هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (60)
---> عاشوراء (48)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (12)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (102)
---> قرانيات (53)
---> أسرة (20)
---> فكر (91)
---> مفاهيم (114)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : فكر .

              • الموضوع : المنشأ النفسي والاجتماعي لظاهرة العنف .

                    • رقم العدد : العدد الثامن والعشرون .

المنشأ النفسي والاجتماعي لظاهرة العنف

 المنشأ النفسي والاجتماعي لظاهرة العنف

الشيخ سعد الله خليل

 

منذ البدايات الأولى للإنسان وهاجسه الأول السعي لتحقيق أعلى درجات الاطمئنان والأمان له ولعائلته ولذلك عمل على معرفة نفسه ومعرفة الآخر ومعرفة كل ما يدور حوله من مخلوقات وظواهر الكون والطبيعة وأدرك الكثير من المخاطر التي تحيط به وعمل على إيجاد السبل والآليات التي تحميه منها.

ومنذ ذلك الحين والإنسان يتخبط ويعيش صراع البقاء والحفاظ على ذاته وكيانه وقد عاش الصراع المرير مع مخاطر الطبيعة والكائنات الحية الأخرى، ومع بني جنسه من الناس وإلى الآن لم ينته هذا الصراع حتى مع تطور الحضارة الإنسانية واتساع طموحاتها ووجود الكثير من صيغ التعايش بين البشر وتطور آلياتها.

ولكن من المؤسف جداً أن نقول إن تطور الإنسان زاد من هواجسه للحفاظ على الحياة حتى وصل به الأمر إلى الشعور بإنعدام وسائل مواجهة المخاطر المترتبة على ما انتجته حدة الصراعات من موجات العنف وأشكالها المتنوعة بين شرائح المجتمع البشري، بين الإنسان وأخيه الإنسان، وصراع الإنسان وعنفه ضد الطبيعة والبيئة، وعنف الشعوب والمجتمعات ضد بعضها البعض حتى باتت وسائل العنف هذه تؤدي إلى تهديم التطور الحضاري والإطاحة بكل القيم الإنسانية وساد العدوان والتعسف على كل المستويات السياسية والفكرية والثقافية والعقائدية وغير ذلك.

فالتاريخ قبل الحاضر سجل الكثير من دورات العنف الفردي تجاه الأفراد والعنف الجماعي ضد الشعوب وسجل الكثير من أحداث وأفعال المجموعات المتطرفة التي آمنت بالعنف كوسيلة للوصول إلى أهدافها وتحقيق غاياتها.

هذا في الماضي، أما في أيامنا هذه ما زال العنف عند الأفراد والجماعات والدول يُعتمد وسيلة للوصول إلى أهدافهم وتحقيق غاياتهم مع فارق أن التطور العلمي في أيامنا يستخدم للإمعان أكثر والمبالغة في إحداث أكبر الأضرار الممكنة بالآخرين بالطرق الوحشية التي لا تأخذ بالاعتبار أياً من الخطوط الحمراء المجمع عليها حتى بين صناع الحروب.

ما قدمته يجرنا للبحث عن مفهوم العنف أو التطرف من منظور علمي لذلك أقول: فقد أجمع علماء النفس والاجتماع على أن الإنسان محكوم لمنظومة القيم الاجتماعية والدينية والثقافية العامة للمجتمع الذي يعيش فيه، أو ينتمي إليه وهو أيضاً محكوم لتكوينه الفطري الذي يدفعه للاتصال بالجماعة والعمل الجماعي أي أنه اجتماعي بالطبع، وواقع تحت تأثير غرائزي لإشباع حاجاته الفطرية الطبيعية التي جبل عليها، وينطلق من خلالها لتحديد موقعه ومكانته في المجتمع وبالتالي تحديد الوظيفة والدور المفترض الذي يثبت عضويته بغض النظر عن مدى فعاليته، لأننا ما زلنا نتحدث عن دافع غرائزي فطري أما عندما يتجاوز الإنسان هذا الدافع إلى الدوافع الأخرى المبنية على بداياته المعرفية وتراكم التجارب الحسية المنطلقة من إعمال العقل ودمجه المكانيكي مع منظومة القيم فللحديث بُعد آخر يُدخلنا إلى عمق المجهول في عالم الإنسان المجبول في تحديه لعالم الأسرار والغيبيات.

ونقصد بالأسرار هنا ذلك التداخل العجيب المكون لمخزون الإنسان الفيزيولوجي والبيولوجي بأبعاده الفطرية والنفسية ومجموعة القابليات والاستعدادات التي تدفع به نحو تأكيد طباعه المدنية والاجتماعية وانطلاقة الوعي المتدرج مع أوزار الخوف في عملية ترويضية معقدة لإثبات الذات.

هذه العملية هي التي تشكل المفصل الهام في حياة الإنسان فإما أن يخرج منها سليماً معافى ثابتاً على أرضية فطرية سليمة تؤكد حقيقته الإنسانية أو أنه يخرج على خلاف ذلك منحرفاً أو متطرفاً أو معزولاً أو متمرداً سلبياً.. الخ

إذن فالتطرف حالة خارجة عن التكوين الفطري السليم وبالتالي غير محكوم بمنظومة القيم الآنفة الذكر، ولكنها ليست حالة مرضية بالمعنى الدقيق للكلمة كما يحلو للبعض أن يفسرها، فالمتطرف إنسان طبيعي محكوم لمنظومة قيم غير طبيعية خاصة إذا تحولت هذه القيم إلى قيم جماعية وثقافة نافذة في مجتمع ما.

والحديث عن هذه الظاهرة (العنف والتطرف) من خلفيات سياسية أو أبعاد اجتماعية لا يزيدها إلا نمواً واتساعاً وانتشاراً، وقد ثبت علمياً بأن أسوأ أساليب مواجهة ظواهر من هذا النوع هو أسلوب الوعظ والتأنيب والبناء على النتائج دون محاكاة الهواجس والأسباب والدوافع.

بخلاف المراحل السابقة التي كان التطرف عادة يأخذ فيها بُعداً فكرياً أو عرفياً وغير ذلك من الأبعاد المحدودة في أمكنة وظروف خاصة ومعينة أما وأنها أخذت بُعداً دينياً فيعني ذلك إمكانية انتشارها حيث تنتشر الأديان ولا أعلم أن في هذا العالم مجموعة من الناس لا تنتمي إلى دين من الأديان وهذا يعني أيضاً أن هذه الظاهرة آخذة بالتغلغل إلى المجتمعات كلها عاجلاً أم آجلاً.

وبالتالي يمكن أن يأتي اليوم الذي لا ينجو من انعكاساتها الخطرة أحد ما لم تتوفر عناصر مواجهتها من قبل المخلصين بطريقة علمية وموضوعية، بعكس ما نراه اليوم وللأسف أن جُل عناصر المواجهة محصورة بمجموعة من الكتابات والخطابات والأحاديث المتلفزة وكل ذلك في دائرة الإدانة وكفى.

اعتقد أن عناصر المواجهة هذه وبهذه الطرق هي أكثر تثبيتاً لهذه الظاهرة من مواجهتها ولا أشك هنا في نوايا الكتاب والخطباء والمحدثين بل ما أردت قوله هو أن النية يمكن أن تكون حسنة ولكن الأسلوب خاطئ واستميح هؤلاء عذراً في قولي إن مواجهة ظواهر من هذا النوع تحتاج إلى متخصصين وليس إلى مهارة الإنشاء أو طلاقة الألسن أو ردود أفعال لا تشبه إلا تطرفاً معاكساً أي أننا نعالج المشكلة بالمشكلة والتطرف بالتطرف والعنف بالعنف المضاد، بل لا بد من العمل على التشخيص والبحث العلمي والموضوعي عن الدوافع والأسباب والحوافز والمؤثرات والمثيرات.

وهذا العمل يحتاج إلى جهود مضنية من قبل مراكز أبحاث ودراسات وبالتالي متخصصين في كثير من المجالات المختلفة التي تُعنى عادة بالعمل على تشخيص الداء والبحث عن الأدوية الشافية له.

وأغرب ما في هذا العالم لاسيما في عالمنا العربي أن أكبر السياسيين والمفكرين والقادة لا يتجرأ أحد منهم على وصف حبة دواء حتى لمن تلدغه بعوضة لكن عندما تكون هناك ظاهرة اجتماعية أو دينية أو تربوية أو نفسانية أو ما شابه فإن الواحد منهم يتحول مباشرة إلى عالم اجتماع أو عالم دين أو متخصص تربوي أو معالج نفساني..إلخ

إن التخبط وانعدام الحكمة والمواقف الارتجالية غير المعُدّة والمطروحة سلفاً وغيرها تشكل في غالب الأحيان البيئة الحاضنة للمواقف المتطرفة والأساليب العنفية والغلو في النظر إلى الأشياء. فعدم سيادة القانون العادل والمعارف الحقة وعدم تحكيم ذوي الاختصاص والمهارة وانعدام تعاون الناس مع بعضهم البعض كل من موقعه العلمي والقانوني والاجتماعي والتربوي والسياسي والمعرفي بشكل عام هو الجهل بعينه والجهل هو الأب الروحي للتطرف.

إن التطرف ليس نتاج شخصية محددة فالشخصية بذاتها لا تكون تطرفاً لأن التطرف منهج فكري أكثر منه حاجة نفسية وسلوكاً اجتماعياً يجذب إليه من أفراد المجتمع من هم أكثر ميولاً واستعداداً نفسياً لقبول ما هو خارج عن دائرة القيم السائدة عادة.

فالمتطرف يرتاح إلى ما هو معاكس لكل ذوق عام ويعطي لما يحكم المجتمع قيمة عكسية تصل في كثير من الأحيان إلى إباحة المحرمات ويرى في ذلك خدمة له ولمجتمعه حتى ولو كان ذلك قتلاً أو سرقة أو تدميراً، فالتطرف هو انحراف عن المبادئ السائدة والحاكمة بل أكثر من ذلك فيرى المتطرف في هذه المبادئ عقبة بحد ذاتها بغض النظر أكانت هذه المبادئ دينية أو وضعية.

فالمتطرف يعمل جاهداً وبطريقة لا إرادية في غالب الأحيان على إعادة تشكيل نفسي حيث يعزل نفسه مدة معينة عن ذاته ومجتمعه ثم يعمل على إعادة بناء شخصيته وذاته من جديد بفكر وقناعات جديدة وسلوك جديد مناقض لمبادئه الموروثة ومتوافق مع التركيبة المستحدثة لذهنيته وتصوراته.

ومن الملاحظ أن التطرف ليس حكراً على مجموعة معنية من الناس بل يملك من القدرة ما يستطيع من خلالها أن يدخل إلى كل العقول والنفوس وبالتالي كل الطبقات الاجتماعية المختلفة والشخصيات المتنوعة.

والتطرف ليس نتاج فكرٍ معين وليس من الإنصاف أن نلصق التطرف بالدين والمجموعات الدينية الإسلامية وغيرها بل هو نتاج كل البيئات الحاضنة بغض النظر عن انتمائها الديني أو الفكري الوضعي.

والتاريخ يشهد ببروز حالات التطرف والمتطرفين في كل الأزمنة والأمكنة ولست مبالغاً إذا قلت إن التطرف حالة فكرية منحرفة صاحبت البشرية منذ أقدم العصور إلى يومنا هذا ويظهر أنها ستبقى كذلك إلى يوم يُبعثون لأنه ليس في الأفق ما يقنع بأن العالم يسير نحو معالجات لهذه الظاهرة بل أكثر من ذلك إننا نشعر بأن الآتي من الأيام سيشهد من حالات التطرف ما لم تشهده حقبات أخرى سابقة وأن آثار التطرف المستقبلي ستكون أشد قسوة وأكثر فتكاً من الماضي باعتبار أن تراكم الأحداث وتسارعها وتداخل تعقيداتها سيجعلها عصية على الحلول لأن التطرف في الماضي كان يمثل حالة شاذة في المجتمعات ومحدودة في التأثير بينما نجد اليوم الفكر المتطرف وأفعال التطرف تصدر من أعلى السلطات وأن هناك دولاً بحد ذاتها محكومة بأفكار التطرف وقوانين التطرف ويحكمها متطرفون، وهناك الإعلام المتطرف وأكثر وسائل الإعلام اليوم تنتحي منحى التطرف سواء على المستوى الديني أو المذهبي أو السياسي وحتى الاقتصادي وغير ذلك.

والأخطر من ذلك كله أنه أصبح هناك فلسفات وعلل خاصة للتطرف بل وشُرّعت قوانين بناء على أساس فكري متطرف ولا أتحدث هنا عن الإعلام الديني فقط بل إن المنصف المتابع والمواكب لحركة الإعلام يرى أن الإعلام الغربي يفوق في تطرفه الإعلام الديني ولاسيما الإسلامي منه أكثر بكثير إن لم نقل بأن الإعلام الإسلامي المتطرف ولد من رحم الإعلام الغربي وتعلم منه الدروس وتقنيات المؤثر والمثير.

التطرف غالباً ينتج عن اضطراب في الشخصية والشخصية المضطربة من أكثر الشخصيات التي تمتلك الاستعداد والقابلية للتطرف لأن الإنسان المضطرب لا يملك معايير واضحة أو ثابتة ولا يملك موازين حقيقية وموضوعية في طريقة تقويم الأحداث والمواقف التي تعترضه في الحياة بعكس الإنسان السوي فإنه محكوم بمنظومة من المسلمات التي تشكل بحد ذاتها مجموعة من المعايير والموازين التي يقيس من خلالها وعلى أساسها كل الأحداث والمواقف التي تعترضه في حياته على المستويات كافة فبالنسبة له فإن لكل شيء حداً وللحد حد وأيضاً هناك حد أقصى وحد أدنى وساحات يمكن أن تكون مقفلة وأخرى متحركة وهكذا..

والإنسان المضطرب أيضاً هو إنسان فاقد للتوازن في المشاعر والإنفعالات وهو غير متناسب مع الحدث بشكل متوازن وطبيعي فهو في الغالب يتعامل مع الحدث بمشاعر زائدة فيعطيه أكثر مما يستحق أو بمشاعر ناقصة يمكن أن تصل إلى حد اللامبالاة، مثال ذلك أن يفقد الإنسان والده أو والدته فهو حدث محزن ويستحق التفاعل معه ضمن حد معين من الحزن، ولا يخرجه هذا التفاعل عن عقله وصوابه، أما الشخص المضطرب فإنه إما أن يخرج عن عقله وصوابه وكأن الدنيا كلها قد تهدمت على رأسه أو أنه لا يبالي وكأن شيئاً لم يقع وبالحد الأقصى يتأثر كتأثر أهل القرية بموت أحد أبنائها.

أما بنظر علم الاجتماع فإن العنف والتطرف هو سلوك إيذائي قائم على إنكار الآخر وعدم الاعتراف به كقيمة تستحق الحياة والاحترام وهو محاولة مستميتة لاستبعاد الآخر عن حلبة الصراع إما بأن يجعله تابعاً وإما بنفيه خارج ساحة الصراع وإما بتصفيته معنوياً أو جسدياً.

فالعنف في المنظور الاجتماعي هو عدم الاعتراف بالآخر ورفضه وتحويله إلى الشيء المناسب للحاجة العنفية إذا صح التعبير, وعليه فإن العنف هو واقع اجتماعي تاريخي ينتجه الفاعل الفردي المتسلط كما ينتجه الفاعل الجمعي المتسلط في سياق التصارع وغياب أي نظام علائقي يربط الناس بمعايير ونظم موحدة.

فالإيذاء كمصداق للعنف والتطرف تارة يكون فردياً باستخدام الفرد ليده أو لسانه بشكل عنيف تجاه شخص آخر، وتارة يكون جماعياً حيث تقوم مجموعة بشرية ذات خصائص مشتركة باستخدام العنف والقوة وسيلة من وسائل تحقيق أهدافها الخاصة، وفي الحالتين لا تتكون ظاهرة العنف بمعزل عن الموجبات الاجتماعية والمسارات التاريخية التي خلقت هذه الظاهرة في الوجود الاجتماعي، والعنف بوصفه ظاهرة فردية أو اجتماعية هو تعبير عن خلل ما في سياق صانعها إن على المستوى النفسي أو الاجتماعي أو السياسي وحتى على المستوى الاقتصادي، هذا السياق يمكن أن يدفع باتجاه استخدام العنف بتوهم أن خيار العنف والقوة سيوفر كل المتطلبات ويحقق كل الأهداف.

وفي حقيقة الأمر إن استخدام العنف والقوة والتطرف في العلاقات الاجتماعية تحت أي مسوغ يُعد انتهاكاً صريحاً للنواميس الاجتماعية التي حددت نمط التعاطي والتعامل في العلاقات الاجتماعية فإننا نرى العنف من الأسلحة الخطيرة التي تقوّض الكثير من مكاسب المجتمع وإنجازات الأمة والمصالح الوطنية لأن العنف بتداعياته المختلفة وموجباته العميقة والجوهرية سيصنع جواً وظروفاً استثنائية وغير مستقرة تعرقل الحياة الاجتماعية والسياسية والتنموية وغيرها.

والممارسات العنفية واستخدام أساليب التطرف يحوّل الحياة المدنية والاستقرار إلى طغيان العامل الأمني وعسكرة الحياة وهو ما يؤدي إلى فرض واقع العنف والعنف المضاد وبالتالي عرقلة الحياة بكل تفاصيلها وجوانبها ومستوياتها.

ومن أجل فهم أوسع لظاهرة العنف لا بد من التعرف على الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة وباعتبار قابلية الظاهرة العنفية للإنقسام والتعدد من حيثية توصيفاتها وأنماطها فقد خضعت للدراسة والتحليل بحسب تعدد العلوم الاجتماعية والإنسانية التي ركزت في معالجتها لموضوع العنف على القوى التي تحرض الفرد والعوامل التي تعمل على كبت بعض الأنماط السلوكية والبواعث والدوافع.

هذا وقد انتهت دراسات العلم الحديث إلى نظريات ثلاث لتفسير السلوك العنفي:

-       الأولى: السلوك العنفي أمر غريزي فطري

-       الثانية: السلوك العنفي أمر مكتسب (نظرية التعلم الاجتماعي)

-       الثالثة: السلوك العنفي أمر فطري يشكل استجابة لشعور مكتسب من البيئة الاجتماعية.

والعنف ظاهرة مركبة من ثلاث عناصر متصلة ومترابطة:

-       العنصر الأول: يتصل بعالم الأفكار.

-       العنصر الثاني: يتصل بالبيئة الاجتماعية التي يتولد فيها العنف.

-       العنصر الثالث: يتصل بالنشاط السلوكي للظاهرة.

هذه العناصر الثلاثة المركبة والمتصلة فيما بينها تشكل المدخل الحقيقي لفهم ظاهرة العنف ولا يمكننا أن ننظر إليها بصورة أحادية ومفككة لأن ذلك لا يساعد على تكوين فهم ناضج وعميق لهذه الظاهرة، فعالم الأفكار هو العنصر الخفي لكنه الأكثر جوهرية في معرفة المنطق الداخلي لظاهرة العنف، فالأفكار هي التي تقوم بدور تشكيل المسوغات والمبررات وبناء القناعات وإضفاء الشرعية على هذا النمط من السلوك.

من هنا ننطلق للقول بأن العنف ظاهرة فكرية تعبر عن نفسها في نشاط سلوكي يتصف باستخدام وسائل القوة هذه القوة تعبر عن المظهر الخارجي للظاهرة، وتصبح الأفكار هي المعبرة عن المظهر الداخلي لهذه الظاهرة العنفية.

وما يساهم في توليد البواعث والدوافع والمحرضات الحسية وخلق الإنطباعات والصور الذهنية المحركة لذلك النمط من السلوك العنفي هو البيئة الاجتماعية وما تختزنه من طبيعة ملامح ومكونات.

والأفكار لوحدها لا تكون مؤثرة ولا تتحول إلى ظاهرة سلوكية إذا لم تجد ما يبرر لها ويحفز عليها من داخل البيئة الاجتماعية.

والأفكار لا بد لها من سياق تتفاعل معه حتى تكتسب طابع التأثير وقوته ولا تستطيع التحول غالباً من عالم النظرية إلى التطبيق السلوكي، والحاضنة الاجتماعية هي التي تشكل ذلك السياق الذي يساعد تلك الأفكار في أن تتحول إلى نشاط سلوكي وإلى ظاهرة تتجه نحو العنف واستعمال وسائل القوة.

عدم قبول ظاهرة العنف باعتبارها ظاهرة غير طبيعية يجعلها تحتاج إلى ما يبرر لها ويحرض عليها ويعطيها نوعاً من المشروعية ولا يتحقق ذلك إلا من خلال مجموعة من الأفكار التي تأخذ إلى حد ما طابع التسويق عند البيئة الاجتماعية وطبيعة منطقها واستعدادها لقابلية تستوعب معها هذا النوع من النشاط السلوكي وتبريره.

والسلوك العنفي تختلف صورته بحسب طبيعة الأفكار المكونة له وبحسب طبيعة البيئة الاجتماعية التي يتولد منها ويظهر فيها من جهة أخرى لذلك قد تختلف أو تتعدد صور ظواهر العنف وأنماطها باختلاف هذه البيئات الاجتماعية وتبقى متحدة أو متقاربة من جهة عالم الأفكار، فالصورة التي يظهر عليها العنف في بلد ما تختلف عن الصورة التي يظهر عليها العنف في بلد آخر والاختلاف بين هذه الصور ليس ناشئاً من اختلاف الأفكار بقدر ما هو ناشئ من اختلاف طبيعة البيئات الاجتماعية وتركيبتها الثقافية والسياسية والاقتصادية والجغرافية، طبعاً نحن نتحدث هنا عن عنف الجماعات وليس عنف الأفراد، وعلى العنف المنهجي والمنظم، وليس عن العنف العفوي أو الطارئ، وهذا يعني أن العنف ظاهرة مركبة وليس بسيطة تتوقف أجزاؤها المتصلة والمنفصلة بعضها على بعض توقفاً ضرورياً.

ولا يمكن إلا أن نخضع العوامل المؤدية إلى ظاهرة العنف إلى أصلين رئيسيين يُعبر عنهما علم النفس الحديث بالوعي واللاوعي في الشخصية، فالسلوك العنفي قد يكون أحياناً مقصوداً كان سواء مبرراً أو غير مبرر (مبرر في حالات الدفاع عن النفس) فهو يترك آثاراً سلبية على مسيرة المجتمع السوي دون شك خاصة وأن السلوك مدعوم بإرادة وإصرار وتعمد.

وهناك عوامل كثيرة تؤدي إلى هذا السلوك العنفي قد تكون نفسية كالحسد الذي وقعت بسببه أول جريمة في التاريخ عندما قتل قابيل هابيل حسداً، وقد تكون عوامل خارجية كالتنافس غير المشروع على المصالح الخاصة هذه العوامل وغيرها تعتبر من الأسباب الرئيسية لقيام الحروب المدمرة والمجازر والمآسي خاصة تلك التي تستخدم فيها كل الوسائل في سبيل هزيمة الخصم.

وقد يكون السلوك العنفي غير مقصود وذلك عندما يكون الإنسان مسلوب الإرادة أو في غيبوبة عن الوعي فيأتي بالجريمة عن غير قصد ويكون بذلك واسطة لغيره من المجرمين الحقيقيين أو أنه يكون ومرغماً عليه.

وهناك ما يسمى بهستيريا الشعور الجماعي الذي تتداخل فيه أنماط السلوك الواعي واللاواعي وهو نوع من الهوس بالمشاركة الجماعية تنتقش من خلاله بواطن النفس فتتشكل في نوع من ردود الأفعال غير المنضبطة فترتكب الجرائم من القتل والنهب والسلب والتخريب إلى غير ذلك مما يرافق ما يطلق عليه حالياً(أعمال العنف).

إن هذا النوع من الأنماط السلوكية الجماعية (هستيريا الشعور الجماعي كما يسميه علماء النفس) هو من نوع العنف اللاوعي مع سلب الإرادة لكنه قد يأتي مقصوداً أو غير مقصود لأنه لا يخضع سلب الإرادة كاملة وإنما يبقى تحت تأثير البيئة ودرجة ومستوى الثقافة والتدين والتربية الأخلاقية للفرد وتوازنه النفسي العام في الحالات العادية للسلوك الجماعي.

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2015/04/30   ||   القرّاء : 1385


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 معرفة الله

 الدين وحده الذي يروض النفس

  الإحسان إلى الوالدين

  الإحسان

  اكل المال بالباطل

  أذية المؤمن

 حسن العشرة ولين الجانب

  حكمة بالغة للإمام زين العابدين (ع)

  التكافل الإجتماعي

  كيف أصبحت ؟

 

مواضيع عشوائية :



 من أحكام علاقة الرجل بالمرأة

 المنهج الاجتماعي في التعامل مع النصوص الدينية

 البداء في المنظور الإسلامي

 إنا لله وإنا إليه راجعون

 مدرسة عاشوراء ودورها في الحفاظ على استمرارية خط الولاء لأئمة أهل البيت عليهم السلام

 مع سُورة آل عِمْران في خطوطها العامة

 يوم إكمال الدين وإتمام النعمة

 من وصايا الإمام علي(ع)

  الزواج أول مرحلة للخروج من النفس الفردية

 يوم إكمال الدين وإتمام النعمة

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 723

  • التصفحات : 2216488

  • التاريخ : 22/08/2017 - 04:33

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net