هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (62)
---> عاشوراء (59)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (12)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (112)
---> قرانيات (54)
---> أسرة (20)
---> فكر (91)
---> مفاهيم (114)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : مقالات .

              • الموضوع : بلاغة الخطيب .

                    • رقم العدد : العدد الثامن والعشرون .

بلاغة الخطيب

 بلاغة الخطيب

الشيخ محمد تقي فلسفي

"من عرف شيئاً قلّ وإنّما سُمي البليغ لأنه يبلَغُ حاجته بأهون سعيه".الإمام الصادق عليه السلام

 

بلاغة الخطيب

البلاغة وهي التحدث وفق مقتضى الحال شأنها شأن الفصاحة من الأركان الأساسية لفن الخطابة، وعلى الخطيب أن يأخذ بعين الاعتبار الجوانب العديدة للبلاغة، ومنها فصاحة الكلمات والجمل.

بعبارة ثانية: الخطيب البليغ هو الذي تتسم أقواله عند الخطابة بمراعاة مقتضى الحال بالفصاحة والانسيابية وتخلو من التعقيد ليفهمها جميع المستمعين بسهولة، فالفصاحة شرط أساسي في تحقيق البلاغة، والمتكلم غير الفصيح هو غير بليغ حتى وإن تحدث بما يوافق مقتضى الحال.

وجاءت الفصاحة في بعض كتب اللغة بمعنى البلاغة، ومنها المنجد حيث يقول: "بلغ يبلغ بلاغة صار - أو كان - فصيحاً"، وجاء في أقرب الموارد:
"البلاغة الفصاحة" بلغ بلاغة كان فصيحاً يوقع الكلام مواقعه فهو بليغ والجمع بلغاء"([1])

لا بد من الإلتفات إلى أن المعيار البلاغة أي التحدث وفق مقتضى الحال أبعاد عديدة ووجوه مختلفة، والخطيب البليغ هو الذي يعير اهتمامه لجميع هذه الأبعاد والوجوه على منبر الخطابة ويراعي في حديثه جميع المقتضيات، وهو أمر بالغ الحساسية والدقة.

ولإلقاء الضوء على هذا الموضوع نشير فيما يلي إلى بعض تلك الأبعاد.

 

البلاغة وكمية الكلام

أحد الأبعاد الأساسية للبلاغة هو مراعاة كمية الكلام، فالخطيب البليغ هو الذي يحيط بموضوع بحثه ويتحدث حوله ببصيرة وعلم ولا يطيل في الكلام بل لا يحتاج إلى أطالة مطلقاً، فهو يتكلم بنحو وافٍ ومختصر في نفس الوقت، فيستوعبه المستمع ويقف على الهدف ويفهم المقصود دونما عناء.

قيل لأبي عبد الله عليه السلام: ما البلاغة؟ قال: "من عرف شيئاً قلّ كلامه فيه، وإنما سمي البليغ لأنه يبلغ حاجته بأهون سعيه"

أما الثرثرة والتحدث عشوائياً فهو كفران لنعمة التكلم يستحق عليه صاحبه العقاب ويفسد عليه دينه ودنياه.

-       عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال: "يا هشام من محى طرائق حكمته بطول كلامه فكأنما أعان هواه على هدم عقله ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه".([2])

إن مراعاة كمية الكلام وكيفيته ليس فقط يطبع أثراً اجتماعياً حسناً أو سيئاً لحديث أي فرد من الأفراد ويشخص بلاغة الخطيب، بل يسلك بالإنسان معنوياً طريق القرب إلى الذات الإلهية المقدسة أو البعد عنها، وهذا أمر ذو تأثير على مصير الإنسان يوم القيامة، فإما أن يشمله برحمة الله أو يحيطه بعذابه.

-       عن الإمام علي عليه السلام قال: "كلامك محفوظ عليك مخّلد في صحيفتك فاجعله فيما يزلفك، وإياك أن تطلقه فيما يوبقك".([3])

وصفوة القول: أن إطالة الكلام والتحدث في غير موضعه سواء أجاء من الخطيب أو أي فرد عادي يخالف موازين العقل والدين وتعقبه أعراض سلبية وضارة في بعض الأحيان، فهكذا كلام أو خطاب يحط من منزلة المتكلم ويفرّق عنه أفراد المجتمع ويزيل شوق الاستماع إليه والاختلاط به.

-       والخطيب البليغ هو الذي يزن كمية كلامه حسب ما يقتضيه المجلس، ويقيس اختصار الكلام أو تفصيله وإطالته بمراعاة الموقع والمقام، فلا يزيد في الكلام أو ينقص.

عن الإمام علي عليه السلام قال: "خير الكلام ما لا يقل ولا يمل"، وعنه "الكلام بين خلّتي سوء الإكثار والإقلال".([4])

 

الإقلال أو قصور الكلام

لنتصور حفلاً أقامه محبو أهل البيت عليهم السلام بمناسبة ذكرى ولادة أحد الأئمة الطاهرين وقد دُعي إليه أحد الخطباء لإلقاء كلمة بالمناسبة.

تقتضي بلاغة الخطيب هنا أن يخصص جزءاً من الوقت للإمام الذي يحتفى بذكراه وتناول واحدة من آثاره العلمية أو خدماته الدينية أو كراماته الأخلاقية أو أساليبه التربوية وغيرها لإشباع الرغبة المعنوية والعاطفية للمستمعين حيال هذا الإمام.

وإذا لم يعر الخطيب الأهمية المطلوبة للظمأ الإيماني عند الجمهور وتطرق مسرعاً بكلمات قصار حول الإمام المحتفى بذكراه ولم يشبع الرغبة عند المستمعين، حينذاك لا بد من القول: أن الخطيب قصّر في الخطبة ولم يعط الموضوع حقه ولم يؤدّ للإمام حقه أيضاً، وخطيب دون البلاغة وخلافها، وهذا هو الإقلال الذي أشار إليه الإمام علي عليه السلام في الحديثين أعلاه.

 

الإطالة والإكثار

الثرثرة والإطالة عند الخطيب مثلما الإقلال أمر غير محبذ وينافي البلاغة، ذلك أن الإكثار يتعب المستمع ويمله من جهة، ويلحق ضرراً بفصاحة الكلام من جهة أخرى.

عن الإمام علي عليه السلام قال: "آفة الكلام الإطالة".([5])

وعنه عليه السلام: " قد يكتفى من البلاغة بالإيجاز".([6])

 

أقسام الثرثرة

نجد بين الخطباء من هو عالم كفؤ مقتدر تطغى على خطبه الفصاحة والاستدلال، غير أنه يطيل الكلام على منبر الخطابة ولا يراعي في ذلك مقتضيات المجلس.

  فالمجلس قد لا يستوعب من الخطابة أكثر من خمسة عشر إلى عشرين دقيقة فقط، لكن الواعظ الذي اعتاد على الإطالة يتكلم في هذا المجلس لمدة تصل إلى ثلاثة أرباع الساعة، فيتعب الجميع متصوراً أنه تحدث باختصار.

وقد حذر الإمام علي عليه السلام أمثال هؤلاء الخطباء مشيراً إلى أنهم يعرضون أنفسهم للملامة لإطالتهم الكلام.

قال عليه السلام:"من أطال الكلام فيما لا ينبغي فقد عرّض نفسه للملامة".([7])

وهناك فئة من الخطباء علمها وفير ينفع المستمع، بيد أنها تخرج عن موضوع البحث لأدنى مناسبة، وتضل هدفها وتطيل كلامها بموضوعات متفرقة مشتتة يمل منها المستمع.

فعلى سبيل المثال: لو توخّى الخطيب التطرق إلى القومية والتعصب لها، وقد نظّم مواد خطبته في ذهنه ومنها الحديث التالي الذي جاء في كتب الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام، عن أبي جعفر عليه السلام قال: "كان سلمان رضي الله عنه جالساً مع نفر من قريش في المسجد فأقبلوا ينتسبون ويرفعون في أنسابهم حتى بلغوا سلمان فقال له عمر بن الخطاب أخبرني من أنت ومن أبوك وما أصلك، قال أنا سلمان بن عبد الله كنت ضالاً فهداني الله جل وعز بمحمد ‘ وكنت عائلاً فأغناني الله بمحمد‘ وكنت مملوكاً فأعتقني الله بمحمد‘ هذا نسبي وهذا حسبي".

فالخطيب الذي يسعى ألا يخرج عن موضوع بحثه عليه أن يقرأ الحديث ويوضح بعض المعاني الغامضة إن وجدت فيه، ويبّرز كلام سلمان، ثم يواصل موضوعه حول العصبية والعنصرية، أما الخطيب الذي اعتاد على دخول متاهات التشتت والخروج عن مسير البحث الرئيسي إلى ثانوياته وفرعياته في أول فرصة تحين له، فإنه يجعل من شخصية سلمان بحثاً آخراً لا يساير موضوع البحث وهو العصبية.

إذن فالخروج عن هدف البحث والإكثار من الأحاديث الهامشية الزائدة وإطالة الكلام يتعب المستمع ويحول بينه وبين شوقه للإصغاء إلى الموضوع، وينافي البلاغة.

-       عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: "ثلاثة فيهن البلاغة التقرب من معنى البُغية والتبعد من حشو الكلام والدلالة بالقليل على الكثير".([8])

ويغوص بعض الخطباء الذين تنقصهم المعارف والمعلومات الدينية في كلام لا فائدة منه دنيوياً وأخروياً، إستهلاكاً للوقت، وقد وصف النبي ‘ مثل هذا الكلام بأنه (كلام فيما لا يعني) ذامّاً إياه محذراً منه.

-       عن النبي‘ : " أن أكثر الناس ذنوباً يوم القيامة أكثرهم كلاماً فيما لا يعنيه".([9])

وقد حذّر أئمة الدين عليهم السلام من الحشو في الكلام والإكثار منه فيما هو غير ضروري.

-       قال الإمام الحسين بن علي عليه السلام يوماً لابن عباس: "لا تكلمن بما لا يعنيك فإني أخاف عليك الوزر ولا تتكلمن فيما يعنيك حتى ترى للكلام موضعاً".([10])

 

مراعاة خصوصيات المجلس

معلوم أن الأسباب التي تدعو إلى عقد المجالس والاجتماعات مختلفة ودوافع القائمين عليها متفاوتة، لذا ينبغي للخطيب أن يتعرف قبل ارتقائه المنبر على خصوصيات المجلس وأسباب تشكيله، ليختار موضوع الخطبة بما يتلائم وينسجم مع مقتضى الحال وهدف المجلس.

وما يفترض بالخطيب الإلتفات إليه هو التجرد تماماً من الأفكار الخاصة والأحاسيس الذاتية لدى إتخاذ قرار اختيار مادة الحديث، والنظر بواقعية إلى جميع خصائص المجلس، واختيار موضوع البحث بما يتلاءم مع تلك الخصائص ليتمكن بالتالي من مراعاة البلاغة.

فإذا لم يتحرر الخطيب من أحاسيسه الذاتية فقد يقع أثناء الخطابة تحت تأثير ميوله النفسية، ويخلط المشاعر بأقواله، وينطق بما ينافي مقتضى المجلس وطبيعته، مما يزرع في نفوس القائمين عليه والمستمعين عدم الرضا.

1-             قبل سنوات توفي بالسكتة القلبية أحد التجار المؤمنين، وكان سيداً محترماً ورعاً تقياً نقياً، أقام له ذووه مجلس فاتحة، ودعي لإلقاء كلمة هذا المجلس أحد الوعاظ وكان مسناً محترماً قد حزّ في نفسه انتشار الفساد والآثام والخطايا في المجتمع، ارتقى الخطيب المنبر وفي نيته الحديث عن موت الفجاءة ليلائم بحثه مقتضى الحال فبدأ بالرواية التالية: عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام: "وجدنا في كتاب رسول الله‘ إذا ظهر الزناء من بعدي كثر موت الفجأة".

كان بوسع الخطيب أن يتحدث في هذا المجلس عن التقوى وقرب المتقين إلى الله وخلقه، ويستشهد بتقوى المتوفى وورعه وهو الذي من أجله شاركت كل هذه الجموع الحاضرة في مجلس الفاتحة على روحه، وبفرض أنه أراد الإشارة إلى موت الفجأة فذلك ممكن بذكر الروايات التي تناسب المجلس، فيأتي مثلاً بالأحاديث الشريفة التالية:

عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: "قال رسول الله‘ إن موت الفجأة تخفيف عن المؤمن وأخذة أسف عن الكافر".

وعن النبي‘ :" إن موت الفجأة راحة المؤمن وحسرة الكافر".

وعنه‘: "موت الفجأة راحة للمؤمن واخذة أسف للفاجر".

 

 

معرفة الزمان

من الأمور التي تستحوذ على أهمية فائقة من الناحية البلاغية، ولا بد للخطيب أن يعيرها أقصى درجات الإهتمام، معرفة الزمان، وعلى الخطيب الإسلامي أيضاً أن يراعي في ذلك، الزمان الطبيعي، والزمان التاريخي والزمان الاجتماعي، وهي أزمنة تختلف فيما بينها وتتفاوت مقتضيات كل منها، حيث جاءت حولها العديد من الروايات والأحاديث، ويجدر به أيضاً أن يقدر مقتضياتها ويأخذ بعين الاعتبار واحداً أو عدداً من الأحاديث التي وردت بهذا الشأن عن الأئمة المعصومين عليهم السلام وإلقاء خطابه بملاحظة جميع مناحي الخطابة وأوجهها.

 

 

الزمان الطبيعي

والمقصود بالزمان الطبيعي هي المدة التي تقع فيها الأحداث والكوارث الطبيعية قصيرة كانت أم طويلة.

ولا تختص تحولات الزمان الطبيعي بأناس دون آخرين، لأن منشأ المتغيرات الطبيعية هو القوانين والضوابط التكوينية التي وضعت في نظام الخلقة، هذا النظام الذي يتساوى أمامه جميع أفراد البشر، لهذا يفترض بالعقلاء من الناس الاستعداد دائماً وفي جميع مراحل الحياة للحوادث والوقائع الطارئة.

وقد أكد أئمة الهدى عليهم السلام في أحاديث تربوية عديدة تهدف بناء المسلم بناء قوياً صحيحاً لمواجهة طوارئ الطبيعة، على التنبه لمتغيرات الزمان في كل الأحوال وعدم الغفلة ن أحداثها المرة التي تنزل فجأة ودون سابق إنذار، كي لا يتراجع ويفر أمام الكوارث والمتغيرات الطارئة، ومن أجل أن لا يفقد شخصيته الإنسانية وهذه نصوص بعض تلك الأحاديث:

-       عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: "ثلاثة أشياء لا ينبغي للعاقل أن ينساهن على كل حال، فناء الدنيا وتصرف الأحوال والآفات التي لا أمان لها".([11])

-       وعن الإمام علي عليه السلام قال: "من عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد".([12])

 

 

 

الزمان الطبيعي وبلاغة الخطيب

يجتاح سيل عارم مدينة كبيرة فيُغرق إحدى مناطقها ويدمر منازلها ويكتسح معه كل ما يصادفه في طريقه، ويقتل عدداً من الرجال والنساء والأطفال، ولا يبقي للأحياء منهم أي شيء من طعام ولباس وأدوات منزلية.

بدافع الإيمان والإنسانية يدعو سكان المناطق المجاورة الأخرى المنكوبين لإستضافتهم في منازلهم وتقديم العون لهم كل حسب سعة منزله وقدرته المادية، ثم تصل إغاثات المؤسسات الخيرية والمساعدات الإنسانية لتقديم الملابس والطعام والفراش والدواء وغيرها من الاحتياجات الضرورية.

 يحل يوم الجمعة وقد مضى على اجتياح السيول عدة أيام، فيتجه عدد كبير من سكان المدينة بمعية الضيوف المنكوبين لإقامة صلاة الجمعة، فبماذا سيتحدث خطيب الجمعة؟

لا خلاف في أن عليه أن يتحدث في مثل هذا اليوم حول كارثة السيول والمتضررين بها يواسيهم على مصابهم ويقدم لهم بعض النصائح الضرورية.

-       يستطيع الخطيب البليغ أن يستهل خطبته بالحديث عن الإمام علي عليه السلام قال: "لا يأمن أحد صروف الزمان ولا يسلم من نوائب الأيام".([13])

بعد ذلك، يوضح أن المصائب والبلايا قد تكون فردية أو جماعية، فردية مثل الإصطدام والإحتراق والسقوط وما ماثلها، وفي مدينة كبيرة يقطنها نحو مليون شخص تقع فيها كل يوم بل كل ساعة حادثة واحدة أو عدة حوادث يقع ضحيتها عدد من السكان، وجماعية مثل السيول التي إجتاحت مؤخراً هذه المدينة ودمرت إحدى مناطقها وشردت الآلاف من سكانها.

عند ذاك يمكن للخطيب أن يتحدث للحاضرين حول ثلاثة مواضيع:

أولاً: يقول: أن هطول الأمطار وهبوب الرياح شأنه شأن طلوع الشمس وغروبها وحلول فصول السنة بالتعاقب، من العوامل المؤثرة في الحياة الطبيعية ومن جملة القوانين والمقررات التكوينية في نظام الخلقة، غير أنه قد تؤدي بعض العوامل أحياناً إلى هطول كمية كبيرة من الأمطار تتجاوز حد المتوسط مما تحدث سيولاً كاسحة، أو أن تزداد سرعة الريح عن الحد الطبيعي فتقع العواصف، وهذه الحوادث تستند إلى عوامل طبيعية، وقد أوصى أئمة الدين الناس بضرورة الاستعداد لمثل هذه الأحداث، وهنا يستطيع الخطيب تلاوة بعض الروايات الواردة حول الزمان لتوعية الحاضرين وإعدادهم.

ثانيا : يستطيع الخطيب أن يلفت المنكوبين إلى واحدة من التعاليم الدينية التي تهدئ من روعهم، فيقول مثلاً: إن هذه الحوادث هي إمتحان إلهي للمؤمنين، فإذا صبروا عليها فإن الله سيعطيهم أجراً جزيلاً يوم القيامة، أما إذا جزعوا منها فإن الجزع لا يبني الدمار ولا يعيد الأموال المفقودة ويضيف إلى الحزن غماً ويسلب عن المنكوبين أجر المصيبة.

"اغلبوا الجزع بالصبر فإن الجزع يحبط الأجر ويعظم الفجيعة".([14])

ثالثاً: وقع في الماضي الكثير من الحوادث المشابهة وفي المستقبل أيضاً سيقع الكثير منها، وعليكم أن تشمروا عن ساعد الجد وتعوضوا بعملكم وسعيكم عن خسائر السيل، وتعمروا بالجد والاجتهاد ما دُمّر من بيوت ومؤسسات لتوفروا ظروف حياة كريمة جديدة، وعلى الأخوة والأخوات الذين وقفوا إلى جانبكم في هذه الأيام أن لا ينقطعوا عن مواساتكم والتعاون معكم لترفع جميع مشاكلكم على وجه السرعة وتؤمن مستلزمات راحتكم واستقراركم.

 

الزمان التاريخي

المقصود بالزمان التاريخي هو معرفة الفاصل بين زمانين أو حادثتين، وتحدد بمقياس اليوم والشهر والسنة، وتنظم في كل المجتمعات البشرية حالياً المبادلات التجارية والإتفاقيات والإعتمادات المصرفية والوثائق السياسية وغيرها على أساس الزمان التاريخي.

وقد شرع الدين الإسلامي المقدس بعض الأحكام والضوابط والمقررات الدينية على أساس الزمان التاريخي، ففترة الصيام الواجب هي حلول شهر رمضان، وفترة أداء فريضة الحج هي أيام ذي الحجة, والبلوغ الشرعي للمسلم الذكر هو إتمام خمسة عشر عاماً.

 

الزمان التاريخي وبلاغة الخطيب

عديدة هي المناسبات الإسلامية المثبتة على أساس الأزمنة التأريخية مثل حلول شهر الصيام وشهر الحج أو أيام مواليد الأئمة ووفياتهم أو أيام الوقائع والأحداث المهمة كالهجرة النبوية ويوم الغدير وعاشوراء وغيرها، وعلى الخطيب الإسلامي البليغ أن يأخذ بنظر الإعتبار في كلامه الأزمنة التأريخية الدينية، ويتحدث عن كل منها بمناسبتها الخاصة بها، ويحيي الذكريات والأحداث الإسلامية القيمة في أذهان المستمعين ليؤدي مسؤوليته التبليغية بأحسن صورة من جهة، ويشبع رغبة المستمعين من جهة أخرى.

ومن الطبيعي فإن مكانة الأزمنة التاريخية عند الناس تختلف تبعاً للواقعة التي حصلت في ذلك الزمان، فإذا لم يعر الخطيب تلك الأهمية المطلوبة لواقعة معينة هي على قدر كبير من الأهمية التأم المجلس من أجلها، ولم يتحدث عنها بما يفي حجمها، فإنه يكون قد تخلّف عن البلاغة في خطبته ناهيك عما تركه من أثر سيء في أذهان المستمعين،  كما يهدر الخطيب من سمعته وقدره من ناحية، ويمحو أية قيمة لكلامه من ناحية أخرى.

 

مثال:

لنتصور حفلاً مهيباً أقامه عدد من الموالين لأهل البيت عليهم السلام بمناسبة عيد الغدير السعيد.ويترقب الحاضرون في الحفل إرتقاء أحد الخطباء المنبر للتحدث عن واقعة غدير خم، وعن خطبة الرسول‘ التي تلاها في ذلك اليوم، فإن كل حواس المشاركين في هذا الحفل مركزة حول أمير المؤمنين عليه السلام ويترقبون سماع فضائله ومناقبه.

يرتقي الخطيب المنبر ويتحدث في مستهل كلامه لمدة ثلاث إلى خمس دقائق حول كلمة الغدير لتعريف المستمعين بها  .

 بعد هذه المقدمة القصيرة وإطلاق كلمة الغدير على هذا اليوم الكبير، يبدأ الخطيب حديثه الرئيسي، ويتناول أحد المباحث المناسبة ليوم الغدير، كالولاية والإمامة ومقام الإمام وخلافة الرسول وغيرها، ويفصلها للمستمعين ويشبع فيهم مشاعرهم الإيمانية.

ويرتكب الخطيب خطأ كبيراً من ناحية فن الخطابة إذا انحرف عن المسير الصحيح، وتناسى في اليوم الحساس قضية الولاية وخلافة الرسول‘ وهي الهدف الأساسي للأمر الإلهي، وخصص كل بحثه أو الجزء الأكبر منه لموضوع آخر لا يتناسب مع الهدف الرئيسي لعيد الغدير.

 

 

الزمان الاجتماعي

للزمان الاجتماعي معنى واسع وعريض يمكنه أن يشمل الشؤون الثقافية والعلمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والتربوية وغيرها.

لقد شاءت إرادة الله تبارك وتعالى أن يخلق الإنسان حراً، وبأثر هذه الحرية وهذا التفويض الإلهي الذي منحه للإنسان فإنه استثمره لإيجاد تحولات جديدة وتغييرات في شؤون حياته المختلفة، فيغير وضع حياته وظروف محيطه، ويضطر أناس كل زمان للانطباق على التحولات الأساسية والجديدة لكل عصر ليتمكنوا من مواصلة الحياة.

فلقرون طويلة كانت وسيلة الناس في السفر هي الخيول والبغال والجمال، ومع التحول الصناعي واكتشاف السيارة والقطار والطائرة تبدلت وسيلة السفر، وهجرت هذه المحطات، وبات المسافر في وقتنا هذا يطوي المسافات الطويلة بسرعة بواسطة الطائرة أو السيارة.

والسلاح العسكري في عصر الرسول الأكرم‘ كان يناسب ذلك الزمان، ولا بد أن يكون سلاح المسلمين اليوم يتلاءم وتطورات العصر الحاضر.

أصبح واضحاً أن تحولاً عظيماً طرأ على جميع الشؤون الاجتماعية بأثر انتشار العلوم والفنون المختلفة وتطورها، وتغيرت حياة الإنسان في كل أرجاء العالم.

ويستطيع الخطيب والمتكلم الإسلامي ـ إن شاء ـ أن يستثمر التقدم العلمي بما يتناسب والمهمة التي يحملها على عاتقه بتوضيح بعض الآيات والروايات من زاوية العلم المعاصر، وتأدية حق الشارع الإسلامي وأئمة الدين بأفضل صورة، وتوعية المسلمين أكثر فأكثر على أحاديثهم العلمية الحقة.

 

علم الاجتماع

يعد علم الاجتماع في الثقافة الاجتماعية المعاصرة أحد الحقول العلمية المهمة، وقد جاء الكثير من مبادئ علم الاجتماع في القرآن الكريم وأحاديث الرسول‘ وأهل البيت عليهم السلام، ويتمكن الخطيب المثقف الملم بهذا الحقل العلمي أن يستشهد في بحوثه الاجتماعية بتلك الآيات والروايات ليسترعي إنتباه المستمعين إلى قيمتها العلمية.

ومن القضايا التي جاءت في الكتب المختلفة كسؤال يطرحه علم الاجتماع: بماذا وكيف غيّر رسول الإسلام شعب الحجاز المتخلف والمنحط في فترة قصيرة، وبث في ذلك المجتمع القوة والقدرة حتى استطاع السيطرة على القوتين الكبريين آنذاك الفرس والروم والتحكم بمقاليد العالم؟ وقد أجاب القرآن الكريم على هذا السؤال:

قال تعالى{ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.([15])

 

علم النفس

علم النفس كسابقه علم الاجتماع يعتبر في الثقافة الاجتماعية لعالم اليوم من الفروع العلمية المهمة، وإذا أحاط الخطيب إلى حد ما بهذا العلم فإنه يستطيع أن يقف على عمق بعض الأحاديث الأخلاقية ويوضحها لمستمعيه.

-       عن النبي‘: "لا يكذب الكاذب إلا من مهانة نفسه عليه".([16])

يحين موعد تسديد الحوالة على تاجر، غير أنه لا يمتلك المال، فيشعر في باطنه بالمهانة والضعة، ولكي يخفي ذله يطلق لسان الكذب ويقول لحامل الحوالة: انتهى دفتر الشيكات فتعال بعد يومين ريثما استلم من المصرف دفتراً آخر.

 

التحليل النفسي

التحليل النفسي في الثقافة الاجتماعية المعاصرة حقل علمي جديد جاء إلى جانب علم النفس، وهو عبارة عن البحث والتفحص والتفتيش في لا شعور الإنسان أي ضميره الباطن، يستخدمه الأطباء النفسانيون لمعالجة مرضاهم.

يأتي دور المحلل النفسي الذي يقدم طرق التغلغل في لا شعور الشاب المريض، ويهدي الطبيب النفسي إلى الوسيلة التي توصل إلى معرفة العقدة الروحية للمريض والوقوف على علة مرضه.

وإحدى هذه الطرق هي التقاط الكلام اللاشعوري الذي يقوله سهواً خلال الإجابة على أسئلة الطبيب النفسي حول الكلام اللاشعوري أشار الإمام علي عليه السلام في إحدى كلماته القصار، وبيّن دوره في الكشف عن محتوى الضمير الباطن.

-       قال عليه السلام: "ما اضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه"([17]) يؤدي الخطيب إلى حد ما حق هذا الحديث، ويوضح للمستمعين قيمة كلمة الإمام هذه، لو كانت له إلمامات عن التحليل النفسي في الثقافة الاجتماعية المعاصرة.

 

الجو السياسي

من الأمور المهمة الأخرى في بلاغة الخطيب من ناحية الزمن الاجتماعي التي يفترض به أن يأخذها بعين الاعتبار في خطبه، هو الجو السياسي الحاكم والنظر إليه وفق الرؤية الإسلامية، فإذا لم يهتم للوضع السائد والظروف السياسية الزمنية، ويتعامل معها بلا مبالاة، ويمر بقربها مرور الكرام، فلربما يدخل بشكل لا شعوري في مبحث لا يوافق المصلحة التي تقتضيها الأوضاع والأحوال الموجودة، فيتجه إليه المؤمنون بالاعتراض والاحتجاج.

 

الزمن الأهم من الناحية البلاغية

إن معرفة الزمان الاجتماعي للخطيب أهم كثيراً من معرفة الزمان الطبيعي والزمان التاريخي من الناحية البلاغية للكلام، ذلك أن الزمان الطبيعي يرتبط بالقوانين التكوينية ونظام الخلقة، ويشمل كل البشرية على صعيد المستقبل كما شملها في الماضي.

وللزمان التاريخي بُعد عام أيضاً عند الأمم والشعوب، مثل التاريخ الميلادي والتاريخ الهجري الذي يحتوي عدداً كبيراً من الناس في أنحاء العالم، كذلك لشعوب العالم المختلفة زمان تاريخي خاص من الوجهة الدينية والسياسية والثورية والإستقلالية وغيرها، وتحتفل في عامها بيوم واحد أو عدة أيام تعتز وتحتفي بها.

أما الزمان الاجتماعي فهو يدور حول الزمن الحاضر، بمعنى الزمن الذي يتحدث فيه الخطيب ويصغي المستمعون، فلجميع الشؤون الاجتماعية لأي قوم في الحال الحاضر وضع خاص، وينبغي بجميع الشعوب أن تعي زمانها الاجتماعي لتستطيع أن تتوافق مع ظروفه بشكل صحيح، لتحصل بأثر الوعي والتوافق على منافع وتتوقى أضراره.

وقد وردت أحاديث مختلفة على أساس اختلاف الزمان الطبيعي والزمان الاجتماعي، ففي الأحاديث التي تناولت الزمان الطبيعي جاءت على ذكر الزمان دون ضمير "ينبغي لمن عرف الزمان...." واتصلت بالضمير في الأحاديث التي تحدثت عن الزمان الاجتماعي واختصت بمجموعة معينة من الناس "العالم بزمانه.."، وهذه بعض الأحاديث الاجتماعية:

-       قال رسول الله‘: "على العاقل أن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شأنه حافظاً للسانه".([18])

-       وعن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: "العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس".

 

معرفة أهل الزمان

من أبعاد الزمن الاجتماعي هو أهل الزمان، فيما أوصى به أمير المؤمنين إلى الحسن عليهما السلام: "يا بني إنه لا بد للعاقل أن ينظر في شأنه، فليحفظ لسانه وليعرف أهل زمانه".

 

الإستحسان والثناء

من الأمور التي يواجهها الخطيب أحياناً قضية تقدير خدمات الآخرين والثناء على بعض من يستحق، ولا شك في أن الاستحسان والثناء له أثر نفسي في الأشخاص ويبعث فيهم الارتياح إزاء الأعمال التي قاموا بها ويُشوقهم للمستقبل أكثر فأكثر.

ونفهم من الأحاديث الواردة بهذا الشأن أن الثناء على الآخرين واستحسان أفعالهم تشجيعاً لهم ولغيرهم هو أمر جائز، بل وفوق ذاك أن الأئمة قد أمروا أصحاب المناصب بالقيام بهذه المسؤولية المثمرة النافعة في الموقع المناسب، كذلك فإن الثناء على شخصين يجمعهما مجلس واحد كلا يستحق المدح يجب أن يقدم وفق مقياس صحيح، وعلى الخطيب البليغ الذي يحسب لكل موقف حسابه أن يراعي حد كل منهما في إطاره الخاص، ويحترم كلاً منهما بما لا يؤدي إلى تحقير الآخر واهانته.

وقد يكون لأحد الاثنين مقام شامخ ومنزلة رفيعة تفرض ذكر اسمه لوحده، فيستحق الخطيب ملامة إذا تناولهما بالذكر سوية لأنه لم يراع حق صاحب المنزلة الشامحة وتجاوز الأُطر الاجتماعية ويستحق التوبيخ واللوم أيضاً إذا أولى عنايته لرجل الدرجة الثانية(إن صحّ التعبير) أكثر من صاحبه ويجّله أكثر من الآخر.

ولكي لا يُساء فهم المقصود في هذين المثالين حول الثناء والتقدير والمديح نستشهد بروايتين توضحان ـ من جهةـ الموضوع وتجليان الغموض عنه وتبينان ـ من جهة ثانيةـ الأهمية التي كان يوليها الرسول‘ والأئمة عليهم السلام للحدود والمستويات.

-       ورد في الحديث: أن رجلاً قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى.

فقال له النبي‘: "بئس الخطيب أنت، قل ومن يعص الله ورسوله فقد غوى".

وفي توضيح الحديث، جاء في (لسان العرب).

إنما ذمه لأنه جمع في الضمير بين الله تعالى ورسوله في قوله ومن يعصهما فأمره أن يأتي بالمظهر ليترتب اسم الله تعالى في الذكر قبل اسم الرسول‘.

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: "استقبل رسول الله رجلاً من بني فهدٍ وهو يضرب عبداً له والعبد يقول أعوذ بالله، فلم يقلع الرجل عنه، فلما أبصر العبد رسول الله‘ قال أعوذ بمحمد، فأقلع عنه الضرب، فقال رسول الله: يتعوذ بالله فلا تعيذه ويتعوذ بمحمد فتعيذه والله أحق أن يجار عائذه من محمد، فقال الرجل هو حر لوجه الله، فقال رسول الله: والذي بعثني بالحق نبياً لو لم تفعل لواقع وجهك حر النار".([19])

في الحديث الأول وهو الشاهد على القسم الأول في هذا الجانب من البحث جمع المتحدث لفظ الجلالة واسم رسول الله في كلمة واحدة وقال: " ومن يعصهما"، رغم أن الأجدر به كان أن يفصل بين لفظ الجلالة عن الاسم المبارك للرسول ‘، ولهذا وصفه النبي‘ بئس الخطيب لعدم مراعاته حد الخالق والمخلوق.

وفي الرواية الثانية وهي الشاهد على الفقرة الثانية، لم يهتم الرجل الفهدي باستعاذة العبد بالله ولم يرتب عليها أثراً واستمر بضربه، غير أنه أقلع عن ضربه فور أن قال: "أعوذ بمحمد" إما بدافع الاحترام لرسول الله‘ أو من أجل التملق إلى رئيس الدولة، فوبخه الرسول الأكرم‘ بشده وعنّفه لعدم مراعاته الحدود وخروجه عن أطر التكريم والاحترام.

وبوسع السادة الخطباء والوعاظ الاعتبار بهاتين الروايتين ووضعهما كمعيار عمل، لكي لا تغيب عن أذهانهم المقاييس إذا واجهوا حالات مماثلة ولا يقعوا في الإفراط والتفريط.

 

الخطيب واحترام شخصية المستمع

مما يتلزم بالخطيب البليغ مراعاته أيضاً احترام شخصية المستمع قولاً وعملاً، بحيث لا يستشف المستمع أي تحقير من قبل الخطيب سواء في سلوكه أو في كلامه، ولا يشعر بالوضاعة والصغر من تصرفاته، وإليكم بعض الحالات التي تنضوي تحت مظلة الاحترام توضيحاً للموضوع.

 

القول اللين

من طرق احترام شخصية المستمع هي ليونة الخطيب ومرونته في الحديث، وتجنب استخدام المفردات القاسية والكلام الحاد، لأن المستمع يعتبر قسوة المتكلم إهانة له يقف إزاءها موقف المقاوم الممانع، الأمر الذي يخفض أو يزيل تماماً تأثير الخطيب في السامع.

وجاء في القرآن الكريم أن موسى وهارون لما أمرهما الله تعالى بالذهاب إلى فرعون ودعوته إلى طريق الحق، طلب منهما التحدث بليونة، قال عز اسمه: {إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى}([20]) أي كنياه.

إن القول اللين يعبّر عن احترام المتكلم لشخصية المستمع، ويترك هذا التقدير في المستمع أثراً كبيراً حتى ليغير موقفه حيال المتكلم ويبدل تصلبه إلى مرونة.

-       في وصية الإمام علي عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام: "ولِنْ لِمَن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك".([21])

 

إذن، ينبغي بخطباء الإسلام    استعمال القول اللين مع المستمعين في التبليغ والإرشاد والوعظ، لأن اللين في الكلام هو احترام لشخصية المستمع من جهة وأفضل أسلوب للتأثير المعنوي فيه من جهة أخرى.

فبوسع الخطيب أن يهدي المستمع بسهولة نحو طريق الحق بالقول اللين، ويوقظ في ضميره حس الشعور بالمسؤولية، ويحثه على أداء التكاليف الشرعية.

وعلى الواعظ أن يتمرس ويتمرن على الليونة في الكلام حتى تصبح فيه هذه السمة ملكة نفسية، ويتطبع على التلطف في الحديث حتى لا يستطيع بعده معاكسة هذه الصفة إلا بعسر.

-       يقول الإمام علي عليه السلام: "عوّد لسانك لين الكلام".([22])

 

النظرة الشاملة

فالرسول الأكرم‘ كان يراعي هذه المسألة دائماً سواء أكان على المنبر أو أسفله، ويسبغ الاحترام على جميع الحاضرين.

-       عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: "كان رسول الله‘ يقسّم لحظاته بين أصحابه ينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسوية".([23])

 

النقد الموضوعي

يلزم الخطيب أيضاً وهو على منبر الخطابة أن لا يخاطب شخصاً بذاته ويذكر اسماً معيناً يريد بذلك النصح أو الانتقاد فيجرح شخصيته، لأن الانتقاد جهراً فضلاً عن أنه لا يُصلح الخاطئ ولا يترك فيه أثراً نافعاً يُذكر فهو قد يؤدي إلى نتائج معكوسة ويزيد من الجرأة على الإمعان في الخطيئة لما له من دور في التحقير.

المصدر : فن الخطابة _ بتصرف

 



[1]كتاب أقرب الموارد(بلغ)

[2] كتاب أصول الكافي1/17

[3] كتاب غرر الحكم/574

[4] كتاب ميزان الحكمة8/439

[5] كتاب ميزان الحكمة8/439

[6] كتاب الحكمة1/463

[7] كتاب فهرست الغرر/336

[8] كتاب تحف العقول:317

[9] كتاب ميزان الحكمة8/437

[10] كتاب ميزان الحكمة8/437

[11] كتاب بحار الأنوار75/138

[12] كتاب تحف العقول:98

[13] كتاب فهرست غرر الحكم:148

[14] كتاب ميزان الحكمة ج2 ص 29

[15] سورة الرعد/11

[16] كتاب ميزان الحكمة ج8 ص 347

[17] كتاب نهج البلاغة الكلمة 26

[19] كتاب بحار الأنوار16/282

[20] سورة طه/43و44

[21] كتاب بحارالأنوار74/168

[22] كتاب فهرست غرر الحكم334

[23] كتاب فروع الكافي8/268

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2015/04/30   ||   القرّاء : 1620


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 هيئة علماء بيروت تتقدم بالعزاء بضحايا الزلزال في إيران

 هيئة علماء بيروت تدين بيان الجامعة العربية بحق المقاومة

  مصيبةُ الإمامِ الحسين (عليه السلام) ابكت كلُّ الوجودِ

  . لماذا ثار الإمام الحسين(عليه السلام)؟

  العباس بن علي عطاء وإيثار

  الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) يرفض البيعة ليزيد ويخرج ثائرا

  إحياء أمر أهل البيت(عليهم السلام)

  الأبعاد المعنوية في شخصية الإمام الحسين عليه السلام

  شرح خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) في مكة

  رسالتنا في شهر محرم

 

مواضيع عشوائية :



  القصة ودورها في التبليغ الديني

 إستراتيجية المقاومة الشاملة.. خيار أم ضرورة؟

  رسالتنا في شهر محرم

 الدين وحده الذي يروض النفس

  شؤون تبليغية : الصدق في نقل الأخبار

 بحث تاريخي عن الصوم

 كيف نربي أبناءنا ونعلمهم

  في رحاب آيات الحج من سورة البقرة

  سيرة مختصرة للإمام الحسن (ع)

 المنهج الاجتماعي في التعامل مع النصوص الدينية

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 747

  • التصفحات : 2319334

  • التاريخ : 22/11/2017 - 03:36

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net