هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (62)
---> عاشوراء (59)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (12)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (112)
---> قرانيات (54)
---> أسرة (20)
---> فكر (91)
---> مفاهيم (114)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : قرانيات .

              • الموضوع : مع سُورة آل عِمْران في خطوطها العامة .

                    • رقم العدد : العدد الثامن عشر .

مع سُورة آل عِمْران في خطوطها العامة

 

 


مع سُورة آل عِمْران في خطوطها العامة

إعداد: الشيخ سمير رحال

هذه السورة هي السورة الثالثة من سور القرآن الكريم في ترتيب المصحف، وهي سورة مدنية وهي معروفة بسورة «آل عمران»
وقد جاء ذكر عمران في هذه السورة مرتين في آيتين متتاليتين: «إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم   وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. إذ قالت امرأة عمران: رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل منى إنك أنت السميع العليم» وعمران الذي سميت السورة بآله  هو أبو مريم لا أبو موسى وهارون وكان بين العمرانين فيما يقول الرواة أمد طويل.
و أسماء السور في القرآن الكريم تشير إلى أهم أو أغرب ما اشتملت عليه السورة، ونحن إذا قرأنا السورة من أولها إلى آخرها لا نجد فيها شيئا غريبا أو هاما يتعلق بخصوص موسى وهارون، ولكن أبرز ما فيها وأغرب شؤونها، هو ما عنيت بتفصيله من شأن عيس وأمه، وهما من آل عمران.
النزول
روى المحدّث الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن الإمام جعفر الصادق Q، قال: إن نصارى نجران لما وفدوا على رسول اللّه P- وكان سيّدهم الأهتم والعاقب والسيّد- وحضرت صلواتهم، فأقبلوا يضربون الناقوس وصلّوا، فقال أصحاب رسول اللّه P: يا رسول اللّه، هذا في مسجدك؟ فقال P: دعوهم. فلمّا فرغوا دنوا من رسول اللّه P فقالوا: إلا م تدعو؟ فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأني رسول اللّه، وأن عيسى Q عبد مخلوق يأكل ويشرب ويحدث، قالوا: فمن أبوه؟ فنزل الوحي على رسول اللّه P فقال: قل لهم: ما تقولون في آدم، أ كان عبدا مخلوقا يأكل ويشرب ويحدث وينكح؟ فسألهم النبي P، فقالوا: نعم. قال: فمن أبوه؟ فبهتوا، فأنزل اللّه: }إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ الآية، وقوله: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إلى قوله: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ{.
فقال رسول اللّه P: فباهلوني، فإن كنت صادقا أنزلت اللعنة عليكم، وإن كنت كاذبا أنزلت عليّ. فقالوا: أنصفت، فتواعدوا للمباهلة، فلمّا رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم السيد والعاقب والأهتم: إن باهلنا بقومه باهلناه فإنه ليس نبيا، وإن باهلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله، فإنه لا يقدم أهل بيته إلا وهو صادق. فلمّا أصبحوا جاءوا إلى رسول اللّه P ومعه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين R، فقال النصارى: من هؤلاء؟ فقيل لهم: هذا ابن عمّه ووصيّه وختنه علي بن أبي طالب Q، وهذه ابنته فاطمة O، وهذان ابناه الحسن والحسين عليهما السّلام، ففرقوا فقالوا لرسول اللّه P: نعطيك الرضى فاعفنا من المباهلة، فصالحهم رسول اللّه P على الجزية وانصرفوا» .
وقد اتفق أرباب التواريخ أن إرسال رسول اللّهP الرسل والكتب إلى الملوك والرؤساء كان في السنة السادسة من الهجرة، ويلزم ذلك أن هذه الآية الشريفة- قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ- نزلت في تلك السنة أو قريبا منها، لأن الكتب كانت مشتملة على هذه الآية الشريفة.
و لكن اختلف أهل التاريخ في وفد نصارى نجران، فمنهم من قال أنهم وفدوا على رسول اللّه P في السنة العاشرة من الهجرة، ومنهم من قال: بأنهم وفدوا سنة تسع من الهجرة، ويلزم من ذلك الاختلاف في وقت نزول الآية الشريفة.
و يمكن القول بأن الإعتبار يشهد بأن رسول اللّهP قد كتب إلى نصارى نجران أيضا في السنة التي كتب إلى الملوك والرؤساء، لأنهم كانوا اقرب إليه من غيرهم. فيكون ما ذكره المفسرون في شأن نزول هذه الآية الشريفة من باب الجريان والتطبيق ويمكن أن تكون الوفود متعددة فتارة وفدوا في سنة ست، وأخرى في سنة تسع أو عشر من الهجرة .
وقال في الظلال: أن الموضوع الذي تعالجه هذه الآيات، وطريقة علاجها له، كلاهما يرجح أن هذه الآيات نزلت مبكرة في السنوات الأولى للهجرة ومن ثم  فنحن أميل إلى اعتبار ما ورد في هذه السورة من حجاج وجدل مع أهل الكتاب، ونفي للشبهات التي تضمنتها معتقداتهم المنحرفة، أو التي تعمدوا نثرها حول صحة رسالة النبي P  وحقيقة عقيدة التوحيد الإسلامية، وكذلك ما اقتضاه كيد أهل الكتاب من تحذير للجماعة المسلمة وتثبيت  نحن أميل إلى اعتبار هذا كله غير مقيد بحادث وفد نجران في السنة التاسعة؛ وأنه كانت هناك مناسبات أخرى مبكرة هي التي نزل فيها هذا القرآن من هذه السورة .
و على أية حال فإن احتمال نزول هذه الآيات في وفد نجران متعلق باحتمال أن الوفد قدم قبل الحديبية. فإذا صح هذا صح ذلك.  أما إذا اعتمدنا الروايات الكثيرة عن توقيت قدوم وفد نجران عام الوفود في السنة التاسعة، فإننا نجد أنفسنا مضطرين للفصل بين هذه الآيات والمناسبة التي تذكر الروايات أنها نزلت فيها .
نزول دفعي او تدريجي؟
في المجمع: قال الكلبي ومحمد بن إسحاق والربيع بن أنس نزلت أوائل السورة إلى نيف وثمانين آية في وفد نجران وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله P.... .
وقال السيد  العلامة في  الميزان: ويشبه أن تكون هذه السورة نازلة دفعة واحدة فإن آياتها وهي مائتا آية - ظاهرة الاتساق والانتظام من أولها إلى آخرها، متناسبة آياتها، مرتبطة أغراضها .
وكذلك يقول السيد السبزواري في تفسيره: ومن وحدة الأسلوب والغرض يستفاد أنها نزلت دفعة واحدة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، وقد أعدّ العدّة لمواجهة الأخطار المحدقة بالدين من المشركين وأهل الكتاب.
و يلاحظ على ما ذكره المفسر الجليل، أن دراسة أغراض السورة وموضوعاتها المتنوعة، توحي بأن هناك أكثر من قضية كانت تواجه المسلمين في تلك المرحلة مما يؤدي إلى أن تتعدد حالات النزول لمعالجة كل قضية في وقتها، لأن الطريقة التي درج عليها الوحي كانت جارية على تربية المسلمين بالوحي....  ولا نجد في الاتساق والانتظام دليلا على الدفعية في النزول، لإمكان تحقق ذلك حتى مع التدرّج فيها، بحيث تتكامل الآيات في تنظيم السورة بعد ذلك .
ويمكن أن نضيف إلى ذلك أولا: أن ذلك مجرد استظهار لا دليل على صحته وما ذكره لا يقوم دليلا على ما ذكر كما تقدم في الملاحظة السابقة.
وثانيا: ما ذكره في المجمع يرد ذلك ولو كان ذلك حاصلا لذكره وإنما اكتفى بالآيات البضع والثمانين الأولى. وقد يكون ما ذكره عن  الكلبي وغيره مجرد اجتهاد منهم او من باب الجري والتطبيق.
محور السورة
قبل  الدخول في تحديد محور السورة لا بد من تقرير الحقيقة التالية وهي ان محور القرآن الكريم هو التوحيد ومقتضيات هذا التوحيد من التوجه اليه تعالى وحده بالطاعة والعبادة وهذا ما اجتمعت عليه كلمة الانبياء والمرسلينQ  وصرح بذلك القرآن الكريم في جملة من آياته كما في قوله تعالى: }ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله  واجتنبوا الطاغوت.....{  (النحل: 36) بل في سورة هود حديث عن جملة من الانبياء ودعواهم  وتكرار للآية الكريمة على لسانهم } قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره{ الآيات (50- 61- 84) وغير ذلك من الآيات في سور متعددة منها السورة مورد كلامنا حيث ورد قوله تعالى دعوة لأهل الكتاب الى كلمة سواء }قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{ (آل عمران: 64).
  وكل ما عدا هذه الغاية المرتجاة انما هو في خدمة هذا  السبيل , فإنه وان تعددت القضايا المبحوثة في ثنايا كتاب الله من قصص وأحداث وأمثال وتقرير لمعارك المسلمين وأحكام وتوجيهات الا انها كلها تصب في بحر هذا الهدف الراقي أو فقل ان موضوع القرآن الكريم هو الانسان والهدف هو إيصاله الى معرفة الله تعالى بصفاته ومنها بشكل أساس توحيده  وبأفعاله وابتناؤها على اساس العدل  وسوق الانسان الى الالتزام بمقتضيات هذه المعرفة الذي يلخصه الكمال على مستوى العلم والعمل والحسن الفعلي والفاعلي.
وهذا المحور العام للقرآن الكريم عامة هو عينه محور لكل سوره ومن جملتها سورة آل عمران فهي افتتحت بالآية:  }اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ{ (آل عمران: 2) بعد الحروف المقطعة(الم ) التي  يمكن أن يستدلّ بها على وحدة المعبود، بأن يقال إنه لا بد أن يكون حيّا قيوما، والحيّ القيوم منحصر في واحد عقلا ونقلا، فالمعبود منحصر بواحد كذلك فالمحور الأصلي لسورة آل عمران مع التوجه إلى فضاء نزول السورة وآياتها هو التوحيد (فالسورة مشغولة بموضوع واحد من البدء إلى النهاية: معركة لا إله إلا الله يحاربونها بكل الوسائل الحسية والمعنوية والمادية والروحية، بالمال والسلاح، وبالدعاية المغرضة، وبالتشكيك في قيمها ومبادئها وأصولها، ويحاربونها بمحاولة زلزلة المؤمنين عن عقيدتهم، لأنهم يكرهونها ويحسدون أهلها.
 تحدث المؤمن عن طبيعة المعركة ومجالاتها، وعن أعداء لا إلى إلا الله ودافعهم لهذه العداوة، وعن الوسائل التي يتخذونها ضده وضد دعوته والواجب تجاه ذلك كله.
تجول ما بين اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين وهم الأعداء الأربعة، ما بين معركة الجدل ومعركة السلاح.. ما بين النصر والهزيمة، ما بين القضاء والقدر مسؤولية البشر.. ما بين قصص الماضي وقصص الحاضر.. وما بين الأرض والسماء ومحتوى الآيات الغرر في هذه السورة هو التوحيد
آية (1- 2) الم. الله لا اله إلا هو الحي القيوم
آية (18) شهد الله انه لا  اله إلا هو ...
آيات (26- 27) قل اللهم مالك الملك ...
آيات (190 - 195) إن في خلق السماوات والأرض....
محاور السورة
تدور السورة حول محورين وقبل الدخول في تبيان هذين المحورين كانت البداية وافتتاح هذه السورة بهذه الآية المباركة الجامعة لجميع صفات الجلال والجمال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ  والحيّ والقيوم من أعظم الأسماء الحسنى والمراد بالقيوميّة فيه عزّ وجلّ مديريّته ومدبريته وتربيته العظمى لجميع عوالم الممكنات، قيوميّة حياة تستلزم العلم والقدرة والهيمنة والإحاطة، لا أن تكون قيوميّة فاقدة للشعور   والحياة، كما في الأسباب الطبيعيّة التكوينيّة  ومادام هو القيوم القائم بالأمر والمتولي لشؤون خلقه فلابد أن يؤدي لهم مطلوبات مادتهم وما يبقيها، ومطلوبات قيمهم وما يبقيها.
 أما مطلوبات المادة فيقول فيها:
} وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ{(فصلت: 10).
وأما مطلوبات القيم فقال سبحانه: }نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ  والإنجيل..{
فهذا الكتاب موسوم بجملة من الصفات:
فالباء  في (بالحق) إما في موضع الحال، أو للمصاحبة، أي: حال كونه بالحقّ أو مصاحبا له لا يفارقه، ولا تعتريه شبهة، ولا يطرأ عليه الباطل في جميع شؤونه }مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ{ فمعنى ذلك أن القرآن يوضح المتجه؛ إنه مصدق لما قبله ولما سبقه، إنه مصدق للقضايا العقدية الإيمانية التي لا يختلف فيها دين عن دين؛ لأن الديانات إن اختلفت فإنما تختلف في بعض الأحكام، فهناك حكم يناسب زمنا وحكم آخر لا يناسب ذلك الزمن. أما العقائد فهي لا تتغير ولا تتبدل.
كما وصف الكتب الثلاثة بأنها هدى وانه فرقان والفرقان: ما يفرق بين الحقّ والباطل والمراد به هنا القرآن الكريم، فهو باعتبار وجوده الجمعي يسمّى قرآنا، وباعتبار تفرقته بين الحقّ والباطل يسمّى فرقانا، وباعتبار إرشاداته يكون نورا، وباعتبار كونه أساسا للعمل والحكم بالعدل يسمّى ميزانا، وتختلف أسماؤه الشريفة باختلاف صفاته المباركة .
 والقرآن مع اتصافه بهذه الصفات الكمالية لا بد للناس من الاهتداء بهديه والعمل بتعاليمه وإرشاداته ليهديهم سبل السلام  والأمن في الدنيا والآخرة ومن يعرض فان له معيشة ضنكا وفي الآخرة عذاب اليم. 
كما لا بد من الاستفادة من القرآن الكريم بالطريقة الصحيحة التي يكون معها الاهتداء  وقد بينت هذه السورة المباركة في بداياتها اشتمال القرآن على صنفين من الآيات لا يتم الاهتداء بهما إلا من خلال إدراك العلاقة بينهما ومن خلال التدبر وابتغاء الحق لا الفتنة  كما قال تعالى: }هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ{
نعود إلى محوري السورة وهما:
المحور الأول: مسألة الألوهية وإنزال الكتب وما يتعلق بها من أمر الدين والوحي والرسالة  وحوار مع أهل الكتاب وجدال معهم حول ما يعتقدون وإبطال لما يتمسكون.
ويمكن إجمال هذا المحور بالتالي: جادل القرآن أهل الكتاب بالعقل والمنطق، ثم دعاهم إلى المباهلة، ثم إلى كلمة سواء، وهي الإيمان باللّه وحده، ثم استأنف القرآن جدال أهل الكتاب من جديد، وعاد الى ما كان عليه أولا، كعادته من التعرض للشي‏ء، ثم الانتقال إلى غيره، ثم الرجوع اليه.. عاد إلى أهل الكتاب، وذكر بعض أقوالهم وأبطلها، ذكر قول اليهود: إن إبراهيم كان يهوديا،  وقول النصارى انه كان نصرانيا، ورد هذا الزعم بالبديهة، لأن اليهودية حدثت بعد موسى، وبينه وبين إبراهيم ألف سنة، والنصرانية حدثت بعد عيسى، وبينه وبين إبراهيم ألفا سنة، كما جاء في تفسير روح البيان، فكيف يكون السابق على دين اللاحق }أَفَلا تَعْقِلُونَ{ .
وضمن هذا المحور تعرض للقضية الأصيلة التي يركز عليها سياق السورة وهي: قضية التوحيد. توحيد الألوهية وتوحيد القوامة. ونفي فكرة الولد والشريك.
فانه لما ثبت أن الإله يجب أن يكون حياً قيوماً، وثبت أن عيسى ما كان حياً قيوماً لأنه ولد، وكان يأكل ويشرب ويحدث، والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه، فثبت أنه ما كان حياً قيوماً  وذلك يقتضي القطع والجزم بأنه ما كان إلها، فهذه الكلمة وهي قوله }الحي القيوم{ جامعة لجميع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى في التثليث .
وقوله تعالى: }نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق{ (آل عمران: 3) يجري مجرى الدعوى، ثم إنه تعالى أقام الدلالة على صحة هذه الدعوى، فقال: وافقتمونا أيها اليهود والنصارى على أنه تعالى أنزل التوراة والإنجيل من قبل هدىً للناس، فإنما عرفتم أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان، لأنه تعالى قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قول المحق وقول المبطل والمعجز لما حصل به الفرق بين الدعوى الصادقة والدعوى الكاذبة كان فرقاً لا محالة، ثم أن الفرقان الذي هو المعجز كما حصل في كون التوراة والإنجيل نازلين من عند الله، فكذلك حصل في كون القرآن نازلاً من عند الله وإذا كان الطريق مشتركاً، فإما أن يكون الواجب تكذيب الكل على ما هو قول البراهمة، أو تصديق الكل على ما هو قول المسلمين، وأما قبول البعض ورد البعض فذلك جهل وتقليد.(التفسير الكبير للفخر الرازي - بتصرف يسير)
كما تتناول  الآيات حقيقة عيسى - Q –
وقد ذكرت قصة عيسى Q  مفصلة في هذين الموضعين في القرآن (آل عمران ـ مريم) ولا تأتي في غيرهما إلا بنحو الإشارة العابرة كما في سورة النساء ـ سورة المائدة ـ سورة الأنبياء ـ الزخرف
والقصة تمهد للجدل مع أهل الكتاب وهناك غرضان
-  بيان خط الاصطفاء الرباني من أول آدمQ حتى يصل إلى آل عمران تمهيداً لإصطفاء مريم فعيسى Q
 - بيان أن المعجزة في عيسىQ ليست مفردة في التاريخ، فقد سبقتها معجزة آدم Q وأنه بشر ممن خلق وأنه واحد من سلالة الرسل، شأنه شأنهم  وطبيعته طبيعتهم وعقب على القصة بقوله  (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن  فيكون) ولقد كان النصارى، وما زالوا يحتجون لعقيدتهم بربوبية عيسى انه نشأ من غير أب.. وقد قطع اللّه حجتهم هذه، وأبطلها بآدم، فإن كان عيسى إلها أو ابن إله لأنه من غير أب فبالأولى أن يكون آدم كذلك لأنه من غير أب وأم.. 
والقضية الثانية التي تنشأ من القضية الأولى في سياق السورة كله هي قضية حقيقة الدين وأنه الإسلام  ومعنى الإسلام وأنه الإتباع والاستسلام. قال تعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ»
وقال تعالى }وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ{ (الآية 85).
وقد وصف اللّه سبحانه جميع الأنبياء بالإسلام في العديد من الآيات
قال تعالى في إبراهيم ويعقوب: }وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ. وَ لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا.   وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ.. وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ{ (البقرة: 133).
و قال عن موسى: }وَ قالَ مُوسى‏ يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ{ (يونس: 84).
و قال عن أمة عيسى: }وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَ اشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ{ (المائدة: 111).
فالذي جاء به الأنبياء من عند اللّه هو الإسلام   والتنوع والاختلاف إنما هو في الفروع والأحكام، لا في أصول العقيدة والإيمان.
وإذا كان الدين واحدا , فكذلك الكتب المنزلة فإنها على تعددها مجتمعة على دعوة واحدة فهي تشترك في أصول المعارف الإلهية التي منها الدعوة إلى المبدأ جلّ جلاله وتوحيده ونفي الأضداد والأنداد، ومنها المعاد والعدل الإلهي، والترغيب إلى رحمة الرحمن والتحذير من الشيطان وعداوته للإنسان، ومن عذاب اللّه تعالى، كما تذكر قصص الأنبياء وما لاقوه من الظالمين في جنب اللّه كما أنها تشترك في بيان مكارم الأخلاق وتشترك في بيان المستقلّات العقلية، كسن الإحسان وقبح الظلم  إلا أنها تختلف في بعض الفروع العملية الذي يقتضيه السير التكاملي الإنساني الذي تنوط به المصالح التشريعية، وهذه كلّها أصول نظام التشريع التي لا بد وأن تجمعها جميع كتب السماء .
وفي هذا المحور ذكر لبعض انحرافات أهل الكتاب فتذكر كثيراً من أساليب إضلالهم، وألوان شبههم التي كانوا يعززون بها مراكزهم، ويحاولون بها فتنة المؤمنين عن دينهم حسداً وبغياً .
فمن فنون حيلهم أنهم
1- كانوا يعمدون إلى الحق الذي جاء به الأنبياء ونزلت به الكتب، فيخلطونه بالباطل قال تعالى:
}يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ{ (71)
. ولبس الحق بالباطل ستره وتغطيته بالباطل بإلقاء الشبهات عليه وتمويهه وخلطه بالباطل والمراد بالحق الحقائق والمعارف الإلهية، منها البشارة بنبوة النبي P  وغير ذلك مما أنزله اللّه تعالى على الأنبياء السابقين وأخبروا به أممهم.
2ـ ومنها إذاعتهم أن إبراهيم كان على دينهم، ومحاولة صرف الناس عن محمد بذلك، وفي هذا يقول تعالى «يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده».
3ـ ومنها أن بعضهم كان يوحي إلى بعض أن يظهروا الإيمان بمحمد، وما أنزل عليه في وقت، ثم يظهروا العدل عنه والكفر به في وقت آخر، ليقول الناس إنه لو كان حقا ما رجع عنه هؤلاء بعد أن آمنوا به
و في ذلك يقول تعالى: } وقالت طائفة من أهل الكتاب: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون{. 
4- لي ألسنتهم بالكتاب
قال تعالى: }وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ{
و المراد بـ (لي ألسنتهم) صرف الكلام عن معناه إما بالتحريف، أو بالقراءة بلحن خاص. وقد بين سبحانه  وتعالى ذلك في موضع آخر قال عز وجل: }مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنا وَ عَصَيْنا وَ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ راعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي الدِّينِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا وَ اسْمَعْ وَ انْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَقْوَمَ{ (النساء- 46).
ويستفاد من هذه الآية أن المراد من الفريق في المقام هم اليهود خاصة
 والغرض من هذا  اللي الإيهام بأن الكلام يشابه كلام اللّه تعالى وما هو من كلام اللّه }لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ   وَ ما هُوَ مِنَ الْكِتابِ{ ولا يكتفون بالتعريض والإيهام فقط، بل يصرحون بأن ما حرفوه هو من عند اللّه نازل منه عز وجل  بل كما قال تعالى }وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{  فتحريفهم للكتاب كان عن عمد   وإصرار منهم، وفيه الإشارة إلى أن الكذب من دأبهم وعادتهم .
 وقد سجل اللّه على أهل الكتاب أنهم حرّفوا كلام اللّه وسجل ذلك عليهم في العديد من الآيات، منها: }تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً{ (الأنعام:91 )، ومنها: }.. يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{ (البقرة: 75) . ومن اطلع على التوراة جزم بأنها افتراء على اللّه، حيث نسبت إليه تعالى الأكل والمصارعة، كما نسبت إلى الأنبياء السكر والخمر والزنا ببناتهم.
و اختلف المفسرون في نوع التحريف المراد بهذه الآية على أقوال، فقال بعضهم إن المراد بالتحريف هنا تحريف التفسير، وإعطاء اللفظ معنى غير المعنى المراد منه، وضرب مثلا على ذلك بلفظ (أبانا الذي في السماء) الذي جاء على لسان السيد المسيح فإن المراد منه رأفة اللّه ورحمته بعباده،ففهموا  بأن اللّه أب حقيقي لعيسىQ
ومن شبههم.
أنهم كانوا يقولون: لو كان هؤلاء على ملة إبراهيم والنبيين من بعده ـ كما يزعمون ـ لما احلوا ما كان محرما من حيوان أو طعام، ولاتجهوا في صلاتهم إلى قبلة الأنبياء جميعا وهي بيت المقدس.
 فترد عليهم السورة في هاتين الشبهتين فتقول:
كل الطعام كان حلا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين...
  أي أن إبراهيم ومن جاء بعده لم يحرموا لحوم الإبل وألبانها، بل كل الطعام كان حلا لهم.. واليهود كاذبون مفترون في نسبة التحريم إلى أنبيائهم.
 }إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى‏ نَفْسِهِ{. وهو يعقوب بن اسحق بن إبراهيم، وكان قد امتنع من تلقائه عن بعض الأطعمة، لسبب يعود إليه خاصة، ولم يمتنع عنه، لأن اللّه قد حرمه.. ولكن جرت سنة بني إسرائيل على إتباع أبيهم في تحريم ما كان قد حرمه هو على نفسه.. وكان ذلك }مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ{ ذكر اللّه سبحانه هذا القيد، لأنه قد حرّم عليهم أنواعا كثيرة بعد التوراة بسبب الذنوب التي اقترفوها، كما أشارت (الآية 160 من النساء) .
وبخصوص الشبهة الثانية يجيب تعالى: }إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ (96) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً...{ (97)
فرد عز وجل عليهم وأنكر هذه الشبهة بإثبات المنزلة العظيمة والشأن الكبير لبيت اللّه الحرام والسبق الزماني له على بيت المقدس، وجعل الآية على ذلك انه مبارك وان فيه مقام ابراهيمQ بخلاف بيت المقدس الذي لم  يحدث إلا بعد ابراهيمQ  .   
وفي هذه  السورة كذلك حديث عن اليهود والنصارى والاختلاف بينهم ورد على معتقدات اليهود والنصارى وإبطال لدعاواهم الباطلة في مختلف اعتقاداتهم  ومن ذلك ما يدعونه في شأن الانبياء كابراهيم وعيسى Q.
وقد أرسل اللّه محمدا P للناس كافة، أما عيسى Q، وهو إسرائيلي، فإنه أرسل إلى قومه محتجا على صدق نبوته بأن لديه معجزة تدل على انه مرسل إليهم من اللّه، وهذه المعجزة هي قوله
}أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى‏ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ{.
فهذه أربع  معجزات مكررا أنه قد فعلها بإذن اللّه، ليسد الباب على كل متوهم للربوبية لعيسى وقد كذّبوا السيد المسيح، وحاولوا قتله }فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى‏ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ{.وقد  كان اليهود قبل ميلاد عيسى يؤمنون بالمسيح المنتظر، فلما جاءهم بالبينات والمعجزات اختلفوا فيه  فأحس عيسى من قومه الإصرار على الكفر والعناد، ولاقى منهم الشدائد، تماما كما لاقى محمد P من قومه، وعندها قال عيسى  مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ...  فاليهود مكروا بتواطئهم على قتل عيسى، ولكن اللّه سبحانه أبطل مكرهم، حيث ألقى شبه عيسى على يهوذا الذي حرض على قتله، ورفع عيسى إلى السماء .
وكان النصارى، وما زالوا يحتجون لعقيدتهم بربوبية عيسى انه نشأ من غير أب.. وقد قطع اللّه حجتهم هذه، وأبطلها بآدم، }إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ{ فإن كان عيسى إلها أو ابن إله لأنه من غير أب فبالأولى أن يكون آدم كذلك لأنه من غير أب وأم.. وما أجابوا عن هذا النقض.   
  وتأكيدا للحجة على المعاندين، وإظهارا لحقيقتهم لدى النبي، والناس أجمعين قال تعالى:
}قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{ (64)
يا محمد دع جدالهم ومباهلتهم، واسلك معهم هذا المنهج الذي يشهد كل ذي لب انه العدل والحق.. بل انه البديهة والضمير والوجدان، وذلك أن تدعوهم الى ما أقره العقل والكتب السماوية بكاملها، وهو أن تستووا جميعا في عبادة اللّه وحده لا شريك له.. لا يعبد بعضكم بعضا، ولا يعلو بعضكم على بعض، وهذه هي كلمة سواء فإن لم يقبلوا، حتى هذه البديهة، وأبوا إلا الشرك والعناد فأعرض عنهم، وقل لهم أنت ومن آمن بك }اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{.
وبهذه المناسبة يذكر حقيقة الصلة بين موكب الرسل المتتابعة.. وهي عهد الله عليهم أن يسلم السابق منهم للاحق وينصره:    } وإذ أخذ الله ميثاق النبيين: لما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال: أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري؟ قالوا: أقررنا. قال: فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين{
وهذا الميثاق يقضي بأن يتولى الرسل بلاغ الأمم التي بُعِثوا إليها، وأن يُبلغ أهلُ الإيمان القادمين من بعدهم بأن هناك رسولا قادما من عند الله بالمنهج الكامل. - واليهود - لم يأتوا إلى يثرب إلا على أمل أن يتلقفوا النبي المنتظر ليؤمنوا به، ولكن }فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ{ (البقرة: 89).
فباؤوا بغضب الله وختم الله على قلوبهم }ذالِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ{ لقد أرسل الله لهم آيات عجيبة ولكنهم كفروا بها وقاموا بقتل الأنبياء بغير حق. وادعوا الكذب على أنبيائهم وقتلوهم، وفي شأنهم يقول الحق: }ذالِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ{ فكَاَنَ العصيانُ سبباً لأن تُضرب عليهم الذلة، وأن يبوءوا بغضب من الله، وأن تُضرب عليهم المسكنة، وكل ذلك ناشئ من فعلهم.
}فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً{(النساء: 160).
ثم يعرض تعالى لنموذجين من نماذج أهل الكتاب في التعامل والتعاقد فيقول مقررا ذلك:}ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً. ذلك بأنهم قالوا: ليس علينا في الأميين سبيل، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون{.
فإذا كان بعض أهل الكتاب أباحوا لأنفسهم استحلال أموال المسلمين كما استحلوا نقض العهد مع غيرهم، وأباحوا لأنفسهم سلب حقوق الناس، ونهب أموالهم، والخيانة معهم، وقد أوعدهم سبحانه وتعالى سوء الخاتمة، وأشد العذاب والحرمان من رحمته عز وجل جزاء كذبهم وافترائهم على اللّه تعالى ولكن القرآن الكريم في آيات لاحقة اشار  إلى أنَّ هناك من أهل الكتاب فئة مؤمنة استطاعت أن تتحرر من العقدة اليهودية التاريخية ضدَّ الرسالات، ولكنَّها فئة قليلة، وذلك قوله تعالى: }ليسوا سواء من أهل الكتاب{. وفي هذه الآية حديث عن خصائص هذه الفئة وعن الامتيازات التي يمنحها اللّه لها في مقابل الفئة الأخرى المتمرّدة الكافرة: }أمَّةٌ قائمةٌ يتلون آيات اللّه آناء الليل وهم يسجدون{(الآية: 113). }يؤمنون باللّه واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويُسارعون في الخيرات{ (الآية: 114) ويُضيف القرآن إلى ذلك الصفة التي تعتبر كالنتيجة الطبيعية لهذه الأعمال: }وأولئك من الصَّالحين{ }وما يفعلوا من خيرٍ فلن يكفروه واللّه عليمٌ بالمتَّقين{ (الآية: 115).
  إنه الإنصاف الذي  يجري عليها القرآن الكريم في وصف حال أهل الكتاب فإن أهل الكتاب، ككل أمة، فيهم الخبيث والطيب، والمحسن والمسيء، ومحب الخير ومحب الشر، نرى القرآن في مثل هذا المقام يقصد في حكمه، ويعبر التعبير المتزن الذي يفتح للمسلمين باب التعامل مع أهل الكتاب، ويصدر الحكم في التحذير منهم جزئياً لا كلياً، أنظر إلى قوله تعالى: (ودت طائفة من أهل الكتاب). (وقالت طائفة من أهل الكتاب) (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا مادمت عليه قائما). (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه). (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب) (ليسوا سواء) .
المحور الثاني
من معركة الجدل والمناظرة، والبيان والتنوير، والتوجيه والتحذير - فيما سبق من السورة - ينتقل السياق إلى المعركة في الميدان.. معركة أحد..
وغزوة أحد لم تكن معركة في الميدان وحده؛ إنما كانت معركة كذلك في الضمير.. كانت معركة ميدانها أوسع الميادين. لأن ميدان القتال فيها لم يكن إلا جانباً واحداً من ميدانها الهائل الذي دارت فيه.. ميدان النفس البشرية، وتصوراتها ومشاعرها، وأطماعها وشهواتها، ودوافعها وكوابحها، على العموم..
لقد انتهت المعركة في ميدان الأرض، ليبدأها القرآن في ميدانها الأكبر: ميدان النفس، وميدان الحياة الشاملة للجماعة المسلمة.
ولعل مما يلفت النظر في التعقيب القرآني على أحداث المعركة هو ذلك الازدواج العجيب بين استعراض مشاهدها ووقائعها، والتوجيهات المباشرة على هذه المشاهد والوقائع.. وبين التوجيهات الأخرى المتعلقة بتصفية النفوس، وتخليصها من غبش التصور، وتحريرها من ربقة الشهوات، وثقلة المطامع، وظلام الأحقاد، وظلمة الخطيئة، وضعف الحرص والشح. والرغبات الدفينة.
فهذه التوجيهات الشاملة ليست بمعزل عن المعركة. فالنفس لا تنتصر في المعركة الحربية إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية والأخلاقية والنظامية.
ولا قيمة ولا وزن في نظر الإسلام للانتصار العسكري أو السياسي أو الاقتصادي؛ ما لم يقم هذا كله على أساس المنهج الرباني، في الانتصار على النفس، والغلبة على الهوى، والفوز على الشهوة.
وحين تخلص النفس من حظ ذاتها في ذاتها، ومن مطامعها وشهواتها، ومن أدرانها وأحقادها، ومن قيودها وأصفادها، وحين تفر إلى الله متحررة من هذه الأثقال والأوهاق. وحين تنسلخ من قوتها ومن وسائلها ومن أسبابها، لتكل الأمر كله إلى الله، بعد الوفاء بواجبها من الجهد والحركة. وحين تحكم منهج الله في الأمر كله، وتعد هذا التحكيم هو غاية جهادها وانتصارها. حين يتم هذا كله يحتسب الانتصار في المعركة الحربية أو السياسية أو الاقتصادية انتصاراً في ميزان الله. وإلا فهو انتصار الجاهلية على الجاهلية، الذي لا وزن له عند الله ولا قيمة!
نداءات للمؤمنين
وفي جو  هذه المواقف كلها وجَّهت السورة جملة نداءات للمؤمنين، ترشدهم فيها إلى ما يحفظون به أنفسهم من التأثر بحيل أعدائهم وخصومهم، ويركزون به وحدتهم، ويصونون كتلتهم، ويبقون به على شخصيتهم كأمة قوية متماسكة، لا يتسرب إليها شيء من عوامل الضعف والانحلال، لا من داخلها، ولا من خارجها.

كان أول هذه النداءات هو قوله تعالى
}يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم كافرين....{ (آية: 100).
كثيراً ما كشف القرآن الكريم عن نيات الكفار وأهل الكتاب للمؤمنين، وأنهم لا يألون جهدهم في ردهم عن الإيمان وأنهم كانوا يتخذون لذلك صورا وألواناً من الشبُّه وإثارة الفتن والإيقاع بينهم ثم يذكر الله للمؤمنين أن لديهم ما يعصمهم من ذلك كله بالرجوع إلى آيات الله، والى رسوله،والتمسك بهما هو الاعتصام بالله الذي جعله الله وقاية من الضلال والهلاك، وسبيلا إلى النجاة والهدى (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) ثم جاءت الآية الثانية تشرح لنا سبيل هذا الاعتصام، وفي هذا السبيل أوصت بأمور: تقوى الله حق تقاته - الاعتصام بحبل الله  - ذكر نعمة الله في تأليف قلوبهم بعد العداوة  - الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر  - الحذر من الوقوع فيما وقع فيه السابقون من التفرق والاختلاف بعد مجيء البينات.
هذا هو ما تضمنه النداء الثاني، وهو قوله تعالى:
}يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم{(آيات: 102-105).
وبعد أن تأمر الآية المؤمنين بالتمسك والاعتصام بحبل الله، المقتضي لجمع الكلمة، تصرح بالنهي عن التفرق (ولا تفرقوا) وتطلب منهم دعوة الناس إلى الحق، والائتمار فيما بينهم بالمعروف والتناهي عن المنكر، وقد جعل الإسلام ذلك فرضا من فروض الدين، وعنصراً من عناصر الحياة الطيبة.

أما النداء الثالث فهو قوله تعالى: 
}يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم... وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور{ (آيات :118-119).
فهذا الصنف من المخالفين الذين يبارزون المسلمين بالعداء، أو بالمظاهرة للأعداء، هم الأعداء الذين يجب على المؤمنين إن يحذروهم، وأن يبتعدوا عن موالاتهم، حذراً من الوقوع في شرهم، وقد كثرت آيات التحذير في القرآن الكريم عن موالاة هؤلاء، }يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم... إن يثقفوكم يكونوا لكم  أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ....{ (الممتحنة: 1-2).
النداء الرابع قوله تعالى
}يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130){
}وَ اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131) وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132){
 وهذه أول آية نزلت في تحريم الربا، وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم ـ على ما جاءت به الروايات ـ أن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخر عني دينك وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك.
فيربي الإسلام النفوس على البذل والإيثار والبر، ويبين الله للناس أن من أراد التضعيف والتنمية لما له حقاً فعليه بالصدقة، فإن الله يضاعفها ويبارك لصاحبها في الدنيا والآخرة، أما الربا فإنه وإن كان تضعيفاً للمال وتنمية له في الظاهر فإنه محق وإزالة في الحقيقة.

النداء الخامس قوله تعالى:
}يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين....{(آية: 149).
وقد تضمنت الآيات أموراً ثلاثة:
الأمر الأول: نهي الله المؤمنين عن أن يطيعوا الكافرين.
فأهل الكفر لايفتأون يحاربون المسلمين ليردوهم عن دينهم ولهم في ذلك أساليب كالحروب وغزو الأفكار ومنها إغراء العداوة بينهم، وتقطيع الأواصر بين شعوبهم وطوائفهم.
الأمر الثاني: تقرير ولاية الله للمؤمنين، وكفالته إياهم بالنصر، وهو خير الناصرين.
الأمر الثالث: وعد الله جل شأنه بإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا بسبب إشراكهم وهذه سنة من سنن الله في الخلق في كل معاند للحق.
النداء السادس قوله تعالى:
}يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون{(آية: 200).
وقد ختمت السورة بهذا النداء الجامع القوي،، والذي يعد دستوراً للفلاح والنجاح
 وقد تضمن هذا النداء أربعة أوامر إلهية (اصبروا)، والصبر عدة في الحياة فإن الحياة كدح وجهاد، وأكثر ما فيها صعاب ومشاق، فإذا لم يكن المرء مسلحا فيها بسلاح الصبر صار ضعيفا عاجزاً
ثانيها قوله تعالى: (وصابروا) فهو لا يطلب منهم أن يصبروا في أنفسهم فقط، ولكن أن يغالبوا أعداءهم في الصبر. والمصابرة تكون فيما يصيب المرء ويصيب أعداءه من شدائد في مثل الحرب والجهاد، وقد جاء الأمر بالمصابرة في قوله تعالى: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) وفي قوله تعالى: (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون).
ثالثها قوله تعالى: (ورابطوا)  والرباط هو اللزوم والثبات، وأصلة من الربط بمعنى الشد.
والله سبحانه وتعالى يوصي المؤمنين بأن يكونوا ذوي عزائم ثابتة في كل شيء، وأن يكونوا مرابطين في كل ما يصلح نفوسهم وأحوالهم وشؤون أمتهم.
رابعها قوله تعالى: (واتقوا الله) والتقوى هي الوصية العامة التي يكثر القرآن من إيصاء المؤمنين بها وقد ختمت هذه الأوامر الإلهية الأربعة بقوله تعالى: (لعلكم تفلحون) إشارة إلى أن الفلاح مرجو لمن استجاب لها، وقام بها، وهو يشمل فلاح الدنيا وفلاح الآخرة.
كما ذكرت الآيات بعض الحقائق وسنن الله في خلقه  وعبر الاولين  التي ينبغي معرفتها والالتفات اليها لما لها من الاثر في مواقف وسلوكيات الانسان المؤمن:
يقول الله تعالى }ما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب...{(آية: 179).
 } قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين. ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون ان كنتم مؤمنين {(آيات: 137 - 139).
وقد ذكر الله اتباع محمد بهذه الحقيقة التاريخية عندما عزاهم في مصابهم بأحد }وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين. وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين{ 146 - 147
ونزل في مصائر الشهداء قوله تعالى:} ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا...{ فوصفهم بخمس صفات 1(بل أحياء) 2(عند ربهم) 3(يرزقون) 4(فرحين بما آتاهم الله من فضله) 5(ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (آيات: 169 - 170).
 وكانت التوجيهات الربانية تتوالى على المسلمين في ثنايا استعراض وقائع معركة احد.. نجد توجيههم إلى حقيقة القيم الباقية والقيم الزائلة. فالحياة في هذه الأرض محدودة بأجل. وكل نفس ذائقة الموت على كل حال. إنما الجزاء هناك، والكسب والخسارة هناك. } فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور{ (آية: 185).
وقفات تفسيرية  -
1 - حول شهادة الله:
}شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)
يقال: شهد الشيء إذا حضره وشاهده كقوله - تعالى -: فمن شهد منكم الشهر (2: 185) وقوله: ما شهدنا مهلك أهله (27: 49) ويقال شهد به إذا أخبر به عن مشاهدة بالبصر وهو الأكثر والأصل، أو عن مشاهدة بالبصيرة وهي الاعتقاد والعلم، كقوله - تعالى - حكاية عن إخوة يوسف: وما شهدنا إلا بما علمنا (12:81) وذلك أنهم أخبروا أباهم يعقوب بأن ابنه (شقيق يوسف) سرق عن اعتقاد لا عن مشاهدة بالبصر، وإنما سموا اعتقادهم علما لأنه لم يخطر في بالهم ما يعارض ما رأوه من إخراج صواع الملك من رحل شقيق يوسف بعد ما نودي فيهم بأن الصواع قد سرق. والحاصل: أن الشهادة بالشيء هي الإخبار به عن علم بالمشاهدة الحسية أو المعنوية وهي الحجة والدليل وهو المختار هنا .
 أنواع الشهادات (التي في معنى الأداء)
1- شهادة قولية (إنك لمن المرسلين) شهادة قولية منه تعالى على ثبوت رسالة النبي P.
2- شهادة فعلية (ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم)لان المقام مقام  الاحتجاج على منكري  الرسالة ولا فائدة من الاستشهاد بقول الله تعالى. وفي قبال استشهاد النبي P بقوله تعالى(انك لمن المرسلين) يقولون هذا ليس كلام الله ولست بنبي.
أما الاستشهاد بفعل الله في مقام الاحتجاج تام وحجة بالغة بمعنى أن الرسول P  يقول إن الله شهد على نبوتي ورسالتي لأنه آتاني الكتاب , وإذا كنتم في شك من ذلك وان هذا الكتاب من عند الله (فأتوا بسورة من مثله) وإذا قبلتم أن هذا القرآن كلام الله يجب أن تقبلوا أيضا إني رسوله.
شهادة عينية: كشهادة الجوارح والأعضاء يوم القيامة حيث لها نوعان من الشهادة قولية (أنطقنا الله) وعينية (يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا..) حيث ورد في بعض الروايات أن البعض يحشر على صورة حيوان (وهذه الرواية في مجمع البيان 9- 10 ص: 642) .
و أما شهادة الخلق بالوحدانيّة، فالتكوينيّة ثابتة لهم، أقرّوا بها في اللسان أم لا، لحكاية المجعول عن الجاعل  تكوينا،   وأما الاختياريّة، فمنهم من آمن، ومنهم من لم يؤمن .
أي أنواع الشهادة يراد في الآية ؟
اختلف المفسرون في تحديد ذلك على أقوال وأشكل على الكثير منها نذكر جملة منها اختصارا:
1- أن الشهادة في المقام إنما تحمل على المعنى الاستعاري، وهو أن وحدة الحاجة في جميع خلقه  وجمال النظام يدلّان على وحدة الصانع، فتكون هذه الوحدة بمنزلة نطقه وإخباره تعالى.
 واستند في ذلك على أن حمل الشهادة على الشهادة القوليّة يستلزم الدور، لأن إثبات التوحيد بهذه الشهادة يقتضي أن يكون أمره مستندا إلى النقل دون العقل، وهو يتوقّف على صحّة وحي القرآن وحيا إلهيا، وهو متوقّف على التوحيد، وهو دور
ولكن ما ذكر لا يرد وهو باطلٌ وجه البطلان أن وحدته تبارك وتعالى ثبتت بالأدلّة العقليّة والبراهين القطعيّة، لا بمجرّد القرآن.
و إذا ثبتت صحّة الشهادة من اللّه تعالى، لأنّه لا يتصوّر في حقّه الكذب والزور، بل هو منزّه عن كلّ باطل ونقص، فتكون شهادته حقّا بحقّ  وأن إخباره عن الملائكة وأولي العلم حقّ وتثبت شهادتهم . 
2- الشهادة القولية: وذهب الى ذلك السيد العلامة  في الميزان قال:  المراد بالشهادة شهادة القول على ما هو ظاهر الآية الشريفة دون شهادة الفعل وإن كانت صحيحة حقة في نفسها فإن عالم الوجود يشهد على وحدانيته في الألوهية بالنظام الواحد المتصل الجاري فيه، وبكل جزء من أجزائه التي هي أعيان الموجودات.
واشكل على الشهادة القولية:
أن حمل الشهادة على الشهادة الكلامية كما مر يوجب الاستناد في أمر التوحيد إلى النقل دون العقل مع كونه حينئذ متوقفا على صحة الوحي فإن صدق هذه الشهادة يتوقف على كون القرآن وحيا حقا وهو متوقف عليه فيكون بيانا دوريا، ومن هنا ذكر بعضهم أن المراد بالشهادة هنا معنى استعاري...
و الجواب: أن فيه خلطا ومغالطة فإن النقل إنما لا يعتمد عليه فيما للعقل أو الحس إليه سبيل لكونه لا يفيد العلم فيما يجب فيه تحصيل العلم، أما لو فرض إفادته من العلم ما يفيد العقل مثلا أو أقوى منه كان في الاعتبار مثل العقل أو أقوى منه كما أن المتواتر من الخبر أقوى أثرا وأجلى صدقا من القضية التي أقيم عليها برهان مؤلف من مقدمات عقلية نظرية وإن كانت يقينية وأنتجت اليقين.   
 فإذا كان الشاهد المفروض يمتنع عليه الكذب والزور بصريح البرهان كانت شهادته تفيد ما يفيده البرهان من اليقين، والله سبحانه (و هو الله الذي لا سبيل للنقص والباطل إليه) لا يتصور في حقه الكذب فشهادته على وحدانية نفسه شهادة حق كما أن إخباره عن شهادة الملائكة وأولي العلم يثبت شهادتهم .
ويجاب عنه أيضا بأن شهادة الله في كتابه مؤيدة بالبراهين التي قرنها بها وبالآيات على صدق الرسل، وشهادة الملائكة للأنبياء مقرونة بعلم ضروري هو عند الأنبياء أقوى من جميع اليقينيات البديهية، وبتلك الدلائل التي أمروا بأن يحتجوا بها على الناس، وشهادة أولي العلم تقرن عادة بالدلائل والحجج ; لأن العالم بالشيء لا تعوزه الحجة عليه. على أن الكلام في وحدانية الألوهية، والمشرك بها لا يكون معطلا حتى يقال لا بد من إقناعه بوجود الله وإقناعه بشهادته، بل يكون مقرا بوجود الله، وإنما شركه باتخاذ الوسطاء يكونون بزعمه وسائل بينه وبين الله يقربونه إليه زلفى، وبالشفعاء يكونون في وهمه سببا لقضاء حاجاته وتكفير سيئاته، كما كانت تدين العرب في الجاهلية . 
3- الشهادة الفعلية:  فشهادة اللّه لنفسه بالوحدانية عبارة عن أفعاله التي لا يقدر عليها إلا هو، قال تعالى }سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ انه الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ{  (فصلت:  53) .
فاللّه بخلقه عالم المخلوقات الذي يسوده نظام موحّد، وتتشابه قوانينه في كلّ مكان، وتجري وفق برنامج واحد، لتكوّن «وحدة واحدة» و«نظاما واحدا»، قد أظهر عمليا أنّ الخالق والمعبود في العالم ليس أكثر من واحد، وأنّ كلّ شي‏ء ينطلق من ينبوع واحد. وعليه فإنّ خلق هذا النظام الواحد شهادة ودليل على وحدانيّته.
أمّا شهادة الملائكة والعلماء، فهي شهادة لفظية، فهم بالتعبير اللفظي الذي يناسبهم يعترفون بهذه الحقيقة. إنّ هذا اللون من التفكيك في الآيات القرآنية كثير في الآية }إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ {، لا شكّ أنّ صلاة اللّه على النبيّ P غير صلاة الملائكة عليه، فصلاة اللّه هي إرسال الرحمة، وصلاة الملائكة هي طلب الرحمة .
4- شهادة عينية: فهو دال على ذاته بذاته   وتشهد ألوهيته لوحدانيته والذي يرجح هذا الاحتمال ان حصر الآية بالشهادة القولية غير صحيح (وان كانت صحيحة في نفسها)  وإرادة الشهادة الفعلية يستلزم المجازية لان شهد الله تكون بمعنى شهد العالم او شهد فعله  وهذا اسناد الى غير ما هو له.
اما على القول بالشهادة العينية  لا يكون هناك حصر للشهادة بالشهادة  القولية  ولا تنفي الشهادة الفعلية بل هي ثابتة في قوله تعالى:(سنريهم آياتنا في الآفاق)شهادة آفاقية (وفي انفسهم) شهادة انفسية (مقتبس من تفسير تسنيم لآية الله آملي ج13 ص: 404- 405).
2 - من المزين في قول الحق سبحانه:
}زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ ...{ (آية: 14).
ذكر تعالى الزينة في مواضع من القرآن الكريم
 فتارة: نسبها إلى نفسه عزّ وجلّ، قال تعالى: }وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ  إليكم الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ‏{ (سورة الحجرات، الآية: 7).
 وقال تعالى: }قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ{ (سورة الأعراف، الآية: 32).
وأخرى: إلى الشيطان، قال تعالى: }وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ{ (سورة الأنعام، الآية: 43).
و ثالثة: لم يسم فاعلها- كما في المقام- حيث الفعل فيها (زين)  مبني للمجهول
 فمن المزين؟  فهل هو الله، أو هو الشيطان؟
ذكر في الكشاف ان المزين هو اللَّه سبحانه وتعالى  للابتلاء، كقوله: }إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ{ .
وقال الفخر الرازي: أما أصحابنا فقولهم/ فيه ظاهر، وذلك لأن عندهم خالق جميع الأفعال هو اللّه تعالى وأيضاً قالوا: لو كان المزين الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان، فإن كان ذلك شيطاناً آخر لزم التسلسل، وإن وقع ذلك من نفس ذلك الشيطان في الإنسان فليكن كذلك الإنسان، وإن كان من اللّه تعالى، وهو الحق فليكن في حق الإنسان كذلك. ونسب  إلى  المعتزلة ثلاثة أقوال.
القول الأول: حكاه عن الحسن أنه قال: الشيطان زين لهم‏  والثاني  هو أن المزين لهذه الأشياء هو اللّه واحتجوا عليه بوجوه  أحدها: أنه تعالى كما رغب في منافع الآخرة فقد خلق ملاذ الدنيا وأباحها لعبيده، وإباحتها للعبيد تزيين لها.
 وثانيها: أن الانتفاع بهذه المشتهيات وسائل إلى منافع الآخرة، واللّه تعالى قد ندب إليها، فكان مزيناً لها.
وقولا ثالثا بالتفصيل، ونسبه الى أبي علي الجبائي والقاضي  وذلك أن كل ما كان من هذا الباب واجباً أو مندوباً كان التزيين فيه من اللّه تعالى، وكل ما كان حراماً كان التزيين فيه من  الشيطان .
واعترض بعضٌ على أن يكون هو الله، بأنّ ذلك يستتبع خلق الله الشرّ في نفس الإنسان، وهو منافٍ لفكرة الحريّة التي تتناسب مع عدل الله.
ولأن حب الشهوات مذموم  لاسيما وقد أطلقت هنا فدخل فيها المحرمات في رأيهم؛ ولأن حب كثرة المال مذموم في الدين بحسب فهمهم له ; ولأنه سمى ذلك متاع الحياة الدنيا وهي مذمومة عندهم.
وقد أثار صاحب تفسير الميزان عدة ملاحظات للاستدلال على رأيه في أن فاعل «زين» هو «الشيطان» لا «الله» واستدل لذلك بأمور  منها:
 أن المقام مقام ذم الكفار بركونهم إلى هذه المشتهيات من المال والأولاد واستغنائهم بتزيينها لهم عن الله سبحانه، والأليق بمثل هذه الزينة الصارفة عن الله الشاغلة عن ذكره أن لا ينسب إليه تعالى»
ولو كان هذا هو التزيين المنسوب إليه تعالى، لكان المراد به الميل الغريزي الذي للإنسان إلى هذه الأمور، فكان الأنسب في التعبير أن يقال: زيّن للإنسان أو لبني آدم ونحوها
وان التزيين المنسوب إلى الله سبحانه لا يلائم قوله تعالى في آخر الآية: }ذَلِكَ مَتَـعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ{، فإن ظاهره أنه كلام موضوع لصرفهم عن هذه الشهوات الدنيوية وتوجيه نفوسهم إلى ما عند الله .
وبعض ما ذكره رحمه الله لا يخلو من إشكال:
فسياق الآية  هو الحديث عن ضرورة عدم الاستغراق في هذه الشهوات واعتباره قيمة نهائية وغاية للحياة، لأنها لا تزيد عن كونها حاجة ومتاعاً لا دوام لها والالتفات إلى الحياة الآخرة باعتبارها هي الغاية، الأمر الذي يجعل الإنسان ينظر إلى متع الدنيا لا كأمر لذاته، وإنما كأمر يتوسل به معاشه وحاجاته المتنوعة ولذلك فالآية ليست واردة مورد الرفض لها والصرف عنها، بل في مورد التنبيه على ما في الآخرة .... من دون تعرّض لمسألة الواقع السلوكي للإنسان أمام هذه الشهوات من حيث كونها خيراً أو شراً. ومن خلال ذلك نفهم أن قوله تعالى: }قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ{ (الأعراف: 32) متفق مع مضمون الآية في نسبة الزينة إلى الله، باعتبار أنه أخرجها لعباده، تماماً كما هو تزيين الله للناس حب الشهوات.... .
واعترض بعضٌ على أن يكون الشيطان هو ذلك الفاعل، لأن الكلام في طبيعة البشر والحب الناشئ فيها، ومثله لا يُسند إلى الشيطان بحال، وإنما يسند إليه ما هو من قبيل الوسوسة التي تزين للإنسان عملاً قبيحاً .
وان الكلام في هذه الشهوات بيان لما فطر عليه الناس من حبها وزينه في نفوسهم، وتمهيد لتذكيرهم بما هو خير منها لا لبيان قبحها في نفسها كما يتوهم الجاهل، فإن الله - تعالى - ما فطر الناس على شيء قبيح بل خلقهم في أحسن تقويم، ولا جعل دينه مخالفا لفطرته بل موافقا لها كما قال: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30: 30) وكيف يكون حب النساء في أصل الفطرة مذموما، وهو وسيلة إتمام حكمته - تعالى - في بقاء النوع إلى الأجل المسمى، وهو من آياته - تعالى - الدالة على حكمته ورحمته ...
و الوجه الوجيه  في عدم تسمية الفاعل  هو ما ذكره السيد السبزواري{ من  أن اللّه تعالى خلق الدنيا وما عليها وسيلة إلى نيل الكمال والوصول إلى غاية حميدة، وهي الدار الآخرة، فكانت الدنيا متاعا ودار مقام ينزل إليها الإنسان في برهة من الزمن، ليتزوّد منها إلى سفر آخر طويل، فكلّما كان الزاد أحسن وأبقى، كان العيش في الآخرة أهنأ وأحسن، وقد خلق اللّه تعالى الدنيا زينة ليرغّب إليها الإنسان، وتكون وسيلة للتزوّد منها ويتوسّل بها إلى الدخول في رضوان اللّه تعالى، قال عزّ    وجلّ: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (سورة الكهف، الآية: 7، 8) وإلى ذلك يشير كلّ ما ورد من الآيات التي تنسب الزينة إليه تعالى.
و أما إذا جعل الإنسان الدنيا وما عليها من الزينة محط نظره، واعتبرها أمرا مستقلا وجعلها هي الغاية من دون أن تكون وسيلة وذريعة إلى الدخول في رضوانه تعالى، وأحبّها حتّى وصل بهم الأمر إلى أنهم جعلوا ما في الدنيا من الأموال والأولاد تغني عنهم، فزيّنت لهم أعمالهم، فكانت الدنيا وبالا عليهم، فتكون الزينة مستندة إلى الشيطان أو إلى نفس الإنسان، وإن كانت الدنيا مخلوقة للّه تعالى، وقد أذن للإنسان أن يتمتّع بها، ليتمّ النظام، ولكن لم يزين الدنيا لتلهّي الإنسان بها ويعرض عن ذكره عزّ وجلّ، فإن اللّه تعالى أعزّ وأمنع من أن يدبر خلقه بما لا غاية له، أو يوصل الإنسان إلى غاية فاسدة، فالتعبير بالمجهول في (زين) للتنبيه على ما تقدّم .
حول آية المباهلة
}فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ{ (آية:61).
وقد تواترت الروايات في كتب الحديث والتفسير، ومنها صحيح مسلم والترمذي، وتفسير الطبري والرازي والبحر المحيط وغرائب القرآن وروح البيان والمنار والمراغي، وغيرها كثير، تواترت الروايات ان محمدا P خرج، وعليه مرط- أي كساء غير مخيط- أسود، وقد احتضن الحسين، وأخذ بيد الحسن، وفاطمة وعلي يمشيان خلفه  ..
تدل آية المباهلة على الفضل العظيم والمنزلة الكبرى، والمنقبة العظمى لأهل بيت النبيP من وجوه عديدة
منها: اختصاصهم باسم النفس والنساء والأبناء للرسول الكريمP دون سائر الأمة رجالا ونساء وأبناء .
وهذه الآية دالة على أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا ابني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وعد أن يدعو أبناءه، فدعا الحسن والحسين، فوجب أن يكونا ابنيه..
كما أنها دلّت على صحة نبوته Q من وجهين أحدهما: وهو أنه Q خوفهم بنزول العذاب عليهم، ولو لم يكن واثقاً بذلك، لكان ذلك منه سعياً في إظهار كذب نفسه.
 وثانيهما: إن القوم لما تركوا مباهلته، فلولا أنهم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته، وإلا لما أحجموا عن مباهلته .

علامة استفهام حول نزول الآية
و قد أثار بعض المفسرين علامة استفهام حول نزول هذه الآية في أهل البيت بلحاظ صيغة الجمع الواردة في }أَبْناءَنا وَ نِساءَنا وَ أَنْفُسَنا{ التي لا تصدق إلا على ما زاد عن اثنين، فكيف تنطبق الأولى على الحسن والحسين عليهما السّلام، والثانية على سيدتنا فاطمة الزهراء O، والثالثة على أمير المؤمنين علي Q؟
و الجواب: إن القيمة التكريمية المميزة كانت من خلال تطبيق الجمع على هؤلاء واقتصاره عليهم، في الوقت الذي يمكن للكلمة- في ذاتها- أن تنطبق على أكثر من ذلك، فلم تكن الكلمات المذكورة واردة في هؤلاء على نحو اختصاص المضمون اللغوي بهم بل من خلال اختصاص الاختيار النبوي- بوحي اللّه- بهم، وهذا أمر وارد في أكثر من آية، حيث تأتي الآية بصيغة الجمع لتأكيد المبدأ العام الشامل لكلّ الأفراد من حيث القاعدة مع أن المصداق واحد كما ورد ذلك في قوله تعالى: }الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ{ (آل عمران: 173). فقد ذكر فريق من المفسرين أن القائل هو نسيم ابن مسعود .
وكأنه يقول: ليباهل الجمع الجمع فيجعل الجمعان لعنة الله على الكاذبين حتى يشمل اللعن والعذاب الأبناء والنساء والأنفس فينقطع بذلك دابر المعاندين، وينبت أصل المبطلين. وبذلك يظهر أن الكلام لا يتوقف في صدقه على كثرة الأبناء ولا على كثرة النساء ولا على كثرة الأنفس فإن المقصود الأخير أن يهلك أحد الطرفين بمن عنده من صغير وكبير، وذكور وإناث، وقد أطبق المفسرون واتفقت الرواية وأيده التاريخ: أن رسول الله ص حضر للمباهلة ولم يحضر معه إلا علي وفاطمة والحسنان R فلم يحضر لها إلا نفسان وابنان وامرأة واحدة وقد امتثل أمر الله سبحانه فيها على أن المراد من لفظ الآية أمر، والمصداق الذي ينطبق عليه الحكم بحسب  الخارج أمر آخر .
وبتعبير آخر فانّ هناك مرحلتين، مرحلة «الاتفاق» ومرحلة «التنفيذ». ففي المرحلة الأولى قد تأتي الألفاظ بصيغة الجمع لكي تنطبق على جميع الحالات. ولكن في مرحلة التنفيذ قد تنحصر الحالة في فرد واحد، وهذا لا يتنافى مع عمومية   المسألة  واذا كان على رسول اللّه P بموجب اتفاقه مع مسيحيّي نجران، أن يدعو للمباهلة جميع أبنائه وخاصّة نسائه وجميع من كانوا بمثابة نفسه. إلّا أنّ مصداق الاتّفاق لم ينطبق إلّا على ابنين وامرأة ورجل (فتأمّل) . 
هل يعلم تأويل القرآن غير الله سبحانه؟‏
هذه المسألة من موارد الخلاف الشديد بين المفسرين، ومنشؤه الخلاف الواقع بينهم في تفسير قوله تعالى: }وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا{ الآية، وأن الواو هل هو للعطف أو للاستيناف، فذهب بعض القدماء والشافعية ومعظم المفسرين من الشيعة إلى أن الواو للعطف وأن الراسخين في العلم يعلمون    تأويل المتشابه من القرآن، وذهب معظم القدماء والحنفية من أهل السنة إلى أنه للاستيناف وأنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله وهو مما استأثر الله سبحانه بعلمه.
 قال في  الميزان :  والذي ينبغي أن يقال: أن القرآن يدل على جواز العلم بتأويله لغيره تعالى، وأما هذه الآية فلا دلالة لها على ذلك
وذلك أن الآية بقرينة صدرها وذيلها وما تتلوها من الآيات إنما هي في مقام بيان انقسام الكتاب إلى المحكم والمتشابه، وتفرق الناس في الأخذ بها فهم بين مائل إلى إتباع المتشابه لزيغ في قلبه وثابت على إتباع المحكم والإيمان بالمتشابه لرسوخ في علمه، فإنما القصد الأول في ذكر الراسخين في العلم بيان حالهم وطريقتهم في الأخذ بالقرآن ومدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزائغين وطريقتهم وذمهم، والزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأول ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك إلا وجوه غير تامة تقدمت الإشارة إليها فيبقى الحصر المدلول عليه بقوله تعالى: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ من غير ناقض ينقضه من عطف واستثناء وغير ذلك. فالذي تدل عليه الآية هو انحصار العلم بالتأويل فيه تعالى واختصاصه به لكنه لا ينافي دلالة دليل منفصل يدل على علم غيره تعالى به بإذنه كما في  نظائره مثل العلم بالغيب قال تعالى }قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ{ (النمل: 65)، وقال تعالى: }إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ{ (يونس- 20)، وقال تعالى: }وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ{: (الأنعام- 59)، فدل جميع ذلك على الحصر ثم قال تعالى }عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى‏ غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى‏ مِنْ رَسُولٍ{: (الجن- 27)، فأثبت ذلك لبعض من هو غيره وهو من ارتضى من رسول، ولذلك نظائر في القرآن .   
فيعتبر السيد العلامة  ان كلمة «الراسخون» بداية لجملة جديدة مفصولة عن الجملة الأولى، مع التزامه بأنّ حصر علم التأويل باللَّه لا يعني عدم مشاركة الراسخين له في ذلك من خلال تعليمهم إيّاه من عنده، تماما كما هو علم الغيب الذي اختص به اللَّه سبحانه ولكنه أعطاه لمن ارتضى من رسول في ما خصّه به من علم.
لكن يشكل عليه ان هذه الصفة (الراسخون في العلم) لا دور لها إذا لم يكن للراسخين في العلم من دور إلا الإعلان بأن المحكم والمتشابه من عند اللَّه تعالى، بل هو منطلق من خلال صفة الإيمان التي تعني التسليم بكل ما جاء به اللَّه. أمّا إذا كانت معطوفة على كلمة اللَّه بحيث تدلّ على أنهم يعلمون تأويل القرآن في ما تشابه من آياته، فإنها توحي بأن رسوخهم في العلم جعلهم يتدبرون القرآن فيفهمون التناسب بين آياته في ما تمثله من حقائق العقيدة والحياة، وبذلك لا يجدون في آية واحدة منها ما يبتعد عن المعنى الذي توحيه الأخرى فإن القرآن قد جاء هدى للناس، يفتح قلوبهم على المعرفة الحقّة التي يريدها اللَّه للحياة، فلا بد من أن يكون- بطبيعته- هاديا للوصول إلى الحقيقة، بحيث يكون أساسا للحجة والبرهان على الحق من دون حاجة إلى وسائل غير عاديّة. وهذا مما لا يتناسب مع اختصاص العلم باللَّه ليكون حاله حال العلم بالغيب .
وفي تصوير آخر للإشكال: فإن قول: كلّ من عند ربنا، قول عامّة المسلمين، فإنهم يعتقدون بأن القرآن كلّه من عند اللّه تعالى، بلا فرق بين عالمهم وجاهلهم وأهل البادية والسوق منهم، وسياق الآية الشريفة سياق المدح والثناء، فيختصّ بقوم خاص، ولا يعمّ كلّ من قرأ القرآن ولا يلتفت إلى مداليل الآيات المباركة ومعانيها، فهذا الوجه مخدوش.
إلا أن يراد من الراسخين في العلم المعنى السلبي، أي: من ليس في قلبه زيغ ولم يمل من الحقّ إلى الباطل، فيشمل عامّة المسلمين أيضا، ولا يختصّ بصنف خاص. فيصير معنى الآية المباركة: من كان بصدد الإضلال والإلحاد يتبع المتشابه، ومن لا يكون كذلك يقول: كلّ من عند اللّه وهو بعيد عن سياق الآية الشريفة أيضا والمنساق من الآية الشريفة أن الجملة معطوفة على اللّه، أي: لا يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم. والراسخ في العلم منحصر بسيد الأنبياء P ومن استفاد منه هذا العلم.
فالجملة ليست مستأنفة بل معطوفة على المستثنى، ويكون من قبيل عطف البعض على الكلّ مثلا، لأن هذا العلم بالنسبة إلى اللّه تعالى أولا وبالذات، وبالنسبة إلى سيد الأنبياء ثانيا وبالعرض، فيكون كنسبة علم المتعلّم إلى المعلم، وهذا الوجه هو الظاهر من الآية المباركة، وتدلّ عليه روايات كثيرة .
ومن هذه الروايات:
في الكافي والعياشي عن الصادق Q نحن الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ونحن نعلم تأويله وفي رواية فرسول اللَّه P أفضل الراسخين في العلم قد علمه اللَّه عز وجل جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل وما كان اللَّه لينزل عليه شيئاً لم يعلّمه تأويله وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله.
و في الاحتجاج عن أمير المؤمنين Q في حديث قال ثم إن اللَّه جل ذكره بسعة رحمته ورأفته بخلقه وعلمه بما يحدثه المبدّلون من تغيير كلامه قسّم كلامه ثلاثة أقسام فجعل قسماً منه يعرفه العالم والجاهل وقسماً لا يعرفه إلا من صفا ذهنه ولطف حسّه وصحّ تميّزه ممن شرح اللَّه صدره للإسلام وقسماً لا يعرفه الا اللَّه وأنبياؤه والراسخون في العلم وإنما فعل ذلك لئلا يدّعي أهل الباطل من المستولين على ميراث رسول اللَّه P من علم الكتاب ما لم يجعله لهم وليقودهم الاضطرار إلى الايتمار بمن ولّاه أمرهم فاستكبروا عن طاعته تعزّزاً وافتراءً على اللَّه عز وجل واغتراراً بكثرة من ظاهرهم وعاونهم وعاند اللَّه جل اسمه ورسوله ....

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2010/04/09   ||   القرّاء : 4556


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 هيئة علماء بيروت تتقدم بالعزاء بضحايا الزلزال في إيران

 هيئة علماء بيروت تدين بيان الجامعة العربية بحق المقاومة

  مصيبةُ الإمامِ الحسين (عليه السلام) ابكت كلُّ الوجودِ

  . لماذا ثار الإمام الحسين(عليه السلام)؟

  العباس بن علي عطاء وإيثار

  الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) يرفض البيعة ليزيد ويخرج ثائرا

  إحياء أمر أهل البيت(عليهم السلام)

  الأبعاد المعنوية في شخصية الإمام الحسين عليه السلام

  شرح خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) في مكة

  رسالتنا في شهر محرم

 

مواضيع عشوائية :



 من صفات النبي (ص)

 الشيخ حسن المامقاني ونكران الذات

 الروابط الإجتماعية في الأدعية .

 الحرية في دلالاتها المختلفة

 من حصاد العام 2008 : فتاوى أثارت جدلاً

  الراسخون في العلم‏

 الحقيقة وطرائق المعرفة في التراث الفلسفي

  حال المؤمن في الدنيا

 عيد المقاومة والتحرير

  كلمات محورية وردت في القرآن : الكفر

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 747

  • التصفحات : 2320811

  • التاريخ : 22/11/2017 - 20:08

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net