هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (65)
---> عاشوراء (70)
---> شهر رمضان (82)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (14)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (14)
---> مقالات (123)
---> قرانيات (56)
---> أسرة (20)
---> فكر (93)
---> مفاهيم (120)
---> سيرة (73)
---> من التاريخ (17)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)
---> العدد الواحد والثلاثون (9)
---> العدد الثاني والثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : مقالات .

              • الموضوع : خاتمة نهاية الكراهية .

                    • رقم العدد : العدد الثاني والثلاثون .

خاتمة نهاية الكراهية

 

خاتمة  نهاية الكراهية

من كتاب نهاية الكراهية  القسم الثالث لدور غولد  

مملكة الكراهية” هو عنوان الكتاب الصادر عن دار الجمل بغداد ـ بيروت لمؤلفه البروفيسور بالعلوم السياسية والقانون الدولي الأميركي “دور جولد” ترجمة المغربي محمد جليد.

 عنوان يضاف الى عناوين اخرى مثل مملكة الظلام” “مملكة الجهل” “مملكة الجراد” ذكرت في الصحافة العربية وهي تتناول بالنقد الدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية كحاضنة للفكر الإرهابي الوهابي الذي تتبناه المملكة رسميا كعقيدة إسلامية وحيدة، تلك العقيدة التي أنتجت التطرف الإسلامي والفكر الجهادي التكفيري الذي أنتج بدوره تنظيم القاعدة وتفريعاتها من داعش وجبهة النصرة وغيرهما من الحركات المسماة بالجهادية.

 

يشهد العالم الآن تهديداً جديداً ومدمراً: إنه الإرهاب العالمي الجديد. طبعاً ليست الأفعال الإرهابية جديدة في حد ذاتها، لكن الإرهاب وسّع مجاله على نحو كبير خلال السنوات الاخيرة، وضاعف أهدافه. فلم تعد جماعات إرهابية مأخوذة بحماسة إيديولوجية تحصر نفسها في منطقة واحدة.

لقد استحثت الهجمات الرهيبة على مركز التجارة العالمي والبنتاغون الولايات المتحدة الأميركية على الفعل. فبعيد هذه الهجمات أعلن الرئيس "جورج و. بوش" الحرب ضد الرعب ـ لا على أمة أو أمم، ولا على تنظيم إرهابي أو تنظيمين، وإنما على "جماعة إرهابية ذات امتداد عالمي"، وعد "بوش" بأن "يجدها، ويوقفها، ويهزمها". وقد حققت الحرب ضد الارهاب بعض النجاحات في مراحلها المبكرة، خاصة مع الانتصار العسكري في أفغانستان الذي أطاح بنظام طالبان، كما استهدفت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها مصادر أموال الإرهاب وأسلحته.

كانت هذه الأفعال ناجعة إلى حد ما، وهي اساسية على نحو بيّن لكل محاولة تروم الحيلولة دون وقوع هجمات إرهابية مستقبلاً، لكن الحملة الغربية تجاهلت، على العموم، مكوّناً خطيراً في الإرهاب ـ أي المصدر المضبوط للرعب، والإيديولوجيا التي حفزت الأفراد والجماعات على ذبح آلاف الأبرياء وإزهاق أرواحهم. صحيح أن الأيديولوجيا وحدها لا تكفي لشن هجوم إرهابي، إلا أنها شرط ضروري للرعب، لأن الإرهاب لا يعتبر أبداً عنفاً تلقائياً، أو نتاج فعل متهور ـ إنه لا ينشأ من فراغ.

بعبارة بسيطة، حفزت كراهية متأصلة على موجة الهجمات الإرهابية التي تعتبر هجمات 11 أيلول/ سبتمبر جزءاً منها، فمن أين أتى ذلك العداء؟ في الواقع، لإيديولوجيا الكراهية التي هي أساس هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 جذور تعود إلى أكثر من 250 سنة. إذ كانت إيديولوجيا الكراهية هذه، كما رأينا، نتاج الوهابية العسكرية، حيث طور محمد بن عبد الوهاب هذه العقيدة الإسلامية المتشددة داخل الجزيرة العربية في منتصف القرن الثامن عشر، وترعرعت وازدهرت على التعصب الأصولي تجاه أولئك الذين لم يعتنقوا معتقداتها.

لا تكمن المشكلة في الإسلام برمّته، لأن الحضارة الإسلامية جاءت لتكرم مساهمات الحضارات الأخرى، واعترفت بالمسيحيين واليهود الذين حكمتهم باعتبارهم شعوباً تستحق الحماية لأنها من "أهل الكتاب".

كلا، لا يعتبر الإسلام ذاته مشكلة. تكمن المشكلة في الوهابية كما تطورت في أوساط العربية السعودية، إذ يبقى هذا المنطلق المتطرف والعنيف من التقليد الإسلامي السائد هو العقيدة الدينية المهيمنة في العربية السعودية بعد أكثر من قرنين ونصف من تأسيسها، ويبقى النظام السعودي الداعم الأساس لشبكة الرعب الدولي الوهابية. في الواقع، برزت العربية السعودية، التي يفترض أنها حليفة الولايات المتحدة الأمريكية، كمفتاح للإرهاب العالمي الجديد، لأن المملكة السعودية لم تتح الإيديولوجيا التي حفزت الإرهابيين فحسب، بل قدمت قوة بشرية واعتمادات مالية طائلة لتمويل عمليات الرعب. وبقدر تطرّف العقيدة الوهابية فإن الخطر الحقيقي ينشأ عن دعم الدولة السعودية لإيديولوجية كراهيتها وحملات الرعب المختومة بطابع الوهابية.

إرث الكراهية

لكن هل يمكن أن يرتبط إرهاب القرن الواحد والعشرين فعلاً بعقيدة نشأت في منتصف القرن الثامن عشر؟

للإجابة على هذا السؤال لا ينبغي أن ينظر المرء في اثر الوهابية العميق في العربية السعودية فحسب، بل أيضاً في كيفية تحفيز الوهابية السعودية العنفَ عبر تاريخها. ذلك أن الإسلام الوهابي حفز، على نحو خاص، ثلاث موجات من العنف المتطرف، نتجت عنها مآسٍ فظيعة في الشرق الأوسط.

حدثت الموجة الأولى أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، عندما بعثت الوهابية الفكرة الإسلامية في الجهاد، باعتباره نزعة توسع عسكرية ـ وهو مفهوم انتهى استحسانه في الإسلام التقليدي بعد الفتوحات الإسلامية المبكرة. كما قطعت الوهابية مع التقليد الإسلامي بإضفاء المشروعية على مجاهدة المسلمين الآخرين الذين لم يقبلوا بعقيدة ابن عبد الوهاب. وعززت الوهابية عقائدها، مسلحة نفسها بتحالف بين مؤسسها محمد بن عبد الوهاب ورئيس العشيرة السعودية محمد بن سعود سنة 1744

وباسم الوهابية تميّز المنضوون تحت لوائها بوحشية استثنائية تجاه غير المقاتلين، بمن في ذلك النساء والأطفال، نازعين المشروعية عنهم باعتبارهم كفاراً لم يستحقوا أي حق في الحياة. والأجدر بالذكر أن الجيوش الوهابية ذبحت آلاف الشيعة سنة 1802 داخل مدينتهم المقدسة كربلاء، الواقعة في العراق العثماني. كما دمّر المحاربون الوهابيون القبور وأضرحة الشيعة الأخرى.

ففي الواقع، هذه الوحشية هي جوهر الإرهاب، لأن المحاربين الوهابيين الأوائل تصرفوا تحقيقاً لمطالب وهابية مفادها أن الجماعات الأخرى من الشعب لا تستحق الحياة، وهي جديرة بأن تذبح، ذلك أن نزع المشروعية عن الجماعات الدينية الأخرى ونعتها بالكافرة، بل أسوأ من ذلك ـ وهو ما تأسس غالباً على لعنات الفقهاء الوهابيين المهيمنين في العربية السعودية ـ يكشف بدقة كيف يعمل إرهاب أسامة بن لادن الشامل.

وحدثت الموجة الثانية من العنف الوهابي مع تشكيل العربية السعودية الحديثة في مطلع القرن العشرين. إذ جدد ابن سعود، خليفة أمير العشيرة السعودية، تأسيس تحالف عائلته مع الحركة الوهابية، حيث شجع إنشاء جيش وهابي متطرف سُمّي بالإخوان. فشن هذا الجيش جهاداً ضد المسلمين الآخرين في جزيرة العرب، بمن في ذلك الحسين شريف مكة مؤسس العرش الهاشمي، الذي حكم أولاً جزيرة العرب، ثم في سوريا، والعراق، والأردن. وقُتل حوالي 400 ألف عربي أو جُرحوا في هذه الحملات. ومثلما فعل المحاربون الوهابيون السعوديون في كربلاء قبل أكثر من قرن برّر جنود الوهابية هؤلاء فظاعاتهم بنعت ضحاياهم بالكفار. وقد راقبت القوات الجوية الملكية وباقي الوحدات العسكرية البريطانية جيش الإخوان في البداية، لكن كان ابن سعود نفسه هو من انقلب ضد المقاتلين الوهابيين في نهاية المطاف، حتى لا يفقد هيمنة دولته السعودية الناشئة.

وبدأت موجة الوهابية الثالثة خلال الخمسينيات واستمرت حتى السبعينيات، عندما أصبحت السعودية ملاذ المتطرفين الإسلاميين الفارّين من الإعدام على يد الحكام العلمانيين القوميين العسكريين العرب، خاصة عبد الناصر في مصر. وفي الواقع، وضعت هذه الموجة الثالثة أرضية الدعم السعودي الموجه للإرهاب العالمي الحديث. ففي هذه الفترة التمس آلاف الأعضاء في حركة الإخوان المسلمين المصرية الملجأ والعمل في العربية السعودية، وأقامت الحكومة السعودية جامعات لخدمة العالم الإسلامي، بما في ذلك الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وجامعة الملك عبد العزيز في جدة، وتشكلت هيئات التدريس في هذه الجامعات من الفقهاء الوهابيين والإخوان المسلمين معاً، حيث مُزجت إيديولوجيتا هاتين الحركتين، حتى نشأ هجين جديد، تجسدت أفضل صوره في محمد قطب، شقيق سيد قطب المنظّر المغتال في حركة الإخوان المسلمين، وخاصة في عبد الله عزّام. العضو السابق في فرع الإخوان المسلمين بالأردن. فقد درّسا معاً في جامعة الملك عبد العزيز، وكلاهما علّما طالباً اسمه أسامة بن لادن.

باتت إيديولوجيا الكراهية واضحة في هذه الفترة، بما أن الزعماء الدينيين الوهابيين قد جددوا الدعوة إلى الجهاد، ونزعوا المشروعية عن غير الوهابيين، وأصدر فقهاء وهابيون سعوديون نصوصاً انتهوا فيها إلى أن مسيحيي اليوم ليسوا "أهل الكتاب" الذين التزم الإسلام بحمايتهم، بل هم بالأحرى مشركون ممقوتون. إذ تحدثت هذه النصوص عن "نزعة صليبية" جديدة قبل أكثر من عشرين سنة من هدم رجال أسامة بن لادن مركز التجارة العالمي. وردد الوعاظ في المساجد السعودية هذه التيمات في خطبهم، التي غالباً ما بثّها تلفزيون الدولة السعودية.

كما أنشأت العربية السعودية منظماتها الخيرية الإسلامية الواسعة في هذه الفترة، مثل رابطة العالم الإسلامي، التي صدَّرت نسخة المملكة من الإسلام الوهابي إلى الخارج. ولم تكن هذه الخيريات كيانات غير حكومية أو منظمات دولية مثل الصليب الأحمر الدولي. ذلك أن الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي كان وزيراً في الحكومة السعودية، وترأس العلماء مجالسها الأساسية، فكانت الرابطة جزءاً من حصة العلماء في حصص تقسيم الصلاحيات والمصادر الحكومية مع العائلة الملكية السعودية.

وهذه الرابطة ذاتها هي التي أرسلت عبد الله عزام إلى باكستان حيث شجع متطوعين عرباً على مساعدة أفغانستان في حملتها ضد الاحتلال السوفياتي. إذ التمس عزام مساعدة العلماء السعوديين بغية تطوير عقيدته بالجهاد المتجدد الذي لم يحصره على أفغانستان، بل جعل منه مهمة عالمية بالأحرى.

لقد قدمت الخيريات السعودية إغاثة إنسانية مشروعة للسكان المسلمين الذين انخرطوا في الصراعات المسلحة مع القوى غير المسلمة: مثلاً، في أفغانستان، والبوسنة، والشيشان، وكوسوفو، والفلبين. كما دعمت بناء المساجد في العالم قصد نشر الإسلام الوهابي، ودفعت الأجور لزعماء دينيين محليين، لكن الخيريات السعودية يسّرت أيضاً تطور الإسلام الحركي، حيث دعمت، مثلاً تدفق الرجال والعدّة على مناطق النزاع. وبعد مقتل عبد الله عزام سنة 1989 استعمل خليفته أسامة بن لادن الخيريات لدفع الأجور إلى عملاء قاعدته في العالم.

باختصار، لم تكن المشكلة تكمن فقط في أن الزعماء الدينيين الوهابيين كانوا ينشرون كراهية الغرب، التي حفزت الجيل الجديد من الإرهابيين، بل في أن النظام السعودي نفسه كان يدعم التنظيمات الوهابية المتطرفة والعنيفة. فلماذا برز النظام السعودية كداعم لشبكة الرعب الدولية الوهابية؟ ربما تكمن الإجابة في حاجات الدولة السعودية الجيو استراتيجية. ففي الستينيات، كان على العربية السعودية أن تحارب منافسيها القوميين العلمانيين العرب، وفي الثمانينات، واجهت خصماً تجسد في النظام الشيعي الثوري في إيران. ونتيجة لذلك، تبنّت العربية السعودية قضية الإسلام الوهابي في سياستها الخارجية، وخلقت خيريات ذات امتداد عالمي. وفي وقت لاحق، عندما حاول السعوديون أن يوازنوا أثر إيران الثورية، باتت الخيريات وسيلة لتأمين التأثير في البلدان التي شكلت تهديداً على المصالح الأمنية السعودية، خاصة مصر وباكستان. أخيراً، وابتداء من التسعينيات، عندما بدأت صحة الملك فهد تتدهور، شهد أعضاء بارزون في العائلة الملكية السعودية صراعاً متواصلاً على الخلافة ـ صراعاً سيكون فيه للفقهاء الوهابيين أثر كبير. هكذا، من شأن تضييق الخناق على الخيريات الوهابية في هذا الوقت أن يستلزم دفع ثمن سياسي باهظ.

وقد قدم "برنارد لويس"، المؤرخ المعروف المتخصص في الشرق الأوسط، تشبيهاً يلتقط على نحو حي كيف اكتسبت الإيديولوجيا الوهابية هذا الأثر:

تصوّر لو سيطر " كو كلوكس كلان" أو الشعب الآري" على تكساس، وباتت مداخيل النفط كلها في متناوله، واستعمل هذا المال قصد تأسيس شبكة من المدارس والكليات ذات أوقاف واسعة في العالم المسيحي كله، تروج علامتها المسيحية الخاصة. هذا ما فعله السعوديون مع الوهابية، حيث مكّنهم مال النفط من نشر هذا الشكل المتشدد والهدام من الإسلام عبر العالم الإسلامي كله، وفي صفوف المسلمين في الغرب. ولولا النفط وقيام المملكة السعودية لبقيت الوهابية جناحاً متطرفاً طائشاً.

باختصار، ساعدت الوهابية السعودية على إنتاج كراهية فريدة تجاه الغرب، لكن الدولة السعودية أتاحت نظاماً لحمل تلك الكراهية إلى العالم كله.

لِمَ الكراهية؟

يكمن إخفاق من الإخفاقات الشائعة في تحليلات الإرهاب الحديث في أن التركيز قصير النظر. فهي تنظر إلى الأحداث الأخيرة لتفسر الهجمات على الولايات المتحدة الأمريكية، وتأبى البحث عن الأسباب التاريخية الأعمق. وتعتقد أن فعلاً ما من جانب الضحية أدى بالمنفذين إلى الفعل. ونتيجة لذلك قدّم المعلقون عددا من المفاهيم المضللة لما يكمن وراء الإرهاب العالمي الجديد.

يعتقد البعض أن الغضب الذي شكل جزءاً من أساس هجمات 11 أيلول/ سبتمبر ـ وكذلك تفجيرات "يو إس إس كول" والسفارتين الأمريكيتين في شرق أفريقيا، فضلاً عن هجمات أخرى ـ يجب أن يرتبط بشيء ما في التاريخ الراهن الجامع بين الولايات المتحدة الأمريكية والعربية السعودية. لكن محمد بن عبد الوهاب بدأ يروّج نسخته الفريدة من الإسلام السنّي في وقت لم توجد فيه الولايات المتحدة الأمريكية بعد. بل لم يكن العنف الوهابي أبدا رد فعل على المحتلين الإمبرياليين. في الواقع، إن الانفجار الأول للنزعة التوسعية الوهابية سبق الاستعمار الأوروبي. بل إن الانفجار الثاني للوهابية الحركية، الذي أنشأ المملكة العربية السعودية الحديثة، لم يعترض على خلفية أي إرث استعماري حقيقي. بالفعل، بينما كانت مصر تخضع للاحتلال العسكري البريطاني، وسوريا والعراق لانتداب عصبة الأمم المتحدة تحت إدارة فرنسا وبريطانيا، لم تكن العربية السعودية أبداً مستعمَرة أو إقليماً منتدَباً.

وعندما اخترقت شركات النفط الأمريكية العربية السعودية لم تأت بالرزمة الإمبريالية الكاملة التي جاء بها البريطانيون إلى منتجي النفط الآخرين في الشرق الأوسط، ولم تعتمد على وجود عسكري أمريكي أو وجود أساطيل واسعة في الجوار لاكتساب حقوقها النفطية.

بعد سنوات، أي في السبعينيات، لم تستعمل الولايات المتحدة الأمريكية تفوقها العسكري لمواجهة البلدان العربية المنتجة للنفط لما رفعت من جانب واحد سعر النفط وأممت المصالح النفطية الأمريكية في ليبيا والعراق.

وخلال الحرب الباردة، ربما كان من المغري التشبث بالقواعد العسكرية في العربية السعودية قصد احتواء الاتحاد السوفياتي، لكن الولايات المتحدة الأمريكية تخلت عن قاعدتها الجوية في الظهران سنة 1962 ولم تعد القوات الأمريكية إلى العربية السعودية إلا عندما باتت العربية السعودية تواجه تهديداً عسكرياً مباشراً ـ من مصر خلال الستينيات، ومن إيران خلال الثمانينيات، ومن العراق خلال التسعينيات. وبقدر ما انتهى فقهاء وهابيون متشددون ـ وأسامة بن لادن وأتباعه ـ إلى استنكار الوجود الأمريكي في العربية السعودية كانت الولايات المتحدة الأمريكية شريكاً عسكرياً ثابتاً، لا غازياً إمبريالياً.

ويربط آخرون الكراهية تجاه أمريكا بالموضوع العربي ـ الإسرائيلي. لكن محاولة إثبات أن القاعدة تحمست لضرب الغرب بسبب الإحباط حول القضية الفلسطينية هي ببساطة محاولة غير صحيحة. إذ بدأ أنصار أفغانستان العرب، والعديد منهم كانوا جزءاً من شبكات أسامة بن لادن، يوجهون ضرباتهم في مناطق خارج الشرق الأوسط ـ في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية ـ خلال سنتي 1993 و 1994، وبالضبط عندما وقّعت إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية اتفاقيات أوسلو، وشرعتا في تنفيذها مبدئياً. ففككت إسرائيل حكومتها العسكرية المفروضة على الفلسطينيين، وأحلت محلها السلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات. وفي كل الأحوال، تبقى تظلمات القاعدة المعلنة من الغرب أوسع من الموضوع العربي ـ الإسرائيلي، فهي تتضمن أساساً انهيار الخلافة العثمانية، والوجود العسكري الأمريكي في شبه الجزيرة العربية، والسياسة الأمريكية تجاه العراق، ثم بعد ذلك قضية القدس والفلسطينيين.

ومما لا يمكن إنكاره أن مشاعر قوية تنتاب العربية السعودية حول النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني خلال هذه السنوات كلها. غير أنه لم يكن للعربية السعودية، من حيث الممارسة، إلا دور عسكري هامشي في أغلب الحروب العربية ـ الإسرائيلية. إذ أوضح الزعماء السعوديون، من الملك ابن سعود إلى الملك فيصل، في حوارات خاصة مع مسؤولين أمريكيين أن التهديدات الأساسية، التي شغلت بالهم، صدر عن خصومهم العرب ـ الهاشميين ولاحقاً عبد الناصر ـ لا عن إسرائيل. وفي نهاية المطاف، فما استحوذ فعلاً على مخيلة سعوديين شباب لتجديد فكرة الجهاد والتطوع لوضع أنفسهم موضع خطر ليس القضية الفلسطينية، وإنما الحرب في أفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي. ولم يكن الحافز ذاته ملحوظاً خلال التسعينيات، عندما أضحى السعوديون يشكلون أكبر مكوّن وطني في شبكة القاعدة. وباتت الحرب ضد الغرب بالأحرى صرخة لحشد المتطوعين السعوديين، أكثر منها صراعاً ضد إسرائيل وحدها. وبالفعل، لقد ركّز التحريض الديني، الذي تغذَى عليه الشباب السعودي طيلة سنوات عبر النظام التربوي وعدد من الوعاظ في المساجد السعودية، على العالم المسيحي أكثر من الشعب اليهودي. وفي السنوات الأخيرة بات هندوس الهند هدفاً أيضاً.

 

قطع الروابط السعودية بالإرهاب

سيحاول السعوديون إثبات عدم وجود أي علاقة تربطهم بالإرهاب، لكن السجل التاريخي يظهر أن هذا الأمر غير صحيح.

وبالنظر إلى ثقل الحجة التي تدين العربية السعودية باعتبارها داعمة للإرهاب الدولي انبثق سؤال شائك: ماذا يفترض أن يفعل المجتمع الدولي إزاء دعم العربية السعودية الجماعات الإرهابية الدولية؟ لقد سبق للأمم المتحدة أن خطت خطوات في هذا الاتجاه. ففي شهر أيلول/ سبتمبر 2001 تبنّى مجلس الأمن بالأمم المتحدة القرار رقم 1373، الذي جعل من أي دعم للإرهاب الدولي خرقاً للقانون الدولي. إذ اعتمد القرار بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهي أقسى فئة من القرارات الأممية المخصصة لتهديدات السلم والأمن الدوليين.

ثمة إذن أساس شرعي دولي راسخ يجبر العربية السعودية على وقف دعمها الجماعات الإرهابية الدولية.

كيف يمكن، إذاً إجبار العربية السعودية على الامتثال للقانون الدولي؟

ليست العربية السعودية في حاجة إلى أن تهاجَم عسكرياً، لكن لا ينبغي أن تفترض الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها فقط أن هذا الوطن، الذي يفترض أنه بلد صديق، لا يدعم الإرهاب. ذلك أن مستشاري العلاقات العامة المعقدة في واشنطن قد يبرّئون العربية السعودية، لكن يجب أن يراقب المجتمع الدولي السعوديين باهتمام ليتأكد أنهم يتحللون من كل مظاهر دعمهم الإرهاب.

أولاً، يجب أن ينتهي دعم الدولة السعودية الإرهاب، خاصة استعمال خيرياتها العالمية قصد دعم التنظيمات الإرهابية الدولية. سيعترض السعوديون على ذلك بالقول إنهم قطعوا أشواطاً منذ 11 سبتمبر 2001 في مراقبة ما تفعله خيرياتهم فعلاً، أصدرت سفارة المملكة العربية السعودية في واشنطن، في كانون الأول/ديسمبر 2002 تقريراً من تسع صفحات يقف بتفصيل عند كل الإجراءات التي سبق أن اتخذها السعوديون، لكن ثمة سبباً بسيطاً يدعو إلى التأكد مجدداً من محتواها، بالنظر إلى التناقضات الظاهرة بين مطالبها وتصريحات وأفعال سعودية أخرى.

وعلى سبيل المثال، تبجّح التقرير بـ "فعل مشترك لمحاربة الإرهاب" اتخذته المملكة السعودية والولايات المتحدة الأمريكية لتجميد أصول وائل حمزة جليدان، وهو واحد من مؤسسي القاعدة، وصفه التقرير بـ "هارب سعودي" لكن في الواقع، وبعد يوم واحد من تحرك وزارة المالية الأمريكية ضد جليدان في مطلع أيلول/ سبتمبر 2002 فيما وسمته واشنطن بخطوة سعودية ـ أمريكية مشتركة، نفى وزير الداخلية السعودي نايف ارتباط العربية السعودية بهذه الخطوة، بل انتقد واشنطن، قائلاً إن "على أولئك الذين يوجّهون هذا الاتهام أن يقدموا حجة مقنعة" فالحساسيات السعودية في حالة جليدان أمر مفهوم، لأنه ترأس منذ شباط/فبراير 2000 وقف الرابطة، وهو فرع آخر تابع لرابطة العالم الإسلامي شبه الرسمية.

 

الوصول إلى المصدر

يُعتبر منع السعوديين من تمويل تنظيمات إرهابية أمراً جوهرياً، لكن تجاوز دواليب دعم الدولة للإرهاب إلى موضوع التهريب والكراهية هو تجاوز حاسم. فهذا تحدٍّ مختلف صعب جداً مطروح على المجتمع الدولي، لكن على العالم أن يباشر هذا التحدي إذا كان يأمل أن يضع حداً لكارثة الإرهاب. إذ يستطيع الأمريكيون وحلفاؤهم تحقيق النتائج العسكرية المذهلة في أفغانستان، وفي أي مكان آخر، بما في ذلك العراق. كما يستطيعون قطع حبال الحياة المالية الإرهابية بتجميد مئات الحسابات البنكية، لكن لن تكسب الحرب على الإرهاب ما لم يعالج الحافز الإيديولوجي الكامن وراء الإرهاب، ومن ثم القضاء عليه. ذلك أن العربية السعودية هي الأرضية التي ولّدت الإرهاب، ومن هنا هي مصدر الكراهية التي تحمل تنظيمات دولية على الإرهاب.

لا يمكن استئصال الكراهية باتفاقية دولية أو عبر قرار آخر صادر عن مجلس الأمن بالأمم المتحدة. إذ سيستغرق ذلك عقوداً في التفاوض حول اتفاقية دولية ناجعة ضد التحريض، من شأنها أن تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية والدينية لكل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

وفي كل الأحوال، يجب ألا يغرق المجتمع الدولي في مسألة تقييم الممارسات الدينية بموجب القانون الدولي. وليس من مهام مجتمع الأمم أن يخوض في النقاشات الفقهية الدائرة بين الإسلام الوهابي وباقي العالم الإسلامي حول مدى لزوم الاحتفال بعيد مولد النبي محمد، إذ الأمر جزء من خطابهم الداخلي، لكن يجب أن يهتم المجتمع الدولي بما إذا كانت أي حركة دينية تنشر أدبيات الكراهية بشكل منهجي، وتحرّض المنخرطين فيها على قتال أعضاء عقيدة أخرى.

هل ثمة سابقة في تغيير سلوم الأمم، ما عدا آلية الاتفاقيات الدولية الموقعة رسمياً؟

خلال عقد ونصف العقد من آخر عمر الحرب الباردة سعت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها إلى تغيير خصومهم في المعسكر الشرقي بوضع معايير السلوك الدولي. ففي أتفاق هلسنكي النهائي سنة 1975 اتفق الاتحاد السوفياتي وحلفاؤه على احترام قاعدة من حقوق الإنسان الأساسية، وفي المقابل، استفادوا من تبادل تجاري متقدم بين الشرق والغرب وإجراءات بناء ثقة عسكرية جديدة. إذ لم يكن اتفاق هلسنكي النهائي اتفاقاً دولياً ملزماً، بل كان مجرد إعلان مشترك حول نظام سلوكي متفق عليه. لكنه أوضح معايير سلوك دولي مقبول على الأقل، وكذلك معايير حقوق الإنسان. ذلك أنه مكّن الآلاف وراء الستار الحديدي من الكفاح من أجل الحرية.

يجب على المجتمع الدولي، لمعالجة الكراهية الممنهجة المنبعثة من العربية السعودية لمعايير دنيا من السلوك الدولي المطلوب في أمكنة أخرى من العالم.

يجب أن تُجمع الخطب والكتب المدرسية المشحونة بالكراهية وتذاع على نطاق واسع، لا أن تدفن في أقبية وزارات الخارجية. لقد أتاح هذا الكتاب عيّنة صغرى فقط من بلاغات متشددة معادية للغرب مصدرها التيار السائد في العربية السعودية، ولو عرضت هذه المادة بانتظام أمام الهيئات التشريعية الوطنية، بما في ذلك الكونغرس الأمريكي والبرلمانات الأوروبية، فإن العربية السعودية ستشعر بالضغط فيما يخص القيام بإصلاحات داخلية.

ثمة سعوديون جريئون ممن نظروا إلى ذواتهم واعترفوا بالحاجة إلى إحداث تغيير في العربية السعودية. إذ عزا العديد من كتاب الأعمدة تورط عدد من المواطنين السعوديين في هجمات 11 أيلول/ سبتمبر إلى "ثقافة العنف التي تسرّبت إلى التربية الدينية"، ومن ثم "سيّست الدعوة وعسكرتها". فينبغي أن تُشجّع هذه الأصوات الداعية إلى التعايش، لا أن تُخنق.

قد تترتّب عواقب وخيمة على الفشل في الإصرار على معايير دنيا من السلوك الدولي داخل العربية السعودية، وعلى تشجيع إصلاح تربوي سعودي. ذلك أن القيادة السعودية تستشعر، في ظل الظروف الراهنة، أنها قادرة على التعايش مع تطرفها الداخلي، دون أن تواجه أي عقوبات سلبية. ففي شرق أوسط لا تحاسب فيه أي دولة عن معايير دنيا من السلوك تبقى لعبة المعايير المزدوجة حتمية. إذ يستعرض السعوديون مواصلة بعض السياسات من أجل الاستهلاك الخارجي في العواصم الغربية، لكنهم أحرار في الآن ذاته في اتباع مصالحهم حتى، فالنظام السعودي قد يدفع المال إلى شركات العلاقات العامة الأمريكية لتظهر العربية السعودية باعتبارها شريك أمريكا المتسامح، بينما دعاة سعوديون ونصوص دينية تراقبها الدولة يذمّون الغرب، ويصنفون المسيحيين ضمن فئة المشركين. فقد يدين المسؤولون السعوديون هجمات 11 أيلول/ سبتمبر على الولايات المتحدة الأمريكية إدانة صورية، بينما يبررها زعماء دينيون سعوديون صراحة.

لا يمكن السماح باستمرار هذه الازدواجية لكسب الحرب على الإرهاب ويجب أن تجبر العربية السعودية على الاختيار بين الأمرين.

ورغم إصرار العربية السعودية على العكس فإن السجل يوضح بشكل مخيف أنها تناصر الإرهاب.

فالعربية السعودية هي بالفعل التي فرخت الإرهاب العالمي الجديد. وما لم يشعر النظام السعودي بالضغط من أجل التغيير فإن الكراهية التي حفزت على ارتكاب سلسلة مرعبة من الهجمات الإرهابية في العالم كله ـ بما في ذلك هجمات 11 أيلول/سبتمبر ـ ستبقى متواصلة. وبقدر ما تتواصل الكراهية يستمر الرعب.

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2018/09/06   ||   القرّاء : 119


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 هيئة علماء بيروت تدين الاعتداء الارهابي الآثم في مدينة الأهواز

 القيم الروحية في عاشوراء الحسين (ع)

 من أهداف إحياء ليلة عاشوراء

 من لحق بي منكم استشهد، ومن لم يلحق لم يدرك الفتح

 فكرتان خاطئتان حول قضية الامام الحسين عليه السلام

  الامام الحسين (ع) والاتصال الدائم بالله تعالى

 الآفاق الروحية في الشخصية الحسينية _ البعد العرفاني

 الآفاق الروحية في الشخصية الحسينية _ البعد الحركي

 استحضار النبي(ص) لحادثة مقتل الحسين (ع) وشهادته

 أحيوا أمرنا

 

مواضيع عشوائية :



 الكلمة الطيبة صدقة وحسنة

 نظرية المعرفة في ضوء مباحث الوجود الذهني

 من حكم ومناقب الامير عليه السلام

 كلمات في مبادئ الاخلاق

 هدف حركة الامام الحسين عليه السلام

 الحج معادٌ مُمثّل

  بشراكم

 لماذا ندعو فلا يستجاب لنا؟

  بيان إدانة حول تجاوزات النظام البحريني بحق المعارضة

 الإسلام العالمي في عصر الولاية

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 799

  • التصفحات : 2859364

  • التاريخ : 16/12/2018 - 02:01

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net