلقات والأهداف.

التقسيم

جزأت فرنسا آنذاك مناطق نفوذها إلى ستة أقاليم:

دويلة درزية في الجنوب، ودويلة علوية على الساحل، ودولة لبنان الكبير بأغلبية مسيحية، ودويلة سنية في الشمال (حلب) ودويلة سنية في الوسط (دمشق) ومنطقة نفوذ اقتصادي في الجزيرة (القامشلي) ولواء في الاسكندرون وأعطت كيليكيا لتركيا، لكن الرفض منع من تنفيذ      مؤامرة سايكس بيكو إلى حد كبير، أما النفوذ البريطاني خاصة في فلسطين كان قد بدأ بالتحضير لتنفيذ وعد بلفور على مراحل.

هذا حصل منذ مائة عام، على صعيد التجزئة الجغرافية، ولكن اليوم أي مس بخرائط المشرق العربي يحتاج ليس إلى أقل من حرب عالمية وحضور عسكري دائم لقوى كبرى، وهو الآن غير متوفر أولا يلوح في الأفق، ولا تستطيع أية دولة إقليمية أو مجموعة دول اقليمية تطبيقه، إلا أن العمل يأخذ طابعاً آخر في التخطيط للمنطقة من أجل إدامة الصراعات عن طريق التغيير الديموغرافي لتأجيج الفتن.

كانت الأمور بسبب نجاح المشاريع الفتنوية قد حققت أهدافاً كبيرة:

تدمير العراق، تدمير سوريا، تحييد الجزائر، تقسيم السودان، إغراق ليبيا واليمن بحروب التدمير، جعل فكرة العروبة تهمة، تصوير المقاومة في فلسطين ولبنان على أنها إرهاب، فتح الأسواق العربية لكل مصانع السلاح لتبيع في السنوات الماضية بأكثر مما باعت في العقود السابقة، محاولة اقناع الرأي العام العربي بأن السلام أو الاستسلام هو الأساس، دفع دول الخليج وإيران إلى اعتبار العداوات بينهم أهم من عداوة إسرائيل.

تبذل السعودية الكثير من المال والجهد والإعلام كي تثبت فكرها السلفي الوهابي في شتى ارجاء العالم، وقد انفقت السعودية مليارات الدولارات لبناء المساجد، وانشاء المدارس الدينية في أفريقيا وآسيا وفي آسيا الوسطى، وأيضاً في أوروبا، وتدين الكثير من هذه المؤسسات والجماعات بالولاء لممولها وسيدها الايديولوجي.. وإذا أخذنا باكستان مثالاً، يسجل فيها وجود أكثر من 25 ألف مدرسة دينية، تخرج نحو 200 ألف طالب سنوياً، وقد تأسست هذه المدارس برعاية أمريكية وسعودية ومحتوى وهابي، وعممت الثقافة الوهابية التي بدت حينها قادرة على التجنيد والتحشيد، إلى افغانستان المسلمة لتحريرها في ثمانينات القرن الماضي وبالطبع سوف يكون السؤال ساذجاً بل غبياً إذا قلنا: وفلسطين؟!

التقدير السائد والمتصاعد الآن أنه بقدر ما تشكل الوهابية السلفية امتداداً سعودياً، بقدر ما تشكل خلايا نائمة تعمل لصالح الرياض والغرب، لكن أحياناً تعمل ضدها، ولذا أقول أن السلفية الوهابية هي نقطة قوة سعودية... ونقطة ضعفها.

في أوروبا اتضح أن القائمين بالقتل، سلفيون قادمون من بلجيكا، التي تضم عاصمتها بروكسل مسجداً ممولاً سعودياً وتفترض التقارير الغربية أن المسجد "يعد وكراً للسلفية منذ ثلاثين عاماً، ويشكل أرضية خصبة لشبكتها"، وتعود قصة المسجد هذا إلى العام 1967م عندما كانت خزائن الدولة البلجيكية فارغة فسعت الحكومة إلى البحث عن إمكانيات لشراء النفط بسعر زهيد، تلقف الملك السعودي فيصل المأزق البلجيكي وقال لنظيره: بكل سرور، نمنحكم نفطاً رخيصاً، ونحن لا نريد شيئاً فقط سنقيم مسجداً للصلاة!

حالياً تنتشر المدارس الوهابية في كل مكان.. فيما انكفأ علماء الأزهر ويبدو الأزهر الموصوف بالاعتدال، في طريقه ليكون نسخة وهابية، وأخشى أن تكون القاهرة بعد سنوات وكراً وهابياً..([1])، ولا أدري عن أي تجديد للخطاب الديني يتحدث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعد أن سلم الأزهر لهيئة كبار العلماء في الرياض، ولا أنسى صرخة أحد شيوخ الأزهر الشيخ أحمد كريمة استاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر في مؤتمر "سماحة الإسلام" الذي عقد في بيروت العام الفائت، عندما ناشد العالم الإسلامي لإنقاذ الأزهر الشريف من براثن الفكر الوهابي الهدام.

نشأ المذهب الوهابي في المنطقة الإسلامية على أيدي الحكومة البريطانية، وكما الكيان الإسرائيلي الذي اتخذ من وعد بلفور شرعية دولية، وأضحى خنجراً في خاصرة العالم الإسلامي، مثلت الحركة الوهابية، الوجه المذهبي لآل سعود وبالتنسيق مع الحكومة البريطانية، عنواناً براقاً هدفه الأساس ضرب الإسلام والمسلمين، ولم يخطئ الشيخ الأزهري فتحي المصري عندما أكد أنهم يوالون الغرب ويمهدون لتثبيت أقدام المعسكر الغربي في قلب البلاد الإسلامية والعربية فهم "الأيادي الخبيثة التي يحركها أعداء الإسلام كما يشتهون".

وذكر الشيخ فتحي المصري في كتابه (فضائح الوهابية) فكرة مهمة عن دور المخابرات الإنكليزية في دس اتجاه ديني متشدد يكفر المسلمين ويدعو إلى قتلهم.

المذهب الوهابي في جوهره بتوثيق الكتاب المذكور، والذي وثقت معلوماته بالمراجع اللازمة يورد "ومنذ نشأت الوهابية لم يقاتلوا اليهود ولا غيرهم، لم يقاتلوا إلا المسلمين.." وكل تاريخهم يشهد بذلك، وهم يكفرون أهل المذاهب الأربعة والصوفية فضلاً عن المذهب الجعفري الذي أقر الأزهر بجواز التعبد به حينما كان الشيخ محمود شلتوت إماماً للأزهر، كما يكفرون أهل البلاد الإسلامية تكفيراً بالعموم، كما يقولون أن الأزهر يخرج عاهات!

الإسلام الوهابي الحركي، بكل أشكاله السياسية والإرهابية المتداخلة يسمح للغرب بتحشيد دول و"مليشيات" في الإشعال المستمر للحروب الأهلية العربية، إضافة إلى شن العدوان على البلدان العربية المركزية، فضلاً عن ترويجه بصورة مباشرة لسياسة الإسلام فوبيا.

فصل الخطاب في هذا السياق كان لرئيس وكالة المخابرات الأمريكية السابق "جيمس وولسي" في 2006 عندما تكلم عن الدول العربية قائلاً: سنضع لهم إسلاماً يناسبنا، نجعلهم يقومون بالثورات، ثم يتم انقسامهم على بعض لنعرات تعصبية، ومن بعدها قادمون للزحف وسوف ننتصر" ، وأضاف "وولسي": إننا سننجح في النهاية كما نجحنا في الحرب العالمية الأولى والثانية والحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي، وسوف اختم بهذا "سوف نجعلهم متوترين".

لا ريب في أن الوهابية بمختلف مسمياتها، هيأت الأرضية المناسبة، وساهمت بشكل جلي في جعل الصهيونية تستفرد بفلسطين وشعبها المظلوم، فبدلاً من أن يهب العرب والمسلمون للدفاع عن أقدس مقدساتهم وقبلتهم الأولى، نرى العرب، ولا سيما بعض دول الخليج العربي بقيادة السعودية، ينخرطون في زمر إرهابية تعيث في الأرض فساداً، وهدفها الأول والأخير هو اشعال حروب طائفية، لا تنتهي، وقد عززت الأحداث المتسارعة بعد ما يسمى بـ"الربيع العربي" بصورة لا تقبل الشك عمق التحالف الصهيوني الوهابي، وقد أضحت اليوم علنية وإن لم تأخذ صفة الاعلان الرسمي بعد، وهذا ما يظهر تلاقح الأفكار الوهابية والدسائس الصهيونية فأصبح اليهود أقرب إلى الوهابية من فرق المسلمين الأخرى.

ولعل من أخطر ما نواجهه على المستويين الإجرائي والثقافي، أن يجعلوا مشهد تقطيع الأحياء والتمثيل بالأموات، مشهداً عادياً عبر التكرار لإشاعة الرعب من خلال إعمال التوحش، (كما فعل المغول عندما اجتاحوا البلاد الإسلامية) وساعدهم في نشر إنجازاتهم الوحشية الاعلام الغربي، كما أنهم يستعينون بالفتاوى الجاهزة التي تبيح لهم ارتكاب الجرائم! وهي فتاوى خاصة بهم، ولا يوافقهم عليها علماء المسلمين، وعبر هذه القنطرة، ومن خلال المزيد من الافعال الاجرامية تنتقل العدوى، لتصبح علامة من علامات التقاتل الداخلي في دنيا العرب والمسلمين من طنجا إلى جاكرتا، ولتكون شارة من شارات الوحشية، والتخلف وتنكب الأساليب الإنسانية، وهم بشكل ما يقفون في خانة الفظائع الصهيونية، وكأن ما فعله الصهاينة في تاريخ احتلالهم لأرضنا، لا يريدون لهم أن يكونوا فريدين، بل لا بد من جر آخرين إلى صفوفهم، ليس في السياسة فقط بل حتى في الفظيع من الجرائم، واللافت أن الوهابية تتجاوز الصهيونية في الكثير من فصولها الدموية، وتسجل ما لم تعهده البشرية في تاريخها، وما لم تشهد له مثيلاً حتى في قصص الخيال والتوحش على القاعدة الصهيونية ذاتها، التي ابتدعت في حينها نماذج من الارهاب والوحشية، لم تكن معهودة في حينها ولا هي مطروقة، وباتت فصيلاً مستقلاً في التاريخ يشهد على فظاعته.

ولأن البحث في تحالف وتلاقي الحركة الوهابية والصهيونية على كل الاهداف الغربية طويل وطويل، يمكن أن نكتفي بالسؤال عن الذي قدمته مملكة القهر والتخلف للعرب والمسلمين خلال العقود الماضية، هل قدمت غير فعل اشاعة الجهل والتكفير والتخاذل والاستسلام، ولماذا تخرج ويتخرج العلماء من الأزهر والنجف الشريفين، ومن جامع الزيتونة بتونس كأول جامعة إسلامية في العالم العربي ولا يسمع العالم في المقابل إلا بتخريج التكفيريين والارهابيين من حيث يجب أن يتخرج كل علماء الأمة!

فالوهابية لا تريد فقط أن تستعمر الإنسان والمجتمع بأضاليلها وأكاذيبها وشعوذتها، بل تسعى لحرمانه من مقومات الفضيلة وهي الضمير والإرادة والقدرة والفكر السليم، لأن أي مجتمع يفتقد هذه المقومات تتحلل مناعته، وترعى في كيانه الموبقات فينهار أمام أول هزة يتلقاها، وهذا ما تعمل من أجله هذه الحركة الصهيو ـ وهابية.

إن الرد على الوهابيين التكفيريين يكون بالفكر الإسلامي، وهذه هي مرحلة لدرء هذا الاعصار الذي نفخت فيه عواصم الغرب المتصهين.

إن هؤلاء الوهابيين التكفيريين لا يفضحهم إلا الفهم الحق للرسالة المحمدية التي تحتاج إلى مزيد من الحضور، ولا سيما أن ثمة فضائيات كثيرة تروج لمقولاته، ولمواجهة المد الديني الوهابي المتطرف، فقد صار من الملح أن توضع البرامج الثقافية والفكرية في كل ميادين التوعية والإعلام، بل وأن تخصص البرامج لفضح الوهابية، لأنه تعرية للدور السعودي المشبوه الذي كان مهاد هؤلاء ومنبعهم، كما أنه تعرية للحركات التي تتستر بالإسلام لتحقيق أهداف قد يبدو من الغرابة بمكان عقد مشابهة عن قصد وقناعة بين علاقة كل من كياني الوهابية والصهيونية مع العدو الأميركي، ليس فقط لأن أحد قواسمها المشتركة كونهما تقفان من العروبة موقف عدو موحد بل لقواسم مشتركة أخرى بينهما، واحدة منها الالغائية للآخر، ليس على مستوى الرأي والرؤية، بل على حد الإبادة.

وخلاصة القول أن الكيان الصهيوني لم يكن ليزرع في فلسطين لولا وجود مصالح ودور وحراب الغرب الأوروبي ـ الأميركي بما هو ضروري للغرب كأداة، وهو ما يتضح كل يوم بأننا أمام كيان عميل بسكانه المستوطنين فرداً فرداً.

كما لم يكن للوهابية مجسدة في قبيلة بدوية أن تقيم سلطة لها في الجزيرة العربية، لولا أنها أداة للاستعمار والامبريالية منذ لحظة وجودها، وذلك من أجل دورها في الوطن العربي، وهو ما اتضح بأن حكام الخليج من أصغرهم إلى أكبرهم عملاء كذلك للمركز الامبريالي بدءاً بأميركا نزولاً إلى بريطانيا وفرنسا وغيرها..([2])

بدأت تظهر في الآونة الأخيرة المعلومات عن علاقات سرية جمعت ممثلين عن كل من إسرائيل والمملكة السعودية، منذ بداية العام 2014 في كل من الهند وإيطاليا وتشيكيا لنقاش التحديات المشتركة للدولتين وواقع العداء لإيران والاستقرار الإقليمي، كما أوردت وكالة "بلوميرغ" في سياق تقرير نشرته في حزيران 2015 عن خمسة لقاءات سرية بينهما.

ويعود الدور البارز في ذلك لمستشار رئيس جهاز الاستخبارات السابق أنور عشقي، وبحسب تقرير "معاريف" أن السعوديين والإسرائيليين كانوا منفعلين.. وينقل عن أحد الإسرائيليين المشاركين في اللقاءات ..فجأة تفهم أن اتفاق سلام مع السعودية ليس شيئاً بعيداً، يجب توفر الظروف المناسبة، وهذا سيحدث، لن يحدث غداً، لكنه ليس وراء جبال الظلام..

أما الدبلوماسي السعودي السابق عبد الله الشمار فيقول لـ"وول ستريت جورنال": لو كنت أنا من يتخذ القرارات لما ترددت للحظة بالتعاون مع إسرائيل في كل ما يتعلق بالسياسة النووية الإيرانية!

أما المعلق الأمني في "معاريف" يوسي ميلمان، فكتب تحت عنوان "هل تشكل حلف سري؟" إن موافقة إسرائيل على اعادة مصر للسعودية جزيرتي تيران وصنافير ليست سوى "طرف جبل الجليد لخطوات سرية تنسج من خلف الكواليس".

كما أنه هناك علاقات اقتصادية غير مباشرة وهناك بضائع إسرائيلية تكنولوجية تصل إلى السعودية عبر السلطة أو الأردن وقبرص.

وبرغم كل ما هو ظاهر، فإن غالبية العلاقات لا تزال سرية، ومؤخراً نشر المغرد السعودي "مجتهد" أن السعودية تشتري من إسرائيل طائرات عبر جنوب افريقيا، كما أن مجلة "اتلانتيك" الأميركية قالت أن إسرائيل عرضت على السعودية منظومة قبة حديدية لمساعدتها في الحرب على اليمن.([3])

اللافت في الأمر أن الذين يتحدثون عن التغيير الديموغرافي في سوريا وفي العراق الذي يعمل عليه الإيرانيون والنظام السوري وحلفاؤه، لا يأتون على ذكر ما تقوم به داعش وأخواتها، من الثائرين حسب تعبيرهم، من تهجير وإبادة في كل مكان تحتلها، أليس هذا تغييراً ديموغرافياً، وإحداث مناطق صافية من دين واحد ومذهب واحد، وما حصل ويحصل في العراق وسوريا ليس ببعيد، وهو خير دليل على ذلك.

ولقد بات معلوماً أن السعي للتغيير السكاني في التركيبة القائمة حالياً هي مشاريع تقسيمية خصوصاً في العراق، وهو بات علنياً وعرف بمشروع نائب الرئيس الأميركي جو بايدن الذي يهدف إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دول طائفية، يعني هو مصلحة أميركية، وليس مصلحة لدول الجوار فيه، لا إيران، ولا سوريا، ولا حتى تركيا.

ومن أكثر المحافظات التي شهدت تغييراً ديموغرافياً: نينوى، وكركوك، وديالى، ففي نينوى توجد مدينة تلعفر ذات الأغلبية التركمانية، وسهل نينوى الذي يسكنه المسيحيون، أصبحت الآن  تحت سيطرة داعش، وتسكنها طائفة واحدة([4])إذن من هي الجهات الخارجية التي يتحدث عنها نواب عراقيون بعد احتلال هذه المناطق من قبل داعش ـ والتي تعمل على التغيير بشكل عمدي، أليس هم الذين يدعمون ويمولون عصابات داعش؟

لعبة التغيير الديموغرافي لم تعد حكراً على بلد بعينه في المنطقة، فلِمَ التصويب على سوريا؟!

ينبغي أن يعلم أن إعادة تشكيل المنطقة برمتها قائمة على قدم وساق على أكثر من صعيد، ليس من بينها المساس بحدود الدول. وعليه فالعمل قائم على أساس اللعب بالتركيبة السكانية.

تعمل تركيا ذات النظام العلماني على استخدام الورقة المذهبية بطريقة خبيثة: دول الاتحاد الأوروبي اليوم تعمل على اعادة النسبة الكبيرة من النازحين السوريين الذين تهافتوا باللجوء إليها، والابقاء على جزء آخر في أوروبا.

هؤلاء سيعودون إلى تركيا، وقد بدأت السلطات التركية بإنشاء مخيمات لهم واختارت أن تكون في محيط القرى التي يقطنها العلويون، وستملأ هذه المخيمات بأعداد كبيرة من النازحين وهم من أهل السنة، تفوق أعداد العلويين، العلويون يرفضون، ويتساءلون لماذا هنا؟

تركيا تريد توظيف ذلك بوجه الأكراد، بمعنى أنها ستوجد حزاماً بشرياً معادياً لهم، وسيتم تجنيس هؤلاء، فيتحولون من نازحين إلى مواطنين أتراكاً.

ولماذا التركيز على هذا التغيير الذي يعتبر السبب الأول فيه العصابات التكفيرية على سوريا دون سواها؟!

السبب في اعتقادي، أن المشروع بالأساس هو تطويق المقاومة عبر حرمانها من طرق أمدادها، وملء المناطق الغربية السورية المحاذية للبنان بجحافل التكفيريين، لكن المقاومة أدركت ما يخطط لها منذ اندلاع الحرب الكونية على سوريا فعملت على تطهير هذه المناطق من الوجود التكفيري بدءاً بالقصير وليس انتهاء بباقي الجرود، ودفعت أثماناً غالية من التضحيات في سبيل إفشال المشروع الذي يخدم إسرائيل وحلفاءها في المنطقة، وتبدت بشكل جلي هذه الأكذوبة ـ التبديل السكاني والمناطق الصافية، تمهيداً للتقسيم ـ  وظهر من خلال تحرير مدينة تدمر والبادية الشامية لتقطيع أوصال المشروع التقسيمي في سوريا والعمل على وصل باقي المحافظات خاصة، الرقة ودير الزور، واسترجاعها إلى حضن الوطن.

كان بإمكان الدولة السورية وحلفائها الاكتفاء بسوريا المفيدة كما يقال اليوم وعدم الانتشار في مئات الجبهات المشتعلة على الأراضي السورية مع الفصائل المتعددة للعصابات التكفيرية، مما يعني صرف الكبير للمجهود الحربي وما يستتبعه من تشتيت للقوى واستنزاف للطاقات واضعافها، كان بالإمكان توفير كل ذلك لو كان المطلوب التقسيم وإعادة التركيب السكاني من جديد كما يُزعم، وما يحصل في الميدان دليل على زيف هذا الزعم وتدحضه الوقائع والانجازات التي يحققها الجيش العربي السوري والقوات الرديفة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التكوين العقائدي

تتعدد الأسماء، وتنمو المسميات وتتكاثر كالطحالب، لكن المنبع واحد، ولو ألقينا نظرة موجزة على الكتب التي يعتمدها قادة داعش لوجدناها فكراً وهابياً خالصاً، منها كتاب "عقيدة التوحيد وبيان ما يضادها من الشرك..." لصالح بن فوزان الفوزان، وكتاب "مختصر منهاج القاصدين" للمقدس الحنبلي وكتاب "وجوب العمل بسنة الرسول وكفر من أنكرها.." لعبد العزيز بن باز، وكتاب "الأصول الثلاثة" لمحمد بن عبد الوهاب. وكتاب "الفتاوى" لابن تيمية، وشرح العقيدة الواسطية لابن تيمية بشرح محمد ابن صالح العثيمين، وهذه الكتب مطبوعة في السعودية ومصر وسائر البلاد العربية، وتحتل أسماء مثل ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب والفوزان والألباني أهمية بارزة، ما يعزز أن هذا الفكر هو فكر وهابي أصيل.

وهذه الكتب وجدت في مكتبة "أبو بكر البغدادي"، وهناك كتاب: عقيدة الحنابلة: بيان حقيقة السلفية" وهو ما يؤكد أن البغدادي على معرفة بالإشكال المطروح بين الوهابيين الحنبليين وعموم أهل السنة.

وهذا الكتاب جاء ليدحض مزاعم الوهابية بأنهم هم من يمثل أهل السنة والجماعة وليس أنهم مجرد تيار حنبلي مناقض لأهل السنة، حيث يقول: ويغيب عن كثير من الناس أن السلفيين الذين يتحدثون اليوم باعتبار عقيدتهم هي عقيدة أهل السنة والجماعة، لا تمثل عقيدتهم سوى عقيدة فرقة من فرق أهل السنة تتبرأ منها سواها من فرق أهل السنة، كما يتبرأون هم من تلك الفرق.

وجود كتاب من هذا القبيل في مكتبة البغدادي لا يعني بالضرورة أنه يتبنى فكرته بل وكما هو معروف عن البغدادي الذي كان يتابع كل القنوات التلفزيونية السنية والشيعية، قد يكون ذلك من باب الاطلاع على شبهات الخصوم، ذلك لأن غالبية مراجعه هي وهابية، كما أن سلوك تنظيمه يؤكد أنه مغالٍ في الحنبلية الوهابية التي تكفر أهل السنة، ويتضح ذلك في قتله للسنة في الموصل، بل وقتاله للسنة الذين تحالفوا معه من النقشبندية وعدم اعتباره ما يقع من عدوان على السنة في غزة من أولوياته.([5])

لم تعد المسألة خافية على من يتابع التقارير الغربية وخصوصاً الأميركية منها التي تظهر المسؤولية الواضحة التي يتحملها أرباب هذا الفكر، غير أن الازدواجية المتبعة من قبل الغرب التي تعمل على تضليل الرأي العام العالمي، قائمة، الأمر الذي يسمح باستدامة الاضطراب.

كتب سايمون هندرسن الأميركي في "فورين بوليسي" أنه اكتشف المسؤولون الأميركيون والبريطانيون أسماء الأميرين السعوديين اللذين كانا يدفعان مبالغ كبيرة إلى ابن لادن من صندوق الدولة بغية إثارة الاضطراب في مختلف الأماكن بعيداً عن المملكة.

وفي مطلع العام الحالي، دارت مساءلة في الكونغرس الأميركي حول العلاقة بين العرش السعودي والوهابية والارهاب، وتساءل أحد أعضاء الكونغرس: أليس من الحقيقة المسلّم بها أن أكبر حركتين جهاديتين عالميتين، أي داعش والقاعدة، تعتبران الوهابية مصدر إلهام لهما.([6])

الاستشراق البريطاني الخبير بتناقضات المنطقة يعرف تماماً أن أفضل طريقة للسيطرة على الشرق الأوسط هي الدخول من بوابة الطائفية، وكان البريطانيون قد اهتدوا منذ عقود، ومنذ أن كانوا هم اللاعب الأول في المنطقة، حيث كانت الوهابية من أقدم من تعاون معهم. وقد سعى البريطانيون إلى إعادة توزيع الخارطة الإسلامية كما يحاولون اليوم إعادة رسم الخارطة السياسية على انقاض سايكس بيكو.

هذه الهيمنة التي لا يمكن أن تتحقق إلا على أساس شرق ممزق بالحروب الأهلية.. يجب تحريك المياه الراكدة في هذا التاريخ المليء بإلهامات الفتن، ليس من الضروري أن نترك للتاريخ أن يفعل فعله الطبيعي في نشوء الملل والنحل بل لا بد من اخضاع المجال لضرب من الصناعة، وهذه الصناعة يشرف عليها المستشرق الوظيفي، صناعة التاريخ بكيفيات تتطابق مع الحاضر.. بل من الممكن أن نخضع الوهابية، الحليف التاريخي للبريطانيين، لحالة ولادة قيصرية.

القيمة المحورية للوثيقة التي كشف عنها العميل السابق في جهاز الاستخبارات البريطانية المشهور بالمستر همفر، تكمن في هذه الغاية السياسية: ضرورة التفكير في مذهب جديد يناقض كلاً من السنة والشيعة معاً.

ولكن لبناء مذهب كهذا لا بد من الاعتماد على آراء من داخل هذا التراث، وأفكار انتجتها عصور الانحطاط والتي تدور حول أكثر الاسلحة فتكاً ألا وهو التكفير، ولذا فإن داعش هي في نهاية المطاف مذهب أو طائفة جديدة تسعى إلى وضع نفسها ضمن موسوعة المذاهب الإسلامية، وهذا يتطلب أن تكون لها دولة، فقفزت مراحل كثيرة وبخلاف الحركات الكثيرة في التاريخ لم تبدأ من دعوة ثم دولة، بل قفزت مباشرة إلى الدولة، وفرضت تعاليمها بقوة الارهاب.. وطبقت حد الردة على المسلمين بقوة السيف، وهكذا حلت إشكالاً فقهياً قديماً، فالإخوان، إذ تحدثوا عن الدعوة، فهم منهم أنها تستبطن تجهيلاً للمجتمع المسلم، إذ لا دعوة في مجتمع المؤمنين، بل الدعوة واجبة في حق الكفار.

أما اليوم فإن داعش تطبق حكم الردة والاستتابة والحرابة، أي تتعامل مع المسلمين كمرتدين، وفكرة الارتداد هذه لها جذر في كثير من الممارسات التاريخية الاسلامية، وعملت التيارات المتطرفة على احيائها وتوسيعها وتعميقها تماماً كالذي قامت به الدعوة الوهابية. وما ارتكبته من مجازر وتقتيل وسبي في المناطق التي اجتاحوها في الجزيرة العربية وخصوصاً في الطائف.

اليوم في أدبيات داعش وأمثالها يكثر الحديث عن المرتدين بناء على ما سمي بحروب الردة ومانعي الزكاة ـ على ما زعم ـ في عهد أبي بكر، وعليها هؤلاء ينبي مواقف أخرى تتعلق بكل أشكال الانحراف والخروج عن التعاليم، وهذا في نظرهم كاف لإحياء تراث الحرب على المرتدين بأقسى أشكال القوة، وهذه الحرب لا تميز بين المسلم وغيره، ففي حروب الردة نقف كما تذكر كتب التاريخ العام على حادثة قطع خالد بن الوليد، وهو قائد ميداني في حروب الردة، رأس الصحابي الجليل مالك بن نويرة كبير قومه ووضع رأسه أثفية لإشعال النار، فيما سبى امرأته ونزى بها، وهو ما شكل موضوع نقاش حاد بين عمر وأبي بكر.

إن التاريخ لا يخلو من صور تستطيع داعش أن تستحضرها إطاراً لكل تأويلاتها وسلوكها العنفي ضد المسلمين، فما فعله معاوية بن أبي سفيان بأصحاب أمير المؤمنين علي عليه السلام من قتله لمالك الأشتر والإمام الحسن عليه السلام، وحجر بن عدي، وكميل بن زياد وميثم التمّار ورشيد الهجري وعمرو بن الحمق الخزاعي، وما فعله ابنه يزيد بالإمام الحسين عليه السلام وأصحابه وسبي نسائه وذراريه، وما فعله الثقفي بن يوسف، والقائمة تطول مما ذكر في التاريخ من إجرام وإبادة.

بالتأكيد لا يجوز تحميل الإسلام الذي يبرأ من كل سلوك مشين مما ذكرت الكتب التاريخية أمثال المؤرخ الطبري، والبلاذري في كتابه (أنساب الأشراف) و (من تاريخ التعذيب في الإسلام) لهادي العلوي، و(تاريخ السلطة العثمانية) للمؤرخ خليل إينا لجيك، مما يندى له الجبين، من صلب وذبح، وسحل وقطع الرؤوس، والاحراق، ودفن الاحياء، مما لم يعهد حتى في الجاهلية الأولى.

بالعودة إلى "أو ليفيه روا" نستطيع أن نعتبر أن البيئة الحاضنة الأولى لتطور هذا الفكر يعود إلى الإسلام السني.

يقول الكاتب العراقي رشيد الخيون إن ما يثير ويلفت نظر كثير من المتابعين لشأن فتاوى التكفير، منذ الدولة العثمانية وما قبلها وما بعدها أن لا فتوى تكفير أو تجريح صدرت من مرجع دين شيعي من النجف الأشرف على وجه الخصوص ضد الآخر.([7])

التداخل التاريخي بين السلفية والوهابية دفع التنظيمات المتطرفة إلى التشبع بثقافة مكافحة التشيع، ولذلك يقول المفكر فرانسيس فوكاياما: إن الصراع الراهن ليس ببساطة صراعاً ضد الارهاب، او الاسلام كدين أو حضارة، ولكنه صراع ضد التطرف، في عدم التسامح، ويجب توجيه لوم قوي على تصاعد الفاشية الإسلامية إلى الحكومة السعودية.([8])

ولا ريب في أن جذور هذا الفكر يمتد عميقاً في داخل المجتمعات الإسلامية بفعل ترسيخه من قبل الجهاز الحاكم لها، وكانت تمارسه حصراً وتترجمه عملياً.

"وإذا قرأنا المجتمع بعيون علم الاجتماع، وراجعنا سجل التاريخ لوجدنا ذلك التاريخ الممزوج بالدم على مستوى السلفية الجهادية أو النسخ المختلفة للتنظيمات الارهابية.."([9])المتعددة، فهي وإن اختلفت في بعض الجوانب إلا أنها تنهل من قعر واحد، فالتنظيمات المسلحة للإخوان المسلمين والتنظيمات الجهادية السلفية جعلت من الاوساط الاجتماعية الإخوانية المزرعة الخصبة لرفد الحركات الراديكالية بما تحتاج، ولا تجد في انتقالها إلى العمل (الجهادي) موانع أيديولوجية أو عقائدية مهمة، ومن الضروري التذكير بأن أهم عناصر حركة أحرار الشام والنصرة، وبدرجة أقل داعش، هم من قدامى، الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين الذين التحقوا بالقاعدة.([10])

أما لبنان الذي ضاق بأهله فهل بإمكانه تحمل أعباء النازحين السوريين لبنان هذا الذي تحمل عبئاً ثقيلاً منذ سنة 1948 عندما استقبل اللاجئين الفلسطينيين ولا يزال، وها هم اليوم أنفسهم الذين ضيعوا فلسطين وأهلها، يعاودون الكرة بالتآمر على السوريين من قبل الرجعية العربية وعلى رأسها حكام آل سعود وهذا ليس بالشيء الجديد عليهم، وكما قال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر فإنهم يصرفون الملايين من الدولارات من أجل السيطرة على سوريا وإخضاعها، لأن سوريا قلب العروبة النابض، ورفضت الانصياع للمتآمرين الذين انفطرت قلوبهم على اليهود المساكين، ولا مانع من إعطاء فلسطين لهم على حد قول المؤسس لنظام آل سعود، ولا مانع من التآمر لاغتيال زعيم العروبة عبد الناصر عندما أراد زيارة دمشق في سنة الوحدة مع مصر كانت الخطة قد اكتملت وتنتظر لحظة التنفيذ حينها أخبر عبد الحميد السراج عن المؤامرة ومحاولة رشوته بالمال لاغتيال جمال عبد الناصر واجهاض الوحدة وقال له واصف كمال: إن الرئيس عبد الناصر سيفضح المحاولة السعودية هذه في خطاب سيلقيه في دمشق.

الواقع المرير الذي تعيشه أمتنا على امتداد وجودها في العالم من الاختلاف والتقاتل واستخدام العنف المفرط غير المبرر وغير المفهوم وهدر الطاقات الهائلة وتبديد الجهود وتشتيتها بشكل لافت يبعث على الغضب، فمن المسؤول عن ذلك؟

انفق آل سعود 80 مليار دولار على التسلح في عام 2014 فقط، ويعجزون بعد أكثر من سنة من عدوانهم البربري عن التغلب على حفنة من أبطال اليمن الفقير.

ما تبثه الدعاية الوهابية بآليتها الاعلامية الهائلة والتمويل الضخم عليها فقط لتصوير الصراع على أنه صراع مذهبي، هذا التفكير المريض المتخلف أصبح اليوم يهدد امكانية استمرارنا الثقافي والسياسي والتاريخي كاملة ـ وهذا هو الخطر الصهيوني كذلك، فصراعنا مع الكيان الصهيوني وجودي بالمطلق لأن وجوده منذ النكبة حتى اليوم يعرقل امكانية تشكيل الجماعة العربية ويشوه واقعنا بالتقسيم وفصل سوريا عن مصر، لا غرابة إذن في أن ينتج هذا الواقع المشوه أداة تدمير ذاتي مثل داعش بديلاً لمشروع أمة بمشروع تاريخي.([11])

إن المسؤول بالدرجة الأولى عما يجري في المنطقة هي الممارسات الوحشية للتنظيمات التكفيرية والاقصائية للخطاب السلفي والإخواني الممول من أنظمة الخليج وأرباب نعمتهم الغربيين، والوقائع تظهر ما أقول بشكل واضح لا يحتمل اللبس أبداً.([12])

تقوم الاستراتيجية الامريكية في منطقتنا على إحداث الفتن واختراع الحروب لتبقى المنطقة جبهة ساخنة بصورة مستمرة، ولتحقيق هذا الغرض يتولى المستشرق برنار لويس بتكليف من البنتاغون ـ وزارة الحرب ـ بإعداد الخريطة البديلة لسايكس بيكو، وافق الكونغرس الامريكي على مشروعه بعد ثلاث سنوات، أي سنة 1983، وفي عام 2005 صرح برنارد لويس أنه أصبح من الضروري تقسيم الدول العربية إلى وحدات عشائرية وطائفية، وعلينا العمل على تفكيك هذه الدول إلى جماعات متناحرة ولا نلتفت إلى خواطر العرب، أي وجب أن لا تكون هناك رحمة في تنفيذ هذا المخطط.

ويعلق برنارد لويس أمله على جملة من الحقائق التاريخية والاستشراقية، فهو يعتقد أن الوضع في المنطقة ينبئ بحروب لن تتوقف أبداً، وحتى مع نضوب النفط في هذه المنطقة ستكون هناك حروب حول المياه..

سوف نجد هذه الروح المتخيلة لبرنارد لويس حاضرة بقوة في نهج داعش التي شكلت أفضل نموذج ينسجم مع فكرة برنارد لويس، ونعتقد أن داعش فكرة تنسجم مع الخيال الأمريكي، ومع فكرة الفوضى الخلاقة انطلاقاً من إيحاء برنارد لويس حيث ستلعب داعش هذا الدور، بعد أن عجز عن إيجاد نموذج داعشي من داخل الإسلام الشيعي، باعتبار أن هذا بات غير وارد نظراً لموقع المرجعية وصعوبة اختراقها وكانت كل مرة تظهر محاولات، لكنها لم تنجح في إيجاد موقع لها داخل العراق.

إن رمي المسؤولية على من يواجه بكل صلابة هذا الوحش المنفلت من عقاله، افتئات ظالم، وكذب وخداع، فإن من استولد التطرف هو قمع الانظمة الاستبدادية العربية لمجتمعاتها، وحول السلطة إلى حقل للتوحش السياسي ضد الفرد والجماعة في آن، وإزاء واقع كهذا خرجت فئات على حقل التوحش السياسي الرسمي، فلجأت إلى تنظيمات الاسلام السياسي المتطرف، وراحت تناهض الانظمة الاستبدادية من داخل حقل تراكب فيه التوحش السياسي مع التوحش الثقافي!

لكن هذا بالطبع لا يلغي سبب الطبيعة التكفيرية الناتجة من التعليم الديني المتشدد أو من القراءة السطحية للنصوص بذهنية جافة وعقلية صحراوية، وقراءة حرفية، ونظرة بائسة وإسقاط النص بطريقة تعسّفية حيث ينتزع النص من سياقه التاريخي والمجتمعي ويتم إسقاطه على سياق تاريخي ومجتمعي مختلف، وهذا ما يجعل الجماعات التكفيرية تشرعن ممارستها الوحشية، وتلجأ إلى التكفير بحق كل ما هو عقلاني وإنساني في الحاضر وفي الماضي.

كذلك يرجع السبب إلى تقاطع أسباب الداخل مع أسباب خارجية تتمثل في الاحتضان الاقليمي والدولي لهذا الاسلام من خلال رفده بكل أشكال الدعم المتاحة بغية تأمين مصالح القوى الداعمة وهي مصالح تقدم للأخيرة الشروط المطلوبة لإدارة مسار الصراع التدميري على الساحة العربية.([13])

كل ما تقدم لا يعني أن هذه الظاهرة غير العابرة بالتأكيد، والتي لها جذورها التاريخية التي مارسها السلاطين وبرعوا في التفنن في أشكال العنف الوحشي ولكن من دون وسائل إعلامية تنقل فظائعها ـ لا يعمل على رعايتها وابقائها تحت السيطرة، وتوظيفها في خدمة مصالحها، كما أكد ذلك ضابط أمريكي ـ بعيداً عن نظرية المؤامرة ـ فهذا يشير بوضوح إلى عمل استخباراتي أممي بطريقة وبأخرى ومباشرة ربما وغير ومباشرة، يعمل على إدامة هذا الصراع التدميري لخدمة مصالحه المتشعبة والتي منها تشويه صورة الإسلام وإظهاره بهذه الصورة الوحشية البشعة: ذبح وحرق وقطع رؤوس وجلد ورجم وسبي وبيع في الأسواق.

وبهذا يظهر أن الفكر التكفيري التدميري الإلغائي، ما دام تحت سيطرة رعاته ويؤدي الدور الوظيفي المحدد له، هو كنز أميركي لا يقدر بثمن.



[1] عباس بوصفوان: الأخبار: 2839

[2] تشابه مصير الوهابية والصهيونية ورأس المال: عادل سمارة: الأخبار: 2676

[3] حلمي موسى: السفير: الاعداد:13355 و 13356

[4] سلام زيدان: التغيير الديموغرافي للتقسيم على أساس طائفي، الاخبار:2484

[5] م ن ص 50

[6] سامي كليب: السفير: 25ـ 4 ـ 2016

[7] د. ياسر عبد الحسين، الحرب العالمية الثالثة، داعش والعراق وإدارة التوحش ص 246

[8] الحرب العالمية الثالثة... ص 244

[9] م.ن

[10] م.ن. ص 153

[11] سيف دعنا: الاخبار: 2681

[12] حسن الخلف: التراث السني هو ببساطة ليس ابناً للصحراء والبداوة: الاخبار: 2883

[13] التكفير بؤس ثقافوي، فؤاد خليل: السفير 16/5/2016

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2017/01/07   ||   القرّاء : 704


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 هيئة علماء بيروت تدين قرار ترامب اعتبار القدس عاصمة للاحتلال

 هيئة علماء بيروت تدين العمل الارهابي في العريش

 هيئة علماء بيروت تتقدم بالعزاء بضحايا الزلزال في إيران

 هيئة علماء بيروت تدين بيان الجامعة العربية بحق المقاومة

  مصيبةُ الإمامِ الحسين (عليه السلام) ابكت كلُّ الوجودِ

  . لماذا ثار الإمام الحسين(عليه السلام)؟

  العباس بن علي عطاء وإيثار

  الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) يرفض البيعة ليزيد ويخرج ثائرا

  إحياء أمر أهل البيت(عليهم السلام)

  الأبعاد المعنوية في شخصية الإمام الحسين عليه السلام

 

مواضيع عشوائية :



 من حكم أمير المؤمنين علي (ع) في نهج البلاغة حول العلم والعلماء

 فضل يوم الغدير

 نصر الحرية

 معاني العدل

 المنشأ النفسي والاجتماعي لظاهرة العنف

 الديمقراطية والإستغلال السياسي

  من يتحدث باسم الإسلام؟

 الشهداء القادة

 إستراتيجية المقاومة الشاملة.. خيار أم ضرورة؟

 هيئة علماء بيروت تستنكر تصرفات "مجلس التعاون الخليجي "تجاه المقاومة

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 749

  • التصفحات : 2343327

  • التاريخ : 11/12/2017 - 07:45

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net