هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (62)
---> عاشوراء (59)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (12)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (112)
---> قرانيات (54)
---> أسرة (20)
---> فكر (91)
---> مفاهيم (114)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : من التاريخ .

              • الموضوع : الجمهورية اللبنانية والإطار الوظيفي (2) .

                    • رقم العدد : العدد السابع والعشرون .

الجمهورية اللبنانية والإطار الوظيفي (2)

  

الجمهورية اللبنانية والإطار الوظيفي (2)

الشيخ علي سليم سليم

الدور الوظيفي الذي أنشئت لتأديته الدولة الغاصبة، مضافاً لنظرتها إلى نفسها وآفاق استمرارها في محيط معادٍ لها، هو العمل على المخطط التفكيكي للمنطقة، ليستكمل بعدها الكيان الوليد وبرعاية دولة الاستعمار المهمة في ضرب كل عوامل قوة الدول المحيطة، وهذا ما قامت عليه نظرية مؤسس الكيان الغاصب ديفيد بن غوريون القائلة بأنه "لا مجال لدولة إسرائيل لتفاهم سلام في المنطقة إلا تفتيت دول هذه المنطقة إلى دويلات طائفية تتناحر فيما  بينها إلى أبد الآبدين".

  وفي هذا الإطار أول ما يجب استحضاره هو المؤتمر الذي دعا إليه حزب المحافظين البريطاني عام 1905 الدول الاستعمارية، والذي يعد اللبنة الأولى في مشروع تأسيس "إسرائيل" استمرت مناقشات المؤتمر عامين قبل أن يخرج بوثيقة سرية عرفته لاحقاً باسم "وثيقة كامبل" نسبة إلى رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الحين "هنري كامبل بنرمان" وخلاصة هذه الوثيقة تقول التالي: "إن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي لتلك الدول لأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والأفريقية وملتقى طرق العالم أيضاً ومهد الحضارات والأديان، والإشكالية في هذا الشريان أن على شواطئه الجنوبية والشرقية يعيش شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان".

 وأوصى المؤتمرون بالعمل على تفكيك وحدة شعوب المنطقة وإقامة حاجز بشري قوي وغريب ومعادي قريب من قناة السويس يفصل القسم الأسيوي من المنطقة عن القسم الجنوبي.([1])

في هذه الفترة الزمنية كان التحضير جارياً لإنشاء دولة مستقلة عن سورية هي لبنان، وكذلك لدور محدد الأهداف. وسيظهر لنا أنه بعد مئة عام أختلف كل شيء، وعلى خارطة الإقليم كله، حيث ستعم الفدرلة (اللا مركزية) كامل الإقليم على الأقل هذا ما يعمل على إنجازه.

لم ينشأ لبنان في بداية الأمر طائفياً بمعنى القسمة بين طوائف، إنما أسس على قاعدة أحادية الطائفة، وكل الدلائل والمؤشرات تدل على ذلك خصوصاً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث نشأت المدارس التبشيرية لإعداد وتأهيل المسيحيين خصوصاً الموارنة منهم، الأمر الذي أظهر في المستقبل الهوة الكبيرة بين أكثرية مسيحية متعلمة وأكثرية مسلمة أمية، وبين الكم والنوع الذي جعل قسماً كبيراً من المسلمين جماعات من الفئة الثانية ، ولا أقول مواطنين لأنه وإلى الآن لا يوجد مواطنة وثقافة تشعر بالانتماء إلى الوطن، لبنان هذا ليس سوى رقعة جغرافية تختزن بداخلها فئات وجماعات تشكل بمجموعها الطوائف التي تتكون منها، فلا انتماء إلا للطائفة فهي الملاذ الذي يلجأ إليه كلّ إلى طائفته عند الشعور بالخطر أو للمطالبة بمكتسبات .

وللأسف هذا النوع من التربية لا يزال سارياً وراسخاً في النفوس ويجهد الساسة على تجذيره رغم كل الشعارات المعاكسة لها، ما ينم عن النفاق السياسي الذي يمتهنه هؤلاء.

 في البداية وبسبب التفوق التعليمي لدى المسيحيين عموماً، والموارنة خصوصاً كان المعيار المتبع في التوظيف في إدارات الدولة، هو الكفاءة والأهلية، وبما أن أكثرية المسلمين لا تحظى بالتعليم ، ملئت حينذاك من المتعلمين المسيحيين وسارت الأمور كما كان مخطط لها، من الإعداد والتحضير لإدارة البلد من خلال البعثات والإرساليات الأوروبية كما ذكرنا سابقاً، وهكذا كان.

  تغيرت الأحوال، فما كان حكراً أو حصراً لطائفة ما ، أضحى متاحاً لكل أحد، فصار التعلم والتخصص والارتقاء العلمي لدى المسلمين يفوق ما عند المسيحيين ، أو في أضعف الأحوال يعادله، تغير المعيار ولم يتبق من ذكر للكفاءة إلا من باب المجاز، وصارت المطالبة بالمحاصصة والمناصفة وما شاكل ذلك من العناوين الوطنية لبلد لم يرق إلى الآن إلى مستوى يؤهله لبناء البلد الوطن والعمل على إرساء ثقافة المواطنة كي يشعر كل إنسان في هذا البلد، أنه مواطن يتساوى مع أخيه في الحقوق والواجبات، وتنمية الحس القومي والشعور بالانتماء، وإلا فكيف تطلب من مقيم لم يبلغ مستوى المواطنة، أن يحترم نظاماً جائراً لا ينصفه ولا يلبي له حاجاته وتطلعاته في مستقبل يعيش فيه مع أبنائه بأمن وعدل وكرامة.

   لقد اختصروا لبنان ببيروت ومحيطها ، واغفلوا ان لبنان هو ريفه أساساً ، الذي هو موطن شعب لبنان التاريخي ومصدر هذا الشعب . واختزل تاريخه بل ومسخ عندما دوّن خيالات وضخّم شخصيات وجعلها رموزاً، وهي لا تستحق في أحسن الأحوال الذكر، وبنى أمجاداً أشبه بالأساطير منها بالواقع، ومثال ذلك ما كان يبتدعه المبشرون من ترويج فكرة "لبنان الفينيقي" من أجل ربط الكيان اللبناني بالتاريخ الفينيقي على تناقض واضح، حيث يقول المؤرخ العالمي أرنولد توينبي إن هذا الافتراض لا يطابق الحقيقة التاريخية، فالفينيقيون بحارة متشبثون بالساحل واللبنانيون الحاليون جبليون، لم ينجحوا حتى العام 1920 في إدراج المرافئ والمدن الساحلية إلا في وطنهم بصورة عرضية عابرة... أضف الى ذلك ما يقوله المؤرخ الدكتور كمال الصليبي في سياق تفنيده لمقولات مدرسة "لبنان الفينيقي" واحدة واحدة ، مظهراً افتقادها الحد  الأدنى من القدرة على الاقناع . وهي نشأت من حاجة "المؤسسة المسيحية الحاكمة الى مقولة توفر مسوغاتها لوجود لبنان مستقل عن سوريا والعروبة..." وكان المطلوب في نهاية المطاف ان توفر ايضا ما يبرر لميشال شيحا وأمثاله أن يكون لبنان مستودعا ومركز مال وخدمات .(2)

  لقد أنشئ لبنان بحدوده الحاضرة بموافقة فرنسا على أن يكون وطناً للمسيحيين اللبنانيين وأن يصبح ملجأ لكل المسيحيين في الأراضي المجاورة إذا اضطهدهم جيرانهم المسلمون، كما قال المطران عبد الله الخوري. لقد رفضت القيادات المارونية أن يعامل جبل لبنان على قدم المساواة مع الساحل ولبنان الجنوبي والبقاع.([2]) هل في ذلك دعوة للمسلمين أن يتحمسوا للبنانيتهم؟ّ!

 وضعت الحرب الأولى أوزارها، فكان من الطبيعي أن يتقاسم المنتصرون فيها الغنائم وتوزيع النفوذ..

لبنان وسورية كانا من حصة فرنسا، بينما كانت فلسطين من نصيب بريطانيا.. وعلى أساس أن هذه الشعوب القاطنة في هذه البلاد، غير مؤهلة للحكم وإدارة البلاد وتسيير الشؤون وتقرير المصير من تلقاء نفسها، وأخذت هاتان الدولتان بعد الاحتلال صفة الانتداب وعلى عاتقهما يقع عبء التأهيل والإعداد وفيما بعد حال النضوج والرشد تُسلّم الإدارة لمن أنيط به الدور في الإطار الوظيفي على مستوى منطقتنا، في هذه الظروف المعقدة كانت ولادة الجمهورية اللبنانية، فيما كان الإنكليز المحتلون لفلسطين لم يتمكنوا بعد من تسليمها للصهاينة يلزمهم بعض الوقت لتحقيق ذلك ، الوكالة اليهودية تبذل أقصى جهدها للإتيان باليهود من كل أصقاع الدنيا، تحت عناوين زراعية ومن ثم بناء المستوطنات، وكان في هذه الأثناء التدريب العسكري قائماً على قدم وساق للعصابات الصهيونية أمثال "الهاغانا" و"الشتيرن" و" والارغون" وغيرها، وتزويدها بالأسلحة المتطورة وقتذاك التي قدمتها بريطانيا.

مشروعان متلازمان :

التناغم والانسجام شبه التام بين الزعماء الصهاينة وبين الزعامات الروحية والسياسية من الموارنة، لم يكن عبثياً فمنذ أن تبلورت فكرة إقامة وطن يهودي على أرض فلسطين كانت تتعالى التأييدات عبر المواقف تارة، والرسائل تارة أخرى (للتوضيح : نحن في سياق العرض التاريخي عند الحديث عن هذا التناغم ، ولا نقصد شيئا آخر ، وهو في كل حال موضوع تاريخي)

ففي سنة 1934 بعث البطريرك أنطون عريضة برسالة إلى عمدة الجمعيات الاثني عشرية اليهودية في الأرجنتين جاء فيها:  "إننا مستعدون لمؤازرتكم مع ضعفنا لكل ما يألو لخير أمتكم ونجاحها سالكين بذلك خطة الإنجيل المقدس، وطريقة سلفائنا البطاركة"

 وفي العام 1935 أرسل البطريرك الماروني إلى فلسطين أثنين من رجال الكنسية المارونية "المطرانين عقل والمعوشي فاجتمعا بحاييم وايزمن، وتم الاتفاق بين الطرفين للعمل على تحويل لبنان إلى وطن قومي مسيحي، مقابل أن تكون فلسطين وطناً قومياً لليهود" ([3])

  أما على المستوى السياسي فكان التعاطف والتعاون من قبل فريق مسيحي مستعد للذهاب معهم حتى النهاية.

  فهذا الياهو إيلات يقول في مذكراته إن الرئيس إميل اده (1936 ـ 1941) أكد له أنه يتطلع إلى يوم يستطيع فيه لبنان أن يقيم علاقات ودية مع الدولة اليهودية في فلسطين عند نشوئها، وأنه يرى في الصهيونية وفلسطين اليهودية حليفتين للبنان المسيحي المحرر والمحصن من التبعية للعالم العربي أو السوري.

 وكان الرئيس بشارة الخوري المتحمس لعلاقة حميمة مع اليهود، يرى في العام 1941 أن هناك حاجزاً بين الطرفين يجب إزالته، وهو جبل عامل وهناك ضرورة لتفريغ تلك المنطقة من السكان الشيعة الذين يشكلون خطراً على بلدينا.

  وكان بن غوريون قد ساند الرئيس كميل شمعون في أزمة حكمه إبان الثورة الشعبية سنة 1958 ومنذ ذلك الوقت نشأت علاقة متينة اتسعت في ما بعد لتشمل قيادات أخرى، عندما دفع شمعون برئيس حزب الكتائب بيار الجميل وابنه بشير للتعاون الوثيق مع إسرائيل كما أن داني شمعون كانت له صلات بارزة في هذا الاتجاه..([4])

وبعد هل ترى غرابة في من يصف "إسرائيل" بالجارة كما ورد ذات مرة على لسان البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير.

اكتمال الخريطة :

 انعقد المؤتمرالصهيوني العشرين في زوريخ سنة 1917 وقتذاك أشاد "بن غوريون" بتقرير لجنة "بيل "التي جعلت لنا حدوداً مشتركة مع لبنان "وأن " لبنان هو الحليف الطبيعي لفلسطين اليهودية، وأن وضع المسيحيين يشبه إلى حد كبير وضعنا في فلسطين".

 وعلى هذا الأساس بدأ العمل من أجل إقامة دولة مارونية بجوار الدولة اليهودية، بعد طرد المسلمين الشيعة من الجنوب وشراء الأراضي.."([5])

 كان ساحل جبل عامل إحدى المناطق الأولى التي احتلتها فرنسا إثر انتشار جيشها في بيروت سنة 1918 وبدئها عملية احتلال الساحل السوري ثم بدأت قوات الاحتلال الفرنسي توسع نفوذها شرقي الساحل، إلا أنها كانت تصطدم بعمليات المقاومة والنضال التي حدت من تقدمها. وظلت المناطق الداخلية من جبال العلويين ولبنان الجنوبي خارج السيطرة الفرنسية وكانت محاولتهم لفرض سلطتهم تواجه بأعمال مقاومة وصلت حد القتال المسلح.

 وهكذا بدأت قضية الثوار تتبلور فرقا منظمة وعصابات مسلحة فمثل هذه الحروب معروفة في كل الأرض، تشهدها المناطق المحتلة في حال عدم وجود جيش منظم، وسوف نرى في الحرب العالمية الثانية كيف سيضطر الحلفاء إلى إعلان مثل هذه الحرب ضد الجيش الألماني.. ففي أحد الاجتماعات الهامة التي عقدها الحلفاء في الأيام الحاسمة التي شهدتها فرنسا من انهيار عسكري سأل الزعيم البريطاني تشرشل، إذا كان في وسع المسلحين القيام بحرب عصابات منظمة في فرنسا إذا حدث أن انهارت القوات النظامية. إن حرب العصابات نموذج للمقاومة الشعبية اعتمدتها معظم الشعوب في حروبها..([6])

لم يكد لبنان يتخلص من عبء السلطة التركية الظالمة، حتى جاء الاحتلال الفرنسي الذي عمد إلى تغطية أعماله الوحشية باللجوء إلى التحريض الطائفي ليظهر بصورة المدافع عن المسيحيين الذين هللوا واستقبلوا الفرنسيين بالأهازيج وكان ما كان من أحداث مؤلمة، سببها المحتل الفرنسي.

 وكانت المقاومة التي كان من أبرز رجالاتها ورموزها أمثال أدهم خنجر وصادق الحمزة ومحمود أحمد البزي، والتي واجهت صعوبات جمة من نقص في المال والعتاد إلى عداء مباشر من رجال الإقطاع المتسلطين، مضافاً إلى التعتيم والتضليل الهائل الذي مورس على أخبارها، فكان الأعلام العربي لا يغطي أخبارها في حين كانت الصحف الموالية لقوات الاحتلال تنقل أخباراً مغايرة ملبّسة الثوار ألقاباً مشوهة لحقيقة ما يقومون به...([7])

 

معارضة علماء الشيعة للتقسيم:

 بعد أن عارضت الطائفة الشيعية أثناء الثورة العربية والسنوات التي تلتها ، قيام لبنان المنفصل عن سوريا والعالم العربي، عادت وقبلت بذلك في قيام لبنان ، بعد ان رأت ان الانضمام الى الوحدة امر مستحيل المنال .وكذلك كان حال الطائفة السنية، فقد خف حماسها للدولة العربية الموحدة، لأنها بعد المقاطعة الطويلة للاشتراك في الحياة السياسية اللبنانية، عادت وقبلت المشاركة عندما حصلت على رئاسة الوزارة، وكذلك الحال بالنسبة لبقية الطوائف..([8])

 إصرار القيادات الشيعية الروحية، على التمسك بالوحدة العربية والاندماج فيها، ورفض الكيان السياسي المزمع إنشاؤه غير واضح، إلا بتفسير واحد وهو رفض تجزئة المنطقة إلى كيانات من خلال المشروع الغربي ـ سايكس بيكو ـ لأنهم كانوا يرون أن في الوحدة تلك مظهر قوة، وهذا بالمبدأ صحيح وبالرغم من كل الرفض والاحتجاج الذي عبر عنه من خلال كثرة انعقاد المؤتمرات كما سيأتي , والوفود العديدة التي ذهبت إلى دمشق قلب العروبة واستقبال الدمشقيين لها بحفاوة بالغة، إلا أن المشروع التقسيمي للمنطقة كان قد أخذ طريقه إلى التنفيذ بقوة، لذلك قال الملك فيصل للسيدين شرف الدين ونور الدين عندما حملا إليه مقررات مؤتمر الحجير: " إن أهل جبل عامل يعزون عليَّ ولا أريد أن يصيبهم بسببي سوء فليلزموا السكون"([9])

 والموقف الذي يسجل للقيادات الروحية الشيعية، أنهم أبعد ما يكون عن الذهنية المذهبية، فهم قلة بالقياس إلى العالم العربي، ومع ذلك كانوا من أشد المدافعين عن الوحدة. وإذ بهم يفاجئوا بالتهميش كأنه جزاء على ذلك الموقف العروبي

 وعلى سبيل المثال لا الحصر في عهد كميل شمعون (1952 ـ 1958) كان للمسلمين دور ثانوي في السلطة والحكم

  وفي عهد فؤاد شهاب (1958 ـ 1964) ألفت حكومة مؤلفة من أربعة أعضاء: وزيرين سنة ووزيرين موارنة، ولكأن الشيعة غير موجودين . ورغم هذا الإمعان الفاحش في التهميش، حتى أن المواقف الوحدوية العروبية التي اتخذوها انطلاقاً من حسهم ووعيهم القومي، لم تلق ثناء ومساندة، فكانت جديرة بالاهتمام والبناء عليها، ومع ذلك "فقد أعطى العامليون ولاءهم التام للحكومة العربية في دمشق، وعبروا عن ذلك في أكثر من موقف.. من خلال التصدي للمشروع الفرنسي الانكليزي بهدف السيطرة على سوريا.. فكان أن سجل جبل عامل السطر الأول لحركات المقاومة في وجه الطروحات الاستعمارية التي ظهرت في المشرق العربي.."([10])

  "ومع التدخل الاستعماري السريع لقوات الغزو الفرنسي، عندما عمدت بعد الجلاء العثماني عن البلاد بثمانية أيام فقط الى احتلال الساحل السوري ـ وكذلك لاحتلال مدن الساحل العاملية ـ نشطت الاتصالات السياسية بين جبل عامل ومركز الوحدة دمشق، وقاد النشاط السياسي على أرض الجبل عدد من الرجالات العامليين على رأسهم علماء الدين أمثال السيد محسن الأمين، والسيد عبد الحسين شرف الدين وعضو المؤتمر السوري الشيخ عبد الحسين صادق والسيد عبد الحسين نور الدين وغيرهم أما رجال الإقطاع في الجبل فقد حاولوا البروز مجدداً على أكتاف المواطنين، وعمدوا إلى لعب أدوار عدة موالية للحكومة العربية ثم للسلطات الفرنسية، إلا أنهم لم يفلحوا في تمثيل الجبل.."([11])

 ومع ذلك لم يثنِ عزيمة العامليين عن تحمل أعباء المسؤولية في مقاومة الاحتلال الفرنسي، فإن أهل هذا الجبل الأبي الضيم منذ الاحتلال الصليبي وإلى الاحتلال الإسرائيلي وحتى في محنة أحمد الجزار، كانوا اذا  وجدوا سبيلاً للمواجهة لا يتوانون عن ذلك.

 لقد "كانوا بأمسّ الحاجة لمساعدة عربية سريعة، ولم يحصل شيء من ذلك وكل ما فعلوه إرسال رسائل الاحتجاج إلى الصحف العربية والعالمية للأعمال الوحشية في جبل عامل وطلب المعونة والمساعدة للذين تخربت قراهم... ونهبت أموالهم.. من سكان مقاطعة صيدا وصور ومرجعيون.. تحت الإشراف الفرنسي..

وأرسل فيصل رسالة احتجاج إلى غورو حول أعمال الحملة الهمجية _حملة نيجر_ وسياسة فرنسا تسليح مواطنين محليين _ يقصد القرى المسيحية في منطقة بنت جبيل ومرجعيون _ لإدخال المنافرة بين طائفتين عاشوا دهوراً كالإخوان مما سيسفر عن مشاكل جديدة ليس من مصلحة فرنسا أو من مصلحة السلم العام وبطبيعة الحال لم تثمر كل هذه الاتصالات والاحتجاجات ..([12]) لأن هؤلاء لا يفهمون إلا منطق القوة والموقف سلاح.

 

حقبة المؤتمرات:

 هو زمن جميل رغم مرارته ومآسيه، فقد أتسم بلون من ألوان الوحدة في تقرير المصير فقد وقف المسلمون شيعة وسنة ودروزا صفاً واحداً من كافة المناطق من صيدا وجبل عامل ، الى بيروت وطرابلس وعكار وبعلبك ووادي التيم.

لم تكن المملكة الوهابية قد مدت أنيابها بعد لتعكر صفاء التعايش برعايتها  للفكر التكفيري والتقتيلي الذي مزق كل نسيج وترابط اجتماعي .

 اتسمت هذه المرحلة بالمؤتمرات التي عقدت فيها ابتداء من مؤتمر وادي الحجير الذي عقد سنة 1920 ففي ربيع تلك السنة شهدت الساحة أحداثاً خطيرة للغاية .. تصاعدت عمليات المقاومة في جبل عامل مع سوء في الأحوال العامة خصوصاً أثناء مبادرة قوات الاحتلال الى تسليح ميليشيات محلية تابعة لها لصد أعمال الثوار، إلا أنها أتت على العكس عندما تفجر نزاع أهلي بين الثوار والموالين لقوات الاحتلال لم يسفر إلا عن سفك دماء ...في حين دفعت القرى الموالية للاحتلال الفرنسي ثمن الرد على الثوار دماء وأمناً بدلاً من الفرنسيين([13])

وقد كان من أهداف ذلك المؤتمر:

الرفض المطلق الدخول تحت حماية أو انتداب الفرنسيين ورفض مشاريعهم، كما ركز في مقرراته على لزوم الطاعة والابتعاد عن الشرور ولتفويت الفرصة على الفرنسيين من إذكاء الفتنة، وأكدت المحافظة على أملاك المسيحيين وأرواحهم ودفع الأذى عنهم، وإنذار المعتدين والمخالفين شر الجزاء.

  وتوالت المؤتمرات المعادية لمصلحة شعوب المنطقة بدءاً بسايكس بيكو سنة 1919 إلى مؤتمر سان ريمو القاضي بتجزئة المنطقة وفقاً للمصالح الفرنسية والبريطانية، مع الالتزام بتطبيق وعد بلفور بإقامة الوطن اليهودي على أرض فلسطين.

  واستمرت كذلك المؤتمرات من قبل الرافضين للتقسيم فانعقد في سنة 1928 مؤتمر دمشق حضرته وجوه من كل الطوائف الإسلامية رافضين إعلان الجمهورية اللبنانية والمشاركة في شؤون الحكم ومطالبين بتحقيق وحدة البلاد السورية، وفي سنة 1931 عقد مؤتمر القدس بدعوة من مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني ولبى دعوته وفود من اثنين وعشرين بلداً، وكان جبل عامل ممثلاً فيه، حيث اتخذ موضوع الخطر الصهيوني المحور الأساسي لأعماله، بالإضافة إلى مؤتمر الساحل سنة 1933 وكذلك مؤتمر شباب جبل عامل ـ دمشق من نفس العام في السياق نفسه ، بمطلب الوحدة، ولم ير العامليون بالاستقلال الموهب للبنان ذلك الأمل الذي انتظروه ، وأيقنوا  حينذاك بواقع التقسيم، ولو أن فكرهم القومي قد تحطم على صخرة سياسة الانتداب وهذا اللباس الجديد "الاستقلال" الذي ارتدته "الجمهورية اللبنانية" لم يلفت أنظارهم، بل كان بالنسبة لهم قيداً وعبئاً وتمزيقاً منحطاً للبنان جر عليه الويلات والمصائب فيما بعد ، كما كرّس الامتيازات لأبناء العائلات والتسلط الطائفي وأكد زعامة العملاء الذين تعاونوا مع فرنسا وأخلصوا لها الولاء. ([14])

 الحقيقة أني لم أجد في تاريخ بلد أنا أنتمي إليه ما يستدعي التفاخر، أو ما يدعو إلى التمجيد والاعتزاز بما يخص حفظ السيادة والذود الفعلي عنها، باستثناء حالة واحدة يتيمة، وهي ما قام به الجيش اللبناني في معركة المالكية عام 1948 في مواجهة العدو الإسرائيلي. وظل هذا الوضع قائماً تستبيح فيه "إسرائيل" البلد بمجمله حتى أعاد الرئيس المقاوم أميل لحود تصويب المسار.

 الحقيقة التي يعرفها الجميع أن لبنان بتركيبته الهشة المفتقرة إلى أبسط مستوى من التضامن والتماسك، أنشئ عن عمد ليكون بلداً ضعيفاً وساحة للتجاذبات الإقليمية والدولية، حتى بات شعار "قوة لبنان في ضعفه" منسجماً تماماً للدور الذي أنيط به، فكان الحلبة التي تتسع لكل صراعات القوى، وأرضاً ترتع فيها معظم أجهزة استخبارات دولية، بعضها قد لا يخطر ببال.

  وبطبيعة الحال "الشعوب اللبنانية" حاضرة في هذه الساحة تلعب الأدوار وتنفذ ما هو مطلوب منها، من ضمن الإطار الوظيفي المحدد.

  ولك أن تتصور وبعد ستة عقود من الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان من ينكر أو يتنكر لكل هذه الاعتداءات!! فإسرائيل عند البعض ليست سوى عدوٍ لفظي!!

   بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية وترتيب اتفاق "الطائف" صرح أحد الزعماء المسيحيين قائلاً: إن المارونية السياسية ارتكبت خلال حكمها لبنان أخطاء قاتلة، ونتمنى ألا يرتكب المسلمون الأخطاء ذاتها..

   لقد خسر المسيحيون الحرب، والصراع لا زال قائماً، لكن بأشكال مختلفة والأخطار محدقة تتهدد الجميع ولا أحد بمنأى عن تداعياتها، سيما ما يجري الآن على مستوى المنطقة كلها "التي ستكون بإزاء إنشاء دويلات تقام على خطوط تماس مذهبية وقومية تبدأ في العراق ولا يعلم أين تنتهي..

 والأخطر هو العمل على إحداث فاصل جغرافي يحول دون إنجاز التواصل الجغرافي لبلدان وحركات محور المقاومة والممانعة ويبدو أن المناخ الذي طرأ في الأعوام الثلاثة الأخيرة يميل إلى الحفاظ على كيانات سايكس بيكو ، لكن بشخصية جديدة مستندة إلى فكرة بدأ تطبيقها عملياً في العراق ويمكن تسميتها: "الولايات العراقية المتحدة" وربما "الولايات اللبنانية المتحدة" وهكذا يكون المشروع التفتيتي قد تحقق، والدور الوظيفي الجديد هو إدامة الصراع إلى ما لا نهاية هل يحقق ذلك به وأين دور المقاومة ؟

اليوم ظهر خطأ الساسة الموارنة، والمنظرون لنظرية ميشال شيحا "اللبنانوية" عندما ألحوا على فرنسا بالمساعدة على تحقيق "الحلم" المشروع الطائفي الماروني، فوجدوا أنفسهم بعد سايكس بيكو، وقد تحولوا من كتلة اجتماعية سياسية وازنة، بالنظر إلى مسيحيي المشرق، وعلى امتداده ، وتشكل قوة رئيسية في كيانه ـ إلى أقليات في كيانات التقسيم فالضربة الأولى للمسيحية المشرقية، جاءت من سايكس بيكو أي تلبية لمصالح الاستعمارين الفرنسي والبريطاني.

هوس القيادات المارونية بإنشاء دولة منفصلة عن سوريا .. للحفاظ على أكثرية مارونية في دولة ضيقة الأرض ضعيفة الموارد، أدى فيما بعد إلى استنزاف الجبل ديموغرافيا، والهجرة المارونية.

على ضوء التطورات راهناً، لم يعد المتكأ لمصالح الغرب هم المسيحيون، كما كان في الماضي،  تغير الزمن وانقلبت الموازين، فبعد أن فشل المشروع التوأم في لبنان وفلسطين ، والذي  فشل في لبنان ونجح في فلسطين. أصبحت صورة الصراع اليوم مع يهودي عنصري ، ومسلم إلغائي، لوجود الاخر اي آخر حتى لو خالفه في الرأي ، متمثلاً بالإسلام الأمريكي المتمثل بـ "داعش" والمتماهي شكلاً ومضموماً وسلوكاً وعقيدة وأهدافاً بالفكر التوراتي والتلمودي. هذه الصورة المرتسمة معالمها  ومسرحها على امتداد الوطن العربي.

 ومن البديهي أنه في ظل وجود المشاريع المتضادة التي لا تلتقي ولو بالحد الأدنى من وجود مساحات مشتركة، سيبقى الصراع مستداماً، ولبنان هنا مساحة صراع، وإن لم يعد وحده هذه المرة، بعد أن توسعت لتشمل دولاً عدة، ولم تعد الخلافات محلية، ولم تكن في يوم من الأيام كذلك من دون امتدادات وارتباطات خارجية.

 متى يستفيق العرب من سباتهم ويتخلون عن عصبياتهم المدمرة ، ويعودون إلى رشدهم وألا يكونوا ألعوبة بيد الأعداء أم أننا ارتضينا أن نكون عنوانا لقول الشاعر :  

             أغاية الدين ان تحفوا شواربكم                           يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

   أو أن ما آلت إليه أوضاع المنطقة، يحدث عن علم ومعرفة، وعن تخطيط من قبل غرف عمليات مراكز الاستخبارات الدولية المعروفة ؟ الهدف المركزي لإدارة المنطقة بما يتناسب مع مصالح تلك الدول ،هو تفكيك الدول والكيانات وتقسيمها الى سلطات متنازعة متقاتلة ، مذهبيا في منطقة ،وطائفيا في منطقة اخرى  و... ليصار الى إعادة تركيب كيانات وجماعات .. على هذا الأساس .

  موضوع له صلة وارتباط بما قدمنا له من أحداث خلال القرن الماضي . يأتي بحثه إن شاء الله تعالى .



[1] يتقاتلون..يضعفون.. وتقوى. ابتسام الشامي . الوحدة الإسلامية العدد 149

[2] المارونية في لبنان ص 430ومن المتصرفية الى اليوم :البر داغر .الاخبار .العدد:2379

[3] أمين مصطفى: المقاومة في لبنان ص 20

[4] م.ن. ص 21و 22.

[5] المقاومة في لبنان، أمين مصطفى ص 19 ـ 20

[6] جهاد بنوت، حركات النضال في جبل عامل ص 221 ـ 222

[7] م.ن. ص234 بتصرف.

[8] د.علي سليمان المقداد. لبنان من الطوائف إلى الطائف ص 142

[9] جهاد بنوت. حركات النضال في جبل عامل ص 220

[10] م.ن. ص 193ـ 194

[11] جهاد بنوت. حركات النضال في جبل عامل ص 212

[12] حركات النضال.. ص 246 ـ 247 بتصرف

[13] حركات النضال. م.س. ص 215

[14] حركات النضال م. س. ص 294

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2014/12/20   ||   القرّاء : 1712


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 هيئة علماء بيروت تتقدم بالعزاء بضحايا الزلزال في إيران

 هيئة علماء بيروت تدين بيان الجامعة العربية بحق المقاومة

  مصيبةُ الإمامِ الحسين (عليه السلام) ابكت كلُّ الوجودِ

  . لماذا ثار الإمام الحسين(عليه السلام)؟

  العباس بن علي عطاء وإيثار

  الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) يرفض البيعة ليزيد ويخرج ثائرا

  إحياء أمر أهل البيت(عليهم السلام)

  الأبعاد المعنوية في شخصية الإمام الحسين عليه السلام

  شرح خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) في مكة

  رسالتنا في شهر محرم

 

مواضيع عشوائية :



 شيعة علي(ع) وأوصافهم

 دماء على الأيام في الثورة الحسينية

  مسيحي في كربلاء يبكي الحسين عليه السلام

 إطلالة على عقائد اليهود

  في فضلِ شهر رَجَب وجملة من أعمالِه

  هيئة علماء بيروت تدين التعرض الصهيوني الحاقد للمقدسات

 شهداء العقيدة

 نستنكر اعتقال سماحةالشيخ حسين المعتوق في الكويت

  من كلمات الإمام الجواد(ع) ومواعظه

 الإمام الحسن بن علي العسكري

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 747

  • التصفحات : 2319388

  • التاريخ : 22/11/2017 - 03:46

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net