مواقف الناس اتجاه ثورة الامام الحسين عليه السلام
مواقف الناس اتجاه ثورة الامام الحسين عليه السلام
السيد هادي المدرسي
لم يكن للناس، موقف واحد تجاه الرسالات..
بل كانت لهم دائماً مواقف متباينة، ولكل موقف رجاله وأفراده.
وهذه المواقف، هي ذاتها التي برزت في موقفهم تجاه ثورة الإمام الحسين عليه السلام باعتبارها ثورة رسالية تبناها حفيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دفاعاً عن الإسلام.
ولكي نفهم هذه المواقف، لا بد أن نتعرف على أصحابها بصفاتهم ونفسياتهم، وأساليبهم.
الموقف الأول: موقف الادانة والمواجهة، وهو موقف أولئك الذين لم يروا من الثورة الحسينية إلا وجهها المأساوي، لذلك حكموا على هذه الثورة بالفشل وأدانوها!
إن هؤلاء خافوا من إراقة الدماء، ولكنهم بدل أن يحكموا ضد المجرمين، أدانوا الضحايا..
ومن هنا فهم اعتقدوا أن "الوحدة" في ظل يزيد أفضل من الانخراط في ثورة الإمام الحسين عليه السلام.
الموقف الثاني: موقف الحياد، وهو موقف أولئك الذين لم يفهموا الصراع الحضاري، والفارق الاساسي بين الامام الحسين عليه السلام وبين اعدائه.
وكل ما فهموه منهما أن يزيد سلطان وأن الحسين عليه السلام أيضاً سلطان ولا دخل لهم بين السلاطين.
ومثل هذه الفئة لا تستطيع إلا أن تؤيد الإمام الحسين عليه السلام قلبياً، فهو ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أن هذا التأييد لا يخرج عن منطقة القلب، ليترجم في المواقف.
وفي الحقيقية، فإن هذا الموقف لم يكن موقف الحياد تماماً، بل كان بشكل أو بآخر، منحازاً إلى جانب اعداء الحسين عليه السلام ويصب في خانة الظالمين..
إذ ماذا يريد القتلة، إلا صمت المشاهدين، ليستمروا في عمليات القتل، من دون معارض؟
الموقف الثالث: موقف التأييد، وهو موقف اولئك الذين عرفوا أن الحسين عليه السلام ليس جسداً، بل رسالة، وأن ثورته لم تكن معركة انتهت في كربلاء بل هي مسيرة، وأن عدوه ليس سلطاناً تجسد في يزيد، بل سلطات الجور في كل زمان.
ولذلك فقد كان قتل الحسين عليه السلام بالنسبة إليهم، محاولة لقتل الرسالة، كما كانت محاولة طمس قضيته محاولة لطمس الرسالة..
وهل يجوز الصمت تجاه ذلك؟
ومن هنا، فإن هؤلاء، وجدوا أنفسهم مكلفين بحمل راية الحسين عليه السلام، وإتمام مسيرته..
وقد يتساءل المرء: ترى لماذا هذا الاختلاف في فهم الثورة، ومن ثم لماذا الاختلاف ـ إلى حد التباين ـ في اتخاذ الموقف منها؟
والجواب:
إن الموقف الحقيقي للإنسان تجاه أي حدث ليس موقفاً "عمودياً" بل هو موقف "افقي" فهو ليس موقفاً انفرادياً، بل هو موقف شمولي..
فتجاه الصراع بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، لا يكون موقف الإنسان إلا انعكاساً لموقفه من الله عز وجل، ومن ثم موقفه العام في الحياة..
فالإنسان شاء أم أبى، يحدد موقفه تجاه الخالق أولاً ـ ثم يحدد جبهته في الحياة.. ومن ثم يختار قدوته فيها..
فالشاب الذي لم يؤمن بالله واعتبر نفسه مخلوقاً صدفياً، من السديم جاء، وإلى السديم يعود، لا يفهم الحياة إلا عبثية مطلقة، وقدوته لن تكون إلا العابثين، ومواقفه لن تكون إلا مواقف اللامسؤولين واللاعاملين.. كما أن حكامه لن يكونوا أفضل منه فـ "كيفما تكونوا يولّى عليكم" كما يقول الإمام علي عليه السلام.
أما الذي اختار مولاه وخضع لجبروت الله فلا يمكن إلا أن يكون ثائراً ضد الطغيان، ومن ثم مؤمناً بالثائرين، فهو يرى الحياة بغير عدالة ذلة، كما يرى الموت في سبيل الله عزة وفخراً..
وسيرى قدوته في الإمام الحسين عليه السلام دون غيره، ورسالته في رفع لوائه، ومقاومة اعدائه في كل مكان وزمان..
ألم يقل الإمام الحسين عليه السلام: "إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما"؟
مثل هذا سيكون ثائراً، يبحث عن الثائرين، وسيكون رسالياً، والرسالي لا يلتزم إلا بمنهج الأنبياء والصالحين..
وقد قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين المائدة 57
وقال: {يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}
وأي الناس أصدق من الشهداء في سبيل الله؟
وأي الشهداء أفضل من الإمام الحسين عليه السلام؟
إن الإنسان قد يدّعي أمراً، وحينما يراه صبعاً يتراجع عنه..
وقد يحمل رسالة، وحينما يتطلب انتصارها خوض مواجهة ساخنة مع الاعداء.. يتراجع عنه..
والادعاء سهل.. والمدعون كثيرون..
وكما قال الإمام الحسين عليه السلام:
"الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت به معائشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون"
إن الإمام الحسين عليه السلام حدد أهدافه، ومن ثم أعلن ثورته، ثم حمل كل أعزته، وأولاده وأنصاره الصادقين، وجاء بهم إلى ميدان المعركة، وخاض مع أعدائه حرباً تطايرت فيها الأيدي والرؤوس.. ولم يتراجع عن أي شيء..
مواقف الناس تجاه ثورة الحسين عليه السلام تختلف باختلاف مواقفهم اتجاه الله.. واتجاه الحياة..
الذين اتخذوا موقفاً مضاداً لثورة الإمام الحسين عليه السلام قالوا عنه.. "قتل بسيف جده"
وهم بذلك ايدوا القاتل في أنفسهم، وأدانوا القتيل ومن ثم أيدّوا الاجرام في الحياة وانتصروا لشيطان الظلم في الدنيا..
ولقد تمادى بعضهم في ذلك حتى قال: "ما صح قتله (أي ما صح أن يزيد قتل الحسين عليه السلام ولا أمر به، وحتى لم يصح ذلك عنده) لم يجز أن يظن ذلك به، فإن اساءة الظن بالمسلم حرام"
قتل الحسين عليه السلام حلال، واساءة الظن بيزيد حرام!
وهكذا يتحول يزيد بسهولة من قاتل إلى ضحية، ومن فاسق إلى مؤمن لا يجوز الظن السيء به..
وبسهولة يتحول الحسين عليه السلام من شاهد على زمانه وشهيد من أجل الرسالة إلى خارج على إمام زمانه ومن ثم "قاتل نفسه"!
إن هؤلاء لا يعطون في الحقيقة "شهادة براءة" للقاتل فحسب، بل يقدمون لكل المجرمين في التاريخ، تبريراً لأعمالهم ويهيئون الارضية الصالحة، لتقبل الجور والظلم والعدوان..
فئة أخرى قد تعيش في كل المجتمعات، تحب طرفاً ولا تعمل له، فتجبر في يوم ما على مقاتلته.
وهي ضمن الفئة الثانية التي ذكرناها، الفئة اللامبالية، والتي تريد أن تعيش بأي ثمن، وقد تحب شيئاً إلا أن هذا الشيء ينتهي عندما يتعلق الأمر بحياتهم، وعيشهم.
إن الذين يسعون وراء الدنيا، وكل همهم هو الحفاظ عليها هم الذين يقفون من الرسالة، موقف اللامبالاة.
وقد يتساءل الإنسان، كيف نعرف هذه الفئة، حتى لا نكون منها؟
إنها ليست بعيدة عنا، وقد تعيش معنا في الدار، وقد تكون أنت واحداً من هذه الفئة، الفئة التي أحبت الإمام الحسين عليه السلام ثم اضطرت أمام ضغط الدنيا إلى محاربته، وقد تكون أنت أحد قياديي هذه الفئة.. إلا أنك لم تكتشف نفسك حيث لم تمحص بالبلاء بعد..
إن مجتمعاً ـ تاجره ـ طالبه ـ موظفه ـ يبحثون عن المعيشة وهمهم الأكل والراحة. إن هذا المجتمع هو الذي يقتل فيه الإمام الحسين عليه السلام عطشاناً، ويمثل بجثته الطاهرة، وما قيمة الدنيا التي يجعلها هؤلاء فوق المبادئ وفوق الدين والقيم؟
إن الدنيا قيمتها ـ لدى المؤمن ـ بمقدار ما تكون مطية للآخرة.
يقول الإمام علي عليه السلام: "الدنيا دار ممر إلى دار مقر، والناس فيها رجلان: رجل باع فيها نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فاعتقها".
أما الإمام الحسين عليه السلام فيقول: "أما الدنيا فقد أدبرت، وآذنت بوداع، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء أو خسيس عيش كالمرعى الوبيل"
فهل تستحق الصبابة أن يتقاتل الناس عليها، أو يقتلون إمام زمانهم! من أجل الحصول عليها...؟
إن الواجب الاجتماعي، فوق الواجب الفردي، وإن الله سبحانه وتعالى لم يأمر بصلاة منفصلة عن الناس، وإذا كان الناس يعانون من جور النظام الفاسد المحارب للدين والقيم، وكانت هنالك فئة من الناس تحمل لواء القيم السماوية، فلا بد أن تتخذ موقفاً معها.
وقد جاء في الحديث: "الساكت عن الحق شيطان أخرس"
ولا قيمة لصلاة لا تأمر بالتقوى، ولا تنهى عن المنكر، وأي تقوى وأي معروف أكبر من أن يدعم الإنسان الجبهة التي تعمل لإقامة الحق وإزهاق الباطل، وأي منكر أكبر من السكوت على نظام يقتل المؤمنين، ويزج بالثائرين في السجون؟
في آخر وصية له، وكان جمع بنيه وأهل بيته:
"أوصيكما، وجميع ولدي، ومن بلغه كتابي هذا: "بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما.. كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً"
فقد أوصانا الإمام علي، باتخاذ موقف تجاه الظالم والمظلوم، قبل أن يوصينا بالصلاة والصيام وهي التي تأتي بعد ذلك في وصيته عليه السلام.
الفئة الثالثة: التي تتخذ موقفاً من ثورة الإمام الحسين عليه السلام ، هي الفئة التي عرفت الحياة: مسؤولية، والدين: رسالة لا بد من الالتزام بتعاليمها.
كل إنسان لا بد وأن يكون له موقف تجاه معركة الحق مع الباطل، سواء كان هذا الموقف مباشرة في مواجهة السلطة، أم من وراء الستار.
لا بد أن يتخذ الإنسان موقفاً إيجابياً تجاه الثائرين لا أن يكون محايداً، فيدعم السلطة الظالمة بسكوته وصمته.
ولقد أدان القرآن الكريم أولئك الذين آذوا نبي الله موسى عليه السلام بكلماتهم، بدل أن يؤيدوه.
يقول تعالى:
{يا أيها الذين آمنوا لا تكنوا كالذين آذوا موسى، فبرأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيهاً، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً}
· المقالة من كتاب عاشوراء (بتصرف)