هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (60)
---> عاشوراء (48)
---> شهر رمضان (63)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (11)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (94)
---> قرانيات (52)
---> أسرة (20)
---> فكر (88)
---> مفاهيم (104)
---> سيرة (61)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : أسرة .

              • الموضوع : التربية عملية مستمرة تواكب النمو .

التربية عملية مستمرة تواكب النمو

التربية عملية مستمرة تواكب النمو

الشيخ نعيـم قاسـم (*)

التربية في المراحل العمرية :

أسس الرسول محمد "ص" لقاعدة إستراتيجية في التعاطي التربوي مع النمو البشري ، بما يتلاءم مع القدرة والإستعدادات ، عندما أطلق تحديده للمراحل العمرية للولد منذ أكثر من 1400 سنة ، ولم يكن في دائرة النصيحة التوجيهية العابرة ، بل لتعليمنا سراً من أسرار الخلق ، ليوفر علينا تجارب الإستكشاف ويسهل طريق تنمية معارفنا ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) (1) وها نحن نرى اليوم دعائم علم النفس التربوي الحديث ، تقوم على التقسيمات العمرية التي تتلاءم مع التكوين الفطري والتوجيه التربوي والتي تشابه تقسيمات الإسلام في مضمونها .

قال رسول الله "ص" : الولد سيد سبع سنين ، وعبد سبع سنين ، ووزير سبع سنين ، فإن رضيت أخلاقه لإحدى وعشرين ، وإلا فأضرب على جنبه فقد أعذرت إلى الله (2) .

عن الأئمة (ع) قال أمير المؤمنين على "ع" " يرخى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً ويستخدم سبعاً ، وينتهي طوله في ثلاث وعشرين ،وعقله في خمس وثلاثين ، وما كان بعد ذلك فالتجارب (3) .

قال الصادق "ع" " دع أبنك يلعب سبع سنين ، ويؤدب سبعاً ،والزمه نفسك سبع سنين ، فإن أفلح ، وإلا فلا خير فيه " (4) .

فالمراحل العمرية ثلاثة (5) .

الأولى ـ من 1-7 سنوات : الولد سيد ، فلا تنفع القسوة معه ،ولا تعدل بعض تصرفاته لإعتبارات تكوينية ، فجسده محدود القدرة ،ورغباته لا تخضع لمعايير عقلية ،ولا يفهم ضوابط المجتمع الذي حوله ، ولا يمكننا فهم بعض إختياراته ،ولا نعرف إنطباعاته ومسبباتها في كثير من الحالات ، فتعامل معه بقناعة عدم قدرتك على إدارته بالكامل كما تريد ، فهو سيد في أختياراته .

يترك الصبي سبعاً ، فهو بحاجة ليعيش طفولته وينمو فيها ،لأنه بهذا الأسلوب يعيش التوازن والنمو الطبيعي ، على قاعدة التقليل من التوجيهات والضوابط ،والإكتفاء ، بزرع بعض القيم الضرورية لهذا العمر .

دع أبنك يلعب سبع سنين ، لتنمو عضلاته ويكتسب جسده المرونة والنمو والصحة ،وليشعر لذة الطفولة ، كي ينشأ فيها وقد أخذ حقه منها ، كما ينعكس اللعب على نضجه العقلي وإستقراره النفسي .

الثانية ـ من 7-14 سنة : الولد عبد وهو التعبير عن مرحلة التوجيه الرئيسة في متابعة الولد بأدق التفاصيل ، ومواكبته جسدياً ونفسياً وعقلياً وأخلاقياً وإجتماعياً ، فهنا مسموحات وممنوعات ، أوامر ونواهي ، ثواب وعقاب ، وهنا التربية والمواكبة بكل زخمها .

وهذا ما تعنيه عبارة " ويؤدب سبعاً " فهي المرحلة العمرية الأدق في حياة الإنسان ، التي تحتاج إلى رعايتها لصقل الشخصية ، وتعبئتها بالقيم والمفاهيم ،وإرشادها نحو الطريق الأفضل في الوعي والسلوك ،وتخضع شخصية الولد لتقلبات كثيرة في هذه المرحلة ، ويتأثر بكل ما يحيط به في البيت والمدرسة والمجتمع والأصدقاء ، ما يتطلب رقابة دقيقة ، ومتابعة تعليمية تربوية تأديبية غير منفردة ، ففي نهايتها الخطوة الإنتقالية إلى المراهقة ، إلى مرحلة جديدة بخصائصها ومواصفاتها .

الثالثة ـ من 14-21 سنة : الولد وزير ، فقد بدأت خياراته بالنضوج وبدأ يتمسك بآرائه وتجربته ، فصاحبه مصاحبة الوزير المشاور ، وبطريقة تربوية تستهدف الحوار والإقناع والتفاعل ، وتبتعد عن الفرض والقوة وسلب الشخصية .

إنه يشعر بشخصيته المستقلة ،ويحاكي الكبار في تصرفاته ، فالأفضل أن تستخدمه ، بأن تشعره بقدرته على القيام ببعض الأعمال لإنجازها كما ينجزها الكبار ،وأن تشعره بالثقة به على المستوى العملي ، ولا تقف عند بعض الأخطاء والثغرات ، فهي عادية في إطار تجربته الجديدة التي لا تستقيم من دون عثرات .

والزمه نفسك كصاحب لك ، تستشيره وتسامره وتصحبه في السفر ، تسمع مقترحاته ولا تسخفها ، تحفف من أملاءاتك عليه وتسعى لتحفيزه على الأختيار الطوعي للدرس أو العمل أو الرياضة أو الزيارة أو ما شابه ذلك ، وأنتبه لمشاعره ،فهو يعتقد بإكتمال شخصيته ،ويرى نضجه الجسدي والعقلي والنفسي قد تجاوز المرحلة السابقة ، ويزداد نمواً وقدرة بإستمرار ، وهذ1ا ما ينطبق على الشاب والشابة ، فأحرص على حسن التعامل مع هذه المرحلة الأخيرة في التعليم والتربية المباشرين .

فالتربية أساس في تكوين الشخصية ،وعلى المعنيين أختيار التوقيت والأساليب الملائمة بما ينسجم مع مراحل النمو ،وقد بادر الإمام علي "ع" ولده الإمام الحسين "ع" بالتربية بما يحقق الهدف في الهداية والإستقامة ، قال الأمير "ع" " وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ، ما ألقي فيها من شيء قبلته ، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك " (6) .

أما علم النفس التربوي الحديث فقد قسم المراحل العمرية لتربية الولد بحسب أختلاف مكوناتها إلى ثلاثة (7) أيضاً وهي :

أولاً : مرحلة الطفولة المبكرة : من 2-6 سنوات وتسبقها الرضاعة التي يقطع الطفل شوطاً لا بأس به في النمو الجسدي والحركي والعقلي والإنفعالي ، حيث تسمى المرحلتان بالسنين التكوينية ، أما في الطفولة المبكرة فتكتمل لدى الطفل قدرات جسمية جيدة كالمشي ،وقدرات عقلية كالكلام والإدراك الحسي ، ونمو حركي واضح ، وفي هذه المرحلة تغرس في نفوس الأطفال كثير من القيم والإتجاهات الأخلاقية والإجتماعية  وفيها تحدد مفاهيم الصواب والخطأ ،والخير والشر ،ويمكن القول بأنها مرحلة وضع البذور الأولى لشخصية الطفل المستقبلية (8) .

ثانياً : مرحلة الطفولة الوسطى والمتأخرة : من 6-12 سنة ،وهي المرحلة الإبتدائية في التعليم ،وفي نهايتها يشرف الطفل على مرحلة المراهقة ، وتتكون في هذه المرحلة إتجاهاته حول الذات ، ويتعلم القراءة والكتابة ،والمهارات الحركية ،ويتكون مدركاته ومفاهيمه ،ويتشكل لديه الوازع الداخلي ( الضمير ) الذي يحاسبه على الخير والشر والخطأ والصواب وتنمو لديه الرغبة بالعمل الإجتماعي وإتخاذ الأصدقاء ،ويستطيع التعبير عن إنفعالاته ـ وتتطور قدراته العقلية بشكل متراكم ،وتنشأ لديه أسئلة كثيرة عن الموت والحياة والولادة وكل ما يحيط به ، فهي مرحلة النضج المفاهيمي وغرس القيم (9) .

ثالثاً : مرحلة المراهقة المبكرة من 13-16 سنة ،وهي قسمان :

أ ـ المراهقة المبكرة من 13-16 سنة : تمتد منذ بد النمو السريع الذي يصاحب البلوغ ،حتى بعد البلوغ بسنة تقريباً ، عند إستقرار التغيرات البيولوجية عند الفرد ـ وفي هذه المرحلة يسعى المراهق إلى الإستقلال ،ويرغب دائماً في التخلص من القيود والسلطات التي تحيط به ويستيقظ لدى الفرد إحساسه بذاته وكيانه ،ويميل إلى الإندماج مع جماعة من الأصدقاء ( الشلة ) وتشتد منافسته مع أترابه وأخواته ، ويحاول أن يجذب إليه إنتباه الجنس الآخر .

ب ـ المراهقة المتأخرة من 17- 21 سنة : وفيها يتجه الفرد محاولاً تكييف نفسه مع المجتمع الذي يعيش فيه ـ ويوائم بين تلك المشاعر الجديدة وظروف البيئة ليحدد موقفه من القضايا المختلفة ،محاولاً التعود على ضبط النفس ، والإبتعاد عن العزلة والإنضواء تحت لواء الجماعة ، فتقل نزعاته الفردية ولكن في هذه المرحلة تتبلور مشكلته في تحديد موقفه بين عالم الكبار ، وتتحدد إتجاهاته إزاء الشؤون السياسية والإجتماعية وإزاء العمل الذي يسعى إليه (10) .

ولا يعني تقسيم المراحل وجود حدية في مواصفات كل عمر عند إنطباقه التام ، فمراحل النمو متصلة ومتداخلة ، ولا يوجد بينها فواصل ، ويتم الإنتقال من مرحلة إلى أخرى بشكل متدرج من دون طفرات بينها ،كما تتأثر حدود كل مرحلة بالبيئة الإجتماعية والظروف المعيشية والظروف المناخية فتزداد أو تنقص شهراً أو سنة أو أقل أو أكثر ، وإنما ينفع هذا التحديد لمعرفة الفروقات الإجمالية بين هذه المراحل ،وبناء عليه فزيادة سنة أو نقصانها لا يخل بفهمها ، وضبط إيقاعها ،والعمل فيها ، حيث تحدد مراقبة تصرفات الأولاد بوضوح عملية الإنتقال من مرحلة إلى أخرى.

إن المعلم بحاجة إلى المزيد من المعرفة في علم نفس الطفل ،وعلم النفس العام وعلم نفس التربوي ،

والتوجهات التربوية والسلوكية في الإسلام ، لتتكون لديه القدرة على التعامل مع الولد في مراحل

نموه المختلفة ، كي لا يتصرف معه عشوائياً ، فيحصد نتيجة معاكسة للأهداف التي يريد الوصول إليها :

ويتطلب النجاح في العملية التربوية عدة أمور :

1 ـ تحصيل ثقافة عامة عن التربية وأسسها مستمدة من الدين ، ومن الدراسات المعاصرة التي سبرت أغوارا التكوين البشري عقلياً ونفسياً وجسدياً بما يسمى :" علم النفس التكويني " .

2 ـ إكتساب المعرفة في الطرق والأساليب التربوية الملائمة .

3 ـ إكتساب المعرفة في طرائق تدريس المواد المختلفة .

4 ـ الإلمام الإجمالي بالأوجه المرضية للنمو والمشاكل النفسية والإجتماعية التي تحيط بالولد .

5 ـ دراسة الواقع الإجتماعي المحيط بالتلامذة الذين نريد تعليمهم وتربيتهم ، لتحديد الأداء الملائم لهم .

6 ـ تحديد الأهداف التي نريد تحقيقها ، ووضع الآليات المناسبة لها ، مع تقييم دائم ومستمر لكل خطواتنا من أجل الإستدارك والمعالجة والتصويب .

والأهم من ذلك ، أن نوجد الحافز عند التلميذ للتفاعل مع المعلم ،أكان بالمكافأة أو تحقيق الطموح أو إرضاء المحيط العائلي أو القدوة أو المحبة أو غير ذلك من الأمور التي يمكن أن تجتمع مع بعضها البعض لذلك فلا يمكن للمربي أن يؤثر ما لم يكن الملتقى ( التلميذ ) قابلاً أو متفاعلاً ، وهنا تكمن المهمة الكبرى في توفير عوامل الجذب والتحفيز ، ليتمكن المعلم من مساعدة التلميذ في تهيئة المناخات التعليمية والتربوية الملائمة والمؤثرة ،وهنا يحتاج المعلم إلى عاملين أساسيين :

1 ـ أن يمتلك المواصفات الشخصية المناسبة في العلم والأخلاق وحسن التعاطي مع الولد .

2 ـ أن يهتم بالطرق والأساليب والتقنيات التعليمية والتربوية الحديثة الفاعلة والناجحة .

 

التربية عملية مستمرة :

التربية عملية مستمرة ، تمتد عبر المراحل العمرية المختلفة ، لتشمل حياة الإنسان بأكملها ،وهي محاولات متكررة للنفاذ إلى العقل والقلب ، لإيجاد القناعة والتفاعل ، والتأثير على المفاهيم والسلوك إنها مسار تصاعدي بإتجاه منظومة القيم التي يراد تثبيتها إنطلاقاً من الأهداف المرسومة ، وعندما تختلف أساليب وطرق الأداء في العملية التربوية بين مرحلة عمرية وأخرى ، أو بين بيئة وأخرى ، فذلك للوصول إلى الأهداف ، بما يتلاءم مع الخصوصيات والظروف .

التربية تأمين لمتطلبات فطرية في حياة الإنسان الذي لا يمكنه العيش بفراغ في الأختيار ،ولا تخلو حياته من المؤثرات الرحمانية أو الشيطانية ، حيث يتأثر أختياره بحسب التربية ، صلاحاً أو فساداً خيراً أو شراً ،وكذلك في تحديد الإتجاه ، وفوعاء العقل وتفاعل القلب بحاجة إلى تعبئة ، تتحكم في مسارها طبيعة تغذيتها ،ولذا يتأثر الطفل بتوجهات وتقاليد وأعراف والديه ، ففي الحديث " كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " (11) ، فيصعب بعد ذلك تغيير إتجاهه ، إذا غالباً ما يكون التأثير في الإتجاه نفسه ، قوة أو ضعفاً ، زيادة أو نقصاناً ،وفي المساحات الأخرى التي لم يملأها الأهل ،وإذا أدت بعض الحالات إلى تغيير جذري في أصل ما تأسس عليه الطفل ، فلأن المؤثرات التربوية المقابلة أقوى .

التربية عملية تشكيل وتعديل وتغيير للسلوك البشري ، لأنها تتمحور حول طبيعة الإنسان ونمط تفكيره وسلوكه وكلما أدرك المعلم علم نفس المتعلم إستطاع التأثير في صياغة حياته ،أما تشكيل السلوك فيكون سهلاً في البداية قبل ترسيخ المفاهيم والعادات ، حيث يكون الملتقي مستعداً لكل شيء .. ومتفاعلاً مع أي شيء ، وأما التعديل فيحصل بإستبدال سلوك بآخر ،ويكون سهلاً أحياناً وصعباً في أحيان أخرى ، وذلك بحسب ألفة بعض التصرفات وغلبة العادات والضغوطات العرفية التي تحيط به وكلما كان التشجيع من الأهل والمدرسة والمحيط والأصحاب ، وهنا تتبين أهمية إختيار المدرسة وأختيار الأصدقاء كما يؤثر أيضاً نمط الأداء عند المعلم في الترغيب والتحفيز لإنجاز التعديل في السلوك بسرعة أكبر ، وأما التغيير فيتم بتراكم مكثف للمؤثرات التي تكشف خطأ المفاهيم والسلوك السابق ، وينتج عن صراع داخلي مع الذات ، في إنقلاب يحتاج إلى جرأة المواجهة السائدة  في محيط المتعلم .

التربية توجيه نحو القيم التي نريد تثبيتها ،وأي قيم أعظ وأرقى من القيم الدينية ؟ التي تحث على الفضائل والإستقامة والأخلاق والتقوى والعدل والصلاح ... إنك لا تجد مكرمة إنسانية إلا ودعا إليها الإسلام ، ولا تجد مضرة للبشرية إلا ونهى عنها ، وتترجم القيم في السلوك اليومي ، في أبسط التصرفات وأعقدها ، فالصدق قيمة مطلوبة في الحديث العادي ، وفي تعاطي التلميذ مع معلمه وزملائه وأهله ، والعلاقات مع الناس ، والمعاملة التجارية ، وخطاب القائد لشعبه ،وفي كل مفردات السلوك،ويتم تثبيتها بالتربية لتتحول إلى أداء عملي طبيعي بعيد عن التكلف .

التربية نتيجة لجهود كبيرة مبذولة ،وخطوات كثيرة متراكمة ،خلال مرحلة متواصلة من العمل التربوي الهادف ، الذي يساهم فيه جميع المربين في إطار التنسيق والتعاون ( وتعاونوا على البر والتقوى ) (12) ، ما يستلزم لقاءات مع الأهل لتعريفهم على الأهداف وكيفية تكامل الدور معهم ، ولقاءات بين المربين لتحديد المسؤوليات ومواكبة الإجراءات وتنسيق الجهود وتوحيد الأداء وتحسينه ، وإقامة دورات ومحاضرات لتبيان القيم المستهدفة والأساليب والطرق الناجعة لتحقيقها ،ودراسة الثغرات والعقبات والحالات التي تستدعي المعالجة والتطوير .

التربية إعطاء فرص عديدة في أوقات مختلفة وبأساليب متنوعة ، فما يكون صعباً اليوم يمكن أن يكون سهلاً في الغد ، فلا بأس من إمكانية التأثير خاصة عندما يتم التعاطي مع كل عمر بالأساليب المناسبة  ( ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيما ) ( 13 )  ولا يصح التعويل على بعض الجهد فقط ، فتقلبات الولد في مراحله العمرية المختلفة ،وبحسب ظروفه الخاصة تجعل الإستفادة من الفرص الإضافية للتأثير عليه محتملة جداً ، وكثيراً ما نلاحظ ولداً لا يستجيب لتوجيهات سلوكية في زمن ما ، ثم يستجيب لها في زمن آخر ،ولا يستجيب في التعاطي مع أحد المربين لكنه يستجيب لآخر ،ولا يهتم بصلاته في مرحلة ثم يقبل عليها بإهتمام وخشوع في مرحلة أخرى .. أن مهمتنا الأساسية كمربين أن نقتنص الفرص الأفضل .

التربية مسؤولية ، فالمعلم يقوم بواجبه ويبذل جهده بصرف النظر عن النتائج ،وبما أن ثمار الزرع متفاوتة ، بتفاوت المعلمين فستكون أثار تربيته متفاوتة ، وحيث لا يعلم مدى التأثير وزمانه فعلية المتابعة والصبر ،وعندما يرتبط تقييمه عند الله تعالى بمدى سعيه وجهده وإتقانه لعمله ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى) (14) فلا معنى لإستعجال النتائج ، لقد تصدى لمهمة يتحمل مسؤولية القيام بها على أكمل وجهة .

التربية تغذية دائمة للعقل والقلب ، فكما يحتاج الجسد إلى غذاء يومي لمرات عدة ، كذلك تحتاج النفس إلى غداء معنوي يومي لمرات عدة ، فعلى المعلم أن ينمي الجوانب المعنوية عند التلميذ ، بأسلوب التعاطي معه  والبرامج اللاصفية التي تساعد في هذا المجال  ، لقد شرع الله عز وجل خمس صلوات واجبة في اليوم ، لنتواصل معه في محطات عدة  في اليوم الواحد ، ونتزود من علاقتنا به ، وهو تواصل لا ينقطع أبد الدهر  ، فالصلاة واجبة إلى حين الوفاة ، وعلى كل حال في الصحة والمرض ، والحضر والسفر ، بالشكل الملائم لهذه الحالات ، ضمن المحافظة على قاعدة الصلة بالله تعالى ، فما لم نتغذ بغذاء الصلاة سيحل مكانه غذاء آخر قد يؤدي بنا إلى الهلاك . ورب سائل : ألا توصل الصلاة إلى أهدافها  فتنتفي الحاجة إليها ؟ إن الصلاة تعطى دائماً ، وترتقي بالمرء إلى المراتب التي يستحقها ، فيأخذ منها بحسب قابليته ، فهي تارة ترفع التكليف بإسقاط الواجب فقط ،وأخرى ترقى بالروح إلى درجات في التقوى ،وثالثة تعبر عن التفاني بعبادة الشكر لله تعالى على نعمه وعطاءاته.

عن أبي جعفر "ع" كان رسول الله "ص" عند زوجته عائشة ليلتها ، فقالت " يا رسول الله ، لم تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال يا عائشة ،ألا أكون عبداً شكوراً (15) .

التربية تغذية متنوعة ، فكما تتنوع أغذية الجسد لترغيب الطعام وتسهيل الهضم ، كذلك تتنوع أغذية النفس لتحاكي الرغبة والقابلية وتسهل التفاعل وتتحول إلى سلوك ، إن تنوع العبادات كالصلاة والصوم والحج والخمس والزكاة ... ينسجم مع متطلبات النفس الإنسانية ، وكذلك تنوع الأساليب كالموعظة الحسنة والقدوة والنشاط الجماعي وإحياء الشعائر والإلقاء والحوار والتوجيه الفردي والتوجيه العام ... فتقديم سلة الأساليب والسلوكيات الجيدة ، واختيار أفضل الأساليب التربوية والحديثة ، يساعد على تحقيق الأهداف المنشودة من التربية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(* ) نائب الأمين العام لحزب الله .

(1) سورة النجم ، الأيتان : 3و4 .

(2) مكارم الأخلاق للشيخ الطبرسي ، ص 222 .

(3) المصدر نفسه ، 223 .

(4) المصدر نفسه ، ص 222 .

(5) راجع فقرة التعامل مع المرحلة العمرية للولد " وما بعدها من كتاب حقوق الوالدين والولد " للمؤلف .

(6) نهج البلاغة ـ الكتاب 31 .

(7) سيكولوجية النمو ، الطفولة والمراهقة ـ للدكتور خليل معوض ـ ص 109 .

(8) المصدر نفسه ، ص 100 .

(9) المصدر نفسه ، ص 152 .

(10) المصدر نفسه ، ص 289 .

(11) الإحتجاج للشيخ الطبرسي ، ج2، ص 176 .

(12) سورة المائدة ، الآية 2.

(13) سورة النساء ، الآية 110 .

(14) سورة النجم ، الآيتان : 39و40 .

(15) الكافي للشيخ الكليني ، ج2، ص 95 .

 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2007/04/18   ||   القرّاء : 5851


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



  مملكة الكراهية

 أهل البيت عليهم السلام... مَحَالُ معرفة الله

 الوهابية: تكفير المجتمعات وتدميرها

  أهل البيت عليهم السلام أمان لأهل الأرض

  إجراءات الإسلام لتأمين الأمن الاجتماعي

  عقوق الوالدين

 الأمن والأمان يوم القيامة

 كلمات وردت في القرآن الكريم

  علماء قدوة ... ومواقف رسالية للعلماء...

  القصة ودورها في التبليغ الديني

 

مواضيع عشوائية :



 العمل الصالح

 دماء على الأيام في الثورة الحسينية

 هيئة علماء بيروت تدين بشدة الحملات المسعورة على المقاومة

 إسهام الآخر في تشكيل الهوية الثقافية في

 الشهادة الثالثة في الأذان

 الإسلام والمسلمون في أزمة التخلف

 وصف لأمير المؤمنين (ع)

 التغيير والتطور هدف: الرسالة الإسلامية

 الرأي العام:

 صدرالعدد الجديد من مجلة اللقاء

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 682

  • التصفحات : 1977875

  • التاريخ : 21/02/2017 - 16:17

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net