هيئة علماء بيروت :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> تعريف (3)
---> بيانات (60)
---> عاشوراء (48)
---> شهر رمضان (75)
---> الامام علي عليه (39)
---> علماء (12)
---> نشاطات (5)

 

مجلة اللقاء :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> فقه (13)
---> مقالات (102)
---> قرانيات (53)
---> أسرة (20)
---> فكر (91)
---> مفاهيم (114)
---> سيرة (67)
---> من التاريخ (16)

 

كُتَاب الموقع :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

---> الشيخ سمير رحال (1)
---> الشيخ علي أمين شحيمي (1)
---> الشيخ ابراهيم نايف السباعي (1)
---> الشيخ علي سليم سليم (1)
---> الشيخ حسن بدران (1)

 

أعداد المجلة :

---> الثالث عشر / الرابع عشر (12)
---> العدد الخامس عشر (18)
---> العدد السادس عشر (17)
---> العدد السابع عشر (15)
---> العدد الثامن عشر (18)
---> العدد التاسع عشر (13)
---> العدد العشرون (11)
---> العدد الواحد والعشرون (13)
---> العدد الثاني والعشرون (7)
---> العدد الثالث والعشرون (10)
---> العدد الرابع والعشرون (8)
---> العدد الخامس والعشرون (9)
---> العدد السادس والعشرون (11)
---> العدد السابع والعشرون (10)
---> العدد الثامن والعشرون (9)
---> العدد التاسع والعشرون (10)
---> العدد الثلاثون (11)

 

الإستخارة بالقرآن الكريم :

1.إقرأ سورة الاخلاص ثلاث مرات
2.صل على محمد وال محمد 5 مرات
3.إقرأ الدعاء التالي: "اللهم اني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك فارني من كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك"

 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • أرشيف كافة المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا
 

 

 

 

 
  • القسم الرئيسي : مجلة اللقاء .

        • القسم الفرعي : فكر .

              • الموضوع : مملكة الكراهية .

                    • رقم العدد : العدد الثلاثون .

مملكة الكراهية

 مملكة الكراهية

الوهابية المصدر الديني والإيديولوجي لموجة الإرهاب والمؤسِّسة لمملكة الكراهية والظلم

 

إعداد : هيئة التحرير

مملكة الكراهية” هو عنوان الكتاب الصادر عن دار الجمل بغداد ـ بيروت لمؤلفه البروفيسور بالعلوم السياسية والقانون الدولي الأميركي “دور جولد” ترجمة المغربي محمد جليد.

 عنوان يضاف الى عناوين اخرى مثل مملكة الظلام” “مملكة الجهل” “مملكة الجراد” ذكرت في الصحافة العربية وهي تتناول بالنقد الدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية كحاضنة للفكر الإرهابي الوهابي الذي تتبناه المملكة رسميا كعقيدة إسلامية وحيدة، تلك العقيدة التي أنتجت التطرف الإسلامي والفكر الجهادي التكفيري الذي أنتج بدوره تنظيم القاعدة وتفريعاتها من داعش وجبهة النصرة وغيرهما من الحركات المسماة بالجهادية.

يوضّح المؤلف بالوثائق الرسمية والتواريخ والأرقام والإحصائيات الإسهام العميق والكبير لمملكة آل سعود في تغذية الفكر الديني المتطرف وتنمية النزعات التكفيرية للفكر الوهابي علانية وسرا. ويرصد الازدواجية المثيرة للغرابة للتعامل الأميركي مع المملكة والمتناقضة مع القيم الديمقراطية التي تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية كعقيدة ثابتة تفرضها على جميع الدول التابعة تحت هيمنتها، وهي علاقة تشبه وتتقارب كثيرا من موقف أمريكيا من دولة إسرائيل

يرصد المؤلف الكثير من الجمعيات “الخيرية” التي يديرها أمراء ونافذون في المملكة “والمدارس” التي تحترف تغذية الكراهية للمواطنين السعوديين وغيرهم بدروس الحقد وتحليل دم ليس لمن لا يدين بالدين الإسلامي وإنما تتعدى ذلك ليشمل الجميع ممن لا يدينون بالفكر الوهابي ذاته.

ونادرا ما يعثر المتابع لأموال سعودية صرفت على البناء والتنمية والتطوير بل دائما كانت تصل الى زعماء جماعات وقبائل وعشائر تصرفها على المحسوبيات والدائرة الضيقة من الاتباع.

كما أُنفقت المليارات في بناء المدارس الدينية لنشر الفكر الوهابي فيها وكذا انشاء التجمعات العلمائية التي تحفظ لمملكة آل سعود هويتها الاسلامية  وترسيخ دورها كحافظ للإسلام وناطق باسمه في مقابل مرجعيات تاريخية سنية كالأزهر .

في ما يلي مقتطفات واختصار لبعض ما ورد في الكتاب نورده ضمن حلقات واقسام ويتضمن القسم الاول ايراد بعض الآراء في الوهابية ودورها السلبي في العالمين العربي والاسلامي ثم عرض لتاريخ تأسيس المملكة وزوالها ثم التأسيس الثاني وفيه عرض للعلاقة بين الوهابية وآل سعود والخدمات المتبادلة بين الطرفين وهذا ما لا يزال مستمرا الى وقتنا وان كان الامر مرّ بتقلبات من حيث الشدة والضعف .

 

 

 

قال محلل في شركة "راند" خلال تموز/ يوليو 2002 لمجلس سياسة الدفاع في البنتاغون إن العربية السعودية عدو الولايات المتحدة الأمريكية. وخلص إلى أن السعوديين كانوا نشيطين "في كل حلقة من سلسلة الرعب" إذ ازدادت الشكوك حول تورّط الدولة السعودية في هجمات 11 أيلول/ سبتمبر تعمقاً في النهاية. ففي أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2002 تبدّى أن السلطات السعودية كانت تحقق في طريقة وصول شيكات وقعتها الأميرة هيفاء بنت فيصل ـ زوجة الأمير بندر، السفير السعودي في واشنطن ـ إلى عمر البيومي، وهو سعودي استضاف اثنين من منفذي هجمات 11أيلول/ سبتمبر عندما وصلا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

أما المعلّقون في العالمين العربي والإسلامي نظروا إلى ما وراء عناصر الإرهاب التكتيكية: تجنيد العملاء، التدريب، التمويل، التخطيط، امتلاك الأسلحة والمتفجرات ونقلها، الخ. وحققوا على نحو خاص في أسباب الإرهاب الجذرية، مركزين على عقيدة الإسلام أو نمطه الممارس في العربية السعودية، المعروف بالوهّابية.

يبقى الإسلام الوهّابي، الذي أرساه محمد بن عبد الوهاب في الخليج العربي أواسط القرن الثامن عشر، المذهب الديني المهيمن في العربية السعودية، إذ يعتبر كثيرون الوهابية بمثابة انحراف جذري وعنيف عن التقليد الإسلامي الرئيس، فعلى سبيل المثال، خلص طارق علي، الباكستاني المقيم في لندن إلى أنه بعد سقوط طالبان في أفغانستان، "قد ينجح انتشار الجند بباكستان في قطع دابر الأخطبوط الوهابي، ولا ينجح، لكن رأسه سالم غانم في العربية السعودية، يحرس آبار النفط، ويمتلك أسلحة جديدة، يحميه الجنود الأمريكيون وقاعدة القوات الجوية الأمريكية في الظهران" وفي الآونة الأخيرة، صرّح شقيق زكريا الموساوي، المعتقل على خلفية مؤامرة القاعدة يوم 11 أيلول/سبتمبر، أن الوهابية ألهمت أفعال الموساوي المتطرفة.

وقد صرّح يوسف م. إبراهيم، المعلّق السابق على الشؤون العربية في صحيفة "نيويورك تايمز"، قائلاً إن "المال الذي نشر نفوذ الوهابية في العالم العربي. موّل شبكات المدارس الأصولية من السودان إلى شمال باكستان" إذ يعتبر قادة طالبان، في الواقع، نتاج هذه الأكاديميات الإسلامية التي تدعمها السعودية، المعروفة باسم "المدارس" في باكستان.

كما كتب محمد الشرفي، وزير التربية السابق في تونس، في صحيفة "نيويورك تايمز"، يقول:

بينما تعتبر العربية السعودية رسمياً دولة معتدلة متحالفة مع أمريكا، ظلت أيضاً مسانداً أساساً من مساندي الأصولية الإسلامية بسبب تمويلها المدارس إلى تتبع العقيدة الوهابية المتصلبة.

وقد اعترف بعض السعوديين صراحة بإيديولوجيا الكراهية التي نشأت في بلدهم، ففي كانوا الأول/ديسمبر 2001، كتبت سحر محمد حاتم، الطبيبة العاملة في الرياض، رسالة موجزة إلى جريدة تصدر بالعربية من لندن، حيث تشرح في الرسالة المعنونة بـ"ثقافتنا الديماغوجية التي أنتجت بن لادن والظواهري وطبقتهما":

بُرمجت عقلية كل واحد منا عند الالتحاق بالمدرسة أثناء الطفولة، لتعتقد أن كل من ليس مسلماً عدوٌ، وأن الغرب يعني الضعف، والفسق، وغياب القيم، بل وجاهلية في حد ذاتها، وكل من يفلت من هذه البرمجة في لقاءات المدرسة، يصطدم بها في المسجد، أو عبر وسائل الإعلام، أو تأتيه من الوعّاظ القابعين في كل الزوايا.

نركّز جميعاً على أسامة بن لادن وطبقته، لكن علينا أن نركّز أيضاً على الأشخاص الأكثر خطورة، وأقصد أولئك الذين يشحنون رؤوسنا بهذه الخطابة في المدارس والمساجد والإعلام، وينثرون الكلمات بلا تردد، دون اعتبار النتائج أو حتى فهم ذلك في هذا العصر حيث العالم يسمع كل ما يقال.

كذلك ركّز الدارسون المسلمون من خارج الشرق الأوسط على الوهابية.

من هنا، ليست الوهابية، في نظر هؤلاء المعلّقين المسلمين، سوى المصدر الديني والإيديولوجي لموجة الإرهاب الإسلامي العالمي الجديدة ـ من إندونيسيا إلى الجزائر، ومن روسيا إلى اليمن، وأخيراً إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إذ لا ينحصر انتقادهم فقط على الوهابية كعقيدة، بل يمتد بالأحرى إلى المؤسسات الوهابية ـ شبكات التربية وقنوات الدعم، والآليات الراهنة التي أقامتها الدولة السعودية، لتمنحها امتداداً عالمياً ـ فأصل المشكلة، إن الإرهاب من درجة هجمات 11أيلول/ سبتمبر لا ينشأ من فراغ، حيث لا يقرر الناس من تلقاء ذواتهم والمكوّن الخطير من مكوّنات الإرهاب، تم تجاهله عموماً في الغرب وهو الحافز الإيديولوجي لذبح الآلالف من الأبرياء، إذ لا تقل المصادر الإيديولوجية للهجمات الإرهابية أهمية عن أسئلة الأمكنة التي تدرّب فيها الإرهابيون، والحسابات البنكية التي استعملوها.

باختصار، ما لم تعالج الجذور الإيديولوجية للكراهية التي أدّت إلى 11أيلول/ سبتمبر لن نكسب الحرب ضد الإرهاب، وستبقى المسألة مسألة وقت فقط قبل أن تبرز أسامة بن لادن المقبل.

أُسس العنف الدينية والإيديولوجية

بدأ بعض المحللين في الغرب ينظرون إلى أثر العوامل الدينية المحتمل، بما في ذلك الإيديولوجيا الوهابية، في التحريض على الإرهاب الدولي. إذ تتضمن مجموعة مقالات تحليلية لمجلس العلاقات الخارجية حول أسباب هجمات 11أيلول/ سبتمبر والاستراتيجية الأمريكية المضادة تحليلاً لـ "ف. غريغوري غوز الثالث" وهو خبير أمريكي رائد في شؤون الخليج الفارسي، يقول فيه أن: الوهابية قد لا تشجع العنف ضد الدولة، لكنها تمثل تأويلاً متزمّتاً ومتعصباً للإسلام على نحو خاص. وأن النخب السعودية مطالبة بالنظر في الدور الذي لعبته هذه العقيدة المتزمّتة والبنية التحتية الدينية الواسعة، التي شيّدتها حولها، في صعود بن لادن.

يصل "عوز" في مقالة لاحقة، إلى استنتاج حاسم واضح: "لا شك في صحة أن نسخة الإسلام الصارمة والمتعصبة على نحو متطرف، التي تُدرّس وتُمارَس في العربية السعودية خلقت الوسط الذي انبثق منه أسامة بن لادن ومجنَّدوه"

هذا التعصب الديني المتطرف اقتضى، أولاً: أن يستأصل رموز الحضارة غير الوهابية، إذ لم يكن هذا الأمر بمثابة ممارسة كونية للإسلام في الماضي، وحتى عندما تملّك المسلمون الأماكن المقدسة لصالح العقيدة الإسلامية كانوا عادة يُبقون على البنيات المقدسة القائمة منذ ما قبل الإسلام، وعندما فتح المسلمون مصر في القرن السابع لم يحطّموا رموز الحضارة المصرية القديمة، ولم يهدموا أبا الهول، لكن عندما هاجمت الجيوش الوهابية الأماكن المقدسة في الإسلام الشيعي جنوب العراق خلال القرن التاسع عشر خرّبت القبور ونهبت الأضرحة الدينية الأخرى.

قد تكون لأنصار الوهابية نقاشاتهم الدينية الداخلية حول قضايا معيّنة، مثل دور الأولياء والقائمين على الصلاة، وقد تكون لهم نقاشاتهم المشروعة مع مسلمين آخرين حول مدى تلاؤم الاحتفال بعيد ميلاد النبي محمد. هذه قضايا على الزعماء المسلمين الدينيين أن يبحثوا فيها فيما بينهم، ذلك أن المشكلة تبدأ حينما تقود بعض الاعتقادات الدينية إلى الادعاء أن جماعات بكاملها من الناس لا تملك الحق في الحياة، وإنما تستحق الذبح.

لم يعد هذا الأمر موضوع تعصب ديني، بل مسألة أمن شامل بالأحرى، لأن هذه الادعاءات أفرزت آفة الإرهاب العالمي الحديثة. من هنا يجب أن تُلقى نظرة فاحصة على الآليات الداخلية المتحكمة في العربية السعودية، حليف أمريكا المزعوم.

العُهدة السعودية ـ الوهابية

رأي محمد بن عبد الوهاب، مؤسس الوهابية، النور في زمن ما بين 1699 و 1703 في قرية العُيَينة، التي تقع في هضبة نجد في الوسط الشرقي من جزيرة العرب.

طُرد ابن عبد الوهاب من العُيينة، لأن كثيراً من أنشطته أثارت حفيظة العلماء المحليين، أو الزعامة الدينية، حيث بحث عن حامٍ جديد ـ وصار الأمر ضرورة ملحة لأنه خاصم أمير قبيلته ووالده معاً.

في نهاية المطاف، آواه محمد بن سعود، حاكم الدرعيّة القريبة من الرياض، ولربما كانت نجد، وقتئذ، تخضع صورياً لحكم الإمبراطورية العثمانية، لكنها كانت مقسّمة أساساً بين العديد من العائلات القبلية، مثل آل سعود في الدرعية، عقد الرجلان حلفاً سنة 1744 إذ تقول رواية إن ابن سعود طمأن حليفه الجديد: "هذه الواحة واحتك، لا تخش أعداءك، ولو اجتمعت نجد كلها لإخراجك لما اتفقنا على طردك"، وأجاب ابن عبد الوهاب قائلاً: "إنكم قائد الاستقرار ورجل حكيم، أريدك أن تقسم لي على كلمة جهاد الكفار".

هكذا، عقد محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب ميثاقاً، أسس بموجبه ابنُ سعود الدولة السعودية الأولى، ووضع ابنُ عبد الوهاب عقيدتها الرسمية، كان الميثاق باختصار، صفقة سياسية، حيث سيحمي ابن سعود بان عبد الوهاب وينشر عقيدته الجديدة بينما يضفي ابنُ عبد الرهاب المشروعية على الحكم السعودي داخل دائرة متسعة من قبائل البدو، التي أخضعها الجهاد الجديد، كما أصبح ابن سعود إمام جماعة ابن عبد الوهاب الدينية الجديدة. بل إن ميثاقهما تضمّن زواجاً أميرياً، حيث تزوّج ابن سعود ابنة عبد الوهاب، ولقد قامت سلالة آل سعود وآل الشيخ مقام زعماء الدولة السعودية الأصلية لأجيال، وسمّت الجماعة الجديدة حركتها باسم الدعوة والتوحيد، لكن سُمّيت العقيدة الطُهرانية الجديدة في الغرب بالوهابية نسبة إلى مؤسسها، وسمي أتباعها بالوهابيين.

 

 

التطرف والوحشية

بهذا التحالف السياسي ـ الديني أمكنت الإغارة على القبائل آنذاك كقضية دينية، وشَرْعَن ابن عبد الوهاب الجهاد ضد إخوته من المسلمين لأول مرة.

ورغم أن ابن عبد الوهاب لم يؤسس مذهباً جديداً، فإن دعوته داخل المذهب الحنبلي تميّزت بانفصال واضح عن الإسلام الأساس، إذ ظل أتباع المذهب الإسلامي السنّي الواحد ينظرون، طيلة قرون، إلى أتباع المذهب الآخر كمسلمين حقيقيين، لكن ابن عبد الوهاب قطع مع هذا التقليد.

الحملات العسكرية السعودية ـ الوهابية

رغم أن محمد بن سعود توفي سنة 1765 فقد واصل ابنه عبد العزيز الحروب الوهابية، وبلغ ساحل الخليج الفارسي سنة 1780 عندما استولى على الأحساء، وتقدم الوهابيون نحو الكويت سنة 1788 واعترفت البحرين بسيادتهم بدفع الزكاة للزعيم السعودي.

وقد توفي محمد بن عبد الوهابي سنة 1791، لكن الحملة الوهابية التوسعية استمرت، أذ أرسل عبد العزيز نسخة من كتابات ابن عبد الوهاب إلى حكام عُمان طالباً منهم أن يتبنّوا هم وشعبهم العقيدة الوهابية، وهو اقتراح رفضه العُمانيون، وقد كتب ابن رزيق وهو مؤرخ عُماني، عن هذا العمل يقول: "إنه كتيّب، يُبيح قتل كل المسلمين الذين ينشقّون عنهم (الوهابيين)، والاستيلاء على ممتلكاتهم، واسترقاق أبنائهم، والزواج من زوجاتهم دون طلاق".

وفي ربيع سنة 1802 احتل اثنا عشر ألف وهابي بقيادة سعود الجزء الجنوبي من العراق العثماني، وفي شهر نيسان/أبريل من السنة ذاتها دخل الجيش كربلاء حيث ذبح حوالي أربعة آلاف شيعي، ونهب الأضرحة الشيعية المقدسة، بما في ذلك قبر الشهيد الحسين، حفيد النبي محمد، وبعد نهب المدينة غادر الوهابيون حاملين غنائم ثمينة تضمّ سيوفاً مرصّعة بالجواهر، ومسدسات، وحلياً ذهبية، وزرابي فارسية، ونقلوا كل ذلك على ظهور أربعة آلاف جمل.

وقد سجّل علي باي طبيعة الهجوم على كربلاء قائلاً: "لم يصمد السكان طويلاً، وأعمل الغزاة السيف في رقاب الرجال والأطفال الذكور من الأعمار كلها، وبينما كانوا ينفّذون هذه المجزرة الرهيبة، كان طبيب وهابي يصرح من أعلى برج: "اقتلوا واشنقوا كل الكفار الذين يشركون بالله"، وبالفعل، شكل الاقتناع بأن خصومهم "مشركون" التبرير الذي أحتاج إليه الوهابيون لارتكاب المجزرة.

وقد عدّد مصدر غربي آخر، هو "ج. روسو" والذي عاش في العراق خلال هذه الفترة، مظاهر الرعب في الهجوم الوهابي على كربلاء: "مات الشيوخ والنساء والأطفال بحد سيف المتوحشين، فضلاً عن ذلك، يقال إنهم كلما رأوا حاملاً بقروا بطنها وتركوا الجنين فوق جثمان الأم الدامي، إذ لم تشف وحشيتهم غليلهم، حيث لم يتوقفوا عن القتل، وتدفق الدم كالماء".

وفي سنة 1805/ حاصرت القوات الوهابية النجف، المدينة الشيعية المقدسة في العراق، ومدفن عليّ صهر النبي محمد، ولرد الهجوم دعا فقيه قيادي شيعي، باعتباره مندوب الإمام المنتظر، إلى جهاد دفاعي مبرر ضد "أعداء الإسلام"، وبخلاف كربلاء لم تنهزم النجف.

لكن كانت النجف استثناء خلال هذه الفترة، ففي سنة 1803 وقعت مكة المكرمة في يد جيش وهابي بقيادة سعود، حيث واصل الوهابيون عادتهم في تخريب الأضرحة، وواصلوا حملاتهم في عهد سعود، لتسقط المدينة المنوّرة بعد ذلك بسنة.

وأضحى هجوم الوهابيين سنة 1802 على قلعة الطائف، خصوصاً معروفاً كفعل من أفعال البربرية الهمجية. إذ أعملوا السيف في كل من صادفوه من الأهالي، دون أن يفرّقوا بين رجل أو امرأة أو طفل، ولم يتورّعوا عن تمزيق الأبرياء إرباً إرباً في منامهم ومخادعهم.

وفي المدينة المنوّرة طبّق الوهابيون عقيدتهم الدينية القاضية بتدمير الأضرحة وتحريم أي شيء أشبه بتمجيد الأولياء، بل ذهب الوهابيون أبعد من أفعالهم في كربلاء عندما حاولوا هدم القباب الفخمة القائمة فوق قبر النبي محمد نفسه، كما أزال الغزاة الوهابيون كل الأشياء الثمينة من القبر، ونهبوا خزينة مسجد الرسول، وطردوا ساكنة المدينة المنوّرة التركية الواسعة، وهو فعل استعدى بوضوح الإمبراطورية العثمانية.

واستؤنفت الغزوات الوهابية في العراق سنة 1805 وامتدت إلى سوريا أيضاً، ففي سنة 1808 طلب سعود من شيوخ دمشق وحلب اعتناق الوهابية، وأغار حلفاؤه من القبائل المخضعة من جبل شمّر على الصحراء السورية نيابة عنه، وتحدوا دمشق سنة 1810 وفي سنوات 1808 و 1810 و 1812 هددت الغارات الوهابية بغداد.

وسرعان ما بلغ مجال التأثير الوهابي تدمر في الشمال، ثم امتد عميقاً داخل سوريا، ليصل إلى عمان في الجنوب، وأضحت الدولة السعودية الناشئة أوسع كيان سياسي مفرد ينبثق في شبه الجزيرة العربية منذ زمن النبي محمد.

وأنذر تعاظم هذه النجاحات العسكرية بتهديد النظام السياسي في الشرق الأوسط، ذلك أن جلّ هذه المنطقة كان ما يزال خاضعاً اسمياً لمراقبة الإمبراطورية العثمانية، لكن الرعايا العثمانيين أوّلوا الانتصارات الوهابية بأنها تعبير عن غضب الله من البدع التي أدخلها السلطان العثماني سليم الثالث 1789 ـ 1807 وفي سنة 1803 عيّن سليم الثالث، الذي اصبحت سلطته السياسية تواجه تحديات كبرى، حاكماً جديداً على دمشق لمعالجة التهديد الوهابي.

لكن التهديد الوهابي لم يكن سياسياً فحسب، بل كان كل انتصار وهابي على الرعايا العثمانيين يقوّض كذلك السلطة الدينية للسلطان سليم الثالث، الذي كان خليفة (ومن ثمة حامي) الإسلام السنّي، إذ كان الرد العثماني دفاعاً عن الإسلام السنّي أمراً حتمياً.

وقد شكلت الغارات الوهابية على أقاليم الإمبراطورية العثمانية تحدياً لسيادة السلطان السياسية، إذ لمّا كان الوهابيون لا يعتبرون أولئك الذين لا يتبنّون عقيدتهم مسلمين حقيقيين، ولمّا كان المقام الديني للسلطان ـ الخليفة العثماني قد نشأ من السمعة العسكرية للإمبراطورية العثمانية كحامي المسلمين أضحى التوسع العسكري الوهابي يشكل تحدياً مباشراً لسلطة السلطان ـ الخليفة العثماني الدينية.

وعندما غادر الفرنسيون مصر، عينت الإمبراطورية العثمانية الضابط الألباني محمد علي حاكماً على القاهرة، وكلّفته بمواجهة التهديد الوهابي، ورداً على ملتمس السلطان، نظم محمد علي قوة مسلحة، وضعها في البداية تحت قيادة ابنه الشاب طوسون لاسترجاع مدن الإسلام المقدسة من الوهابيين.

سقطت المدينة المنوّرة في قبضة مصر خلال تشرين الثاني/نوفمبر 1812، واستسلمت جدة خلال كانون الثاني/يناير 1813، وأضحت مكة والطائف بُعيد ذلك في أيدي المصريين الذين احتفلوا بفتح مصر مكة والمدينة في القاهرة، وبعث محمد علي مفاتيح المدينتين إلى السلطان في اسطنبول حيث استمر الاحتفال أسبوعاً كاملاً.

وعندما توفّي سعود يوم 27 نيسان/أبريل 1814 في العاصمة السعودية الدرعية، تولّى عبد الله السلطة زعيماً جديداً للدولة السعودية.

وقرر محمد علي، الذي لم يكتف بفتحه الحجاز ومدن الإسلام المقدسة، اختراق داخل الجزيرة العربية، وتحطيم ما تبقّى من الدولة السعودية، فعيّن ابنه الأكبر إبراهيم لقيادة هذه الحملة.

اكتسح جيش إبراهيم نجد كلها، وأستسلم عبد الله يوم 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1818 فأخذه إبراهيمُ أسيراً، وبعد أن سقطت الدرعية في أيدي المصريين وسوّيت بالأرض انتهت الدولة السعودية الأولى، واحتفل المصريون في القاهرة بسقوط الوهابيين احتفالاً عارماً باستخدام الشهب النارية، ونُقل الأسير عبد الله إلى اسطنبول حيث مثل أمام السلطان العثماني محمود الثاني (1808 ـ 1839)، مغلولاً بقيود ثقيلة، وبعد أن أُجبر على السير في شوارع العاصمة العثمانية ثلاثة أيام ضُرب عنقه إلى جانب أحد وزرائه أمام الباب الرئيس لآيا صوفيا، غير بعيد عن قصر الباب العالي، ولأنهم اعتُبروا هراطقة فقد حُرموا من إقامة جنازة إسلامية لهم وألقيت جثثهم في البحر بعد أن عُرضت أمام الملأ لعدة أيام، ويقال في رواية أخرى أن الجثث تركت تنهشها الكلاب الضالّة.

وخلّد العثمانيون انتصارهم على الوهابيين باعتباره "هزيمة لخصوم الدين الإسلامي"، وحتى الشاه الفارسي الخصم، الذي عُدّ حامي المسلمين الشيعة، اعترف بانتصار العثمانيين على الوهابية في رسالة موجّهة إلى محمد علي، وأمر السلطان ـ الخليفة أن تقام الصلوات في أرجاء الإمبراطورية العثمانية كلها حمداً لله على "محق الطائفة التي خرّبت مكة والمدينة".

الوهابية تنجو ـ وتنتشر

لكن الوهابية لم تمت بإعدام عبد الله، في الواقع اكتسبت هذه العقيدة، بعد سقوط الدولة السعودية الأصلية، درجة مدهشة من التأثير داخل أمكنة أخرى من العالم الإسلامي،

ولم يعنِ سقوط الدولة السعودية أيضاً نهاية الوهابية في الجزيرة العربية حيث نشأت وتطورت، ففي سنة 1825 عاد عبد الرحمان بن حسن آل الشيخ، وهو حفيد ابن عبد الوهاب، من المنفى ودعا القبائل إلى العودة إلى "الإسلام الأصيل"، وأنكر أفعال الشرك "لما يسمّى بالمسلمين"، وهذه العبارات مستوحاة من الوهابية الكلاسيكية.

وفي الوقت ذاته، عاد سليل مباشر لمحمد بن سعود، مؤسس التحالف السعودي الوهابي، ليعيد تأسيس مطالبة عائلته بالزعامة، إذ شنّ تركي بن عبد الله، الذي فر من الهجوم المصري، غارات جديدة سنة 1823 في قلب الجزيرة العربية، واستعاد الرياض من المصريين، ليحكم دولة سعودية ثانية إلى أن اغتيل سنة 1832 ثم أضحى أخوه فيصل حاكم الرياض، لكنه وقع أسير القوات المصرية سنة 1838، ونقل إلى القاهرة.

وفرّ فيصل من سجنه في القاهرة سنة 1843، عائداً إلى الرياض، ليستعيد السلطة باعتباره إمام السعودية، وعيّن عبد الرحمان الذي واصل نشر تعاليم جده الوهابية، قاضياً في الرياض سنة 1845، حيث أضحى ينظر إليه، منذ أوائل ستينيات القرن التاسع عشر حتى وفاته سنة 1869، باعتباره "إمام القصر"، ونُصّبت الوهابية، على نحو راسخ، في قلب السلطة خلال الدولة السعودية الثانية.

لقد أذن رعايا فيصل للوهابية، بل إنه أعلن الجهاد رسمياً في مطلع ستينيات القرن التاسع عشر بغية إخضاع خصومه القبليين، وكانت هذه الهجمات الوهابية وحشية، تتجاوز غارات البدو العرب، الذين كان غرضهم كسب الغنائم.

ورغم أن فيصل احتل سنة 1850 قطر، التي اعتنقت الوهابية في وقت لاحق، فقد كانت حملاته محدودة على العموم.

ورغم أن العثمانيين أدركوا أن الوهابيين يشكلون خطراً، كما كتب طالب لبيب درس الوهابية آنذاك، فقد بقيت الوهابية "حلفاً سياسياً ـ دينياً يشرعن الغنيمة غير الشرعية ويسترقّ كل الشعوب خارج نطاق حدودها"، كما أعاد السلطان العثماني تأكيد سلطته الدينية على الحجاز، متدخلاً في تعيين شريف مكة، الذي اقتضى العُرف أن يكون سليل النبي محمد وأن يكون من العشائر الهاشمية الثلاث.

كان قلق المسؤولين العثمانيين من احتمال انبعاث الوهابية أمراً مفهوماً، وقد هاجم مفتي مكة الشيخ أحمد بن زيني دحلان، في كتابه "فتنة الوهابية"، سجلّ الوهابية: "ثم كثر شرهم وتزايد ضررهم واتسع ملكهم وقتلوا من الخلائق ما لا يحصون واستباحوا أموالهم وسبوا نساءهم"، ودون أن يترك أي مجال للشك حول رؤيته إلى الحركة، وصف العقيدة الوهابية باعتبارها "مذهباً خبيثاً" حيث كتب في سياق آخر من الكتاب: "كان مؤسس مذهبهم الخبيث محمد بن عبد الوهاب وأصله من المشرق من بني تميم وكان من المعمّرين فكاد يعد من المنظرين لأنه عاش قريب مئة عام حتى انتشر ضلالهم".

لكن الدولة السعودية الثانية انهارت في النهاية بسبب الانشقاق الداخلي عقب وفاة فيصل سنة 1856، لما تقاتل أبناؤه ـ عبد الله، سعود، محمد، عبد الرحمان ـ على الخلافة، وأدت خصومتهم إلى مزيد من التدخل الأجنبي، فعندما خلع سعود أخاه عبد الله، ناشد الأخير السلطان العثماني التدخل لصالحه، وإلى جانب الاقتتال على التحكم في الجزيرة العربية، شاع أن الإخوة اختلفوا حول تطبيق العقيدة الوهابية، خاصة فيما يتعلق بـ "قتل غير الوهابيين".

أثر الوهابية الثابت

في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، زار المستكشف البريطاني "تشارلز م. دوتي" الجزيرة العربية، حيث روى بتفصيل الثروات المتدنية لما تبقّى من الدولة السعودية: "تُعتبر الرياض وضاحيتها والبادية المجاورة لها كل ما تبقى من السيادة الوهابية، التي باتت إمارة صغيرة وضعيفة ـ مثل بُريدة. إذ تخلّى خدم آل سعود عن نجومه المشؤومة، وأجّروا أنفسهم لدى محمد بن الرشيد، ولم يعد البدو يطيعون الوهابي".

لكنه أضاف أنه بينما كادت تنهار سلطة الوهابيين السياسية كانت جاذبية مذهبهم الديني لا تزال قوية.

وكتب "دوتي" أن الالتزام الثابت بالوهابية كان يعني أيضاً أن المسيحيين، الذين سمّاهم البدو بالنصارى، كانوا يعرّضون أنفسهم للخطر بالسفر في الجزيرة العربية: "يعتقدون أن النصراني ابن الشر، ومن ثم فهو يستحق الموت: ونصف أهل المدن هم وهابيون". ورغم أن الوهابيين نادراً ما احتكوا بالمسيحيين فقد اعتبروهم مع ذلك أبناء الشيطان.

وعندما استولى الرشيديون على الرياض سنة 1891 طلب الأمير الرشيدي من عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ـ الانتقال إلى حائل عاصمة الرشيديين، وعاد بعد سنة إلى الرياض التي كان يحكمها الرشيديون، وواصل الدعوة إلى المذهب الوهابي وتعليمه، (وفيما بعد، في سنة 1902، سامحه ابن سعود مؤسس الدولة السعودية الحديثة عن ارتباطاته بالرشيديين، وبالفعل تزوج ابن سعود ابنة عبد الله بن عبد اللطيف طرفة آل الشيخ، وسيصبح ابنهما فيصل ملك العربية السعودية فيما بعد.

في الواقع انتشرت الوهابية في بداية القرن التاسع عشر، ولأن الوهابية حكمت مكة فترة من الزمن، وخلّفت أثراً عاماً هناك على نحو واضحِ، فإن المسلمين الحجاج تعرّضوا لتأثير المذهب، ونتيجة لذلك وصلت الوهابية إلى مجتمعات إسلامية أخرى.

وقد وصلت الوهابية إلى آسيا الوسطى الروسية مع حلول القرن العشرين، حيث اسّس سيد شرع محمد، وهو مواطن من المدينة، خلايا وهابية في وادي فرغانة (وهي منطقة تقع في ما يُسمّى اليوم بأوزبكستان) ثم واصلت انتشارها، ومع توالي عقود القرن العشرين حيث شهد الوهابيون اضمحلالاً وضعفاً سياسياً في محيطهم تبنّت التنظيمات التي هيمنت عليها الوهابية، في نهاية المطاف، استراتيجية نشاط إسلامي محارب، أي العنف الصريح.

وكما سنرى، تعود الأصول الفكرية والإيديولوجية، التي تشبّع بها العديد من أولئك الذين بدأوا هذا الحراك الإسلامي المحارب، إلى وهابية القرن التاسع عشر، والخلاصة أن الفكر الإسلامي المتشدد، كما تطور في الجزيرة العربية خلال القرن التاسع عشر، ساهم مساهمة مهمة في حملات العنف ضد الغرب والإرهاب الإسلامي الذي حصل خلال القرن العشرين.

ابن سعود ينازع العثمانيين

فابن سعود الذي ولد سنة 1880 وهو ابن عبد الرحمان، أحد أبناء فيصل الأربعة الذين تنازعوا العرش السعودي، نفي وهو فتى إلى الكويت حيث هرب والده، لأن العثمانيين كانوا يدعمون خصوم السعوديين في شرق الجزيرة العربية، وهم رشيديو جبل الشُمَّر الذين استولوا على الرياض سنة 1891 ومن الكويت التي باتت شبه محمية بريطانية سنة 1899، أخذ ابن سعود يراقب الأمور لما كان البريطانيون يندفعون مذعورين لإبعاد القوى الإمبريالية الأوروبية الأخرى عن الخليج الفارسي.

وفي سنة 1900، مثلاً تعرض حاكم الكويت الشيخ مبارك وضيوفه السعوديون لهجوم من الرشيديين الذي يدعمهم العثمانيون (وهم عرب يخاصمون السعوديين) ونجوا بفضل الاتصال بسفينة حربية بريطانية في الخليج الفارسي.

بعد سنة من ذلك استعاد ابن سعود، وهو في سن الثانية والعشرين، عاصمة أجداده الرياض من الرشيديين، وبدأ حملة لاستعادة الأراضي السعودية التي ضاعت خلال القرن التاسع عشر، ودامت هذه الحملة اثني عشر عاماً.

وبينما انشغل العثمانيون بالبلقان آنذاك، استغل ابن سعود انكشافهم لينتزع حاميتهم العسكرية في الأحساء في ايار/مايو 1913 إذ أدرك، وهو يواصل هذه الحملات العسكرية، أنه يحظى بدعم الوكلاء السياسيين البريطانيين ـ ما لم يحتل أراضي الشيوخ الذين يحظون بالحماية السياسية البريطانية.

حركة الإخوان

اسّس سليل محمد بن عبد الوهاب، عبد الله بن عبد اللطيف الذي كان قاضي الرياض، حركة دينية جديدة استقرت في الأرطاوية، وهي قرية تقع في نجد شمال الرياض، هناك أسس مستوطنو نجد تنظيم الإخوان ـ وهو تنظيم وهابي أصرّ على أن يعيش "إخوانه" وفق التعاليم الوهابية الصارمة، وأن يتجنبوا الأوروبيين، وأن يعيشوا داخل مستوطنات فلاحية مشتركة تعرف باسم هُجَرِ (مفردها هجرة)

انتشرت حركة الهجرة عبر الجزيرة العربية، حيث انتصبت 52 مستوطنة مع حلول سنة 1920 و 120 في سنة 1929 وواصل بدو الهجر الانخراط في الغارات العسكرية ـ ليس فقط من أجل سلب القوافل، مثلما فعلوا في الماضي، بل لأن الإغارة في التقليد الوهابي تكتسي بعداً دينياً، حيث استلزمت شن الحروب ضد  "المشركين".

سعى ابن سعود إلى استمالة الإخوان، عبر مدّهم بالدعم وبالمعلّمين الدينيين، وعيّن القضاة، الذين مدّوا الهجر بالتوجيه الديني والقانوني، من خلف محمد بن عبد الوهاب، وأمل إبعاد أعضاء الإخوان عن ولائهم السياسي الأول ـ عن زعمائهم القبليين ـ ومن ثم إضعاف قوة منافسيه المحتملين.

مثّلت النزعة القبلية مشكلة عويصة لكل زعيم عربي سعى إلى توحيد شبه الجزيرة العربية، وكان ابن سعود في حاجة إلى وسيلة لتوحيد هذه القبائل التي تتمتع باستقلالية كبيرة، فكان الإسلام الوهابي بمثابة اللحمة التي تجمع الدولة السعودية الناشئة، وكان الإخوان الأداة المستعملة لقولبة المجتمع الوهابي الجديد.

لقد انتمى الإخوان في الغالب إلى خلفيات بدوية، ولم يمتلكوا في الغالب توجيهاً شاملاً في الإسلام، حيث مالوا إلى استعراض الحماسة، إن لم نقل التشدد، في تطبيق دينهم الحديث العهد بالتأسيس على حياتهم اليومية، فضربوا إخوانهم الذين لا يصلّون خمس مرات في اليوم، واعتبروا باقي المسلمين مشركين، كما ارتدى الإخوان لباساً مميزاً، بما في ذلك عمائم بيضاء، بدل الكوفية العربية التقليدية، وكانوا يغطون وجوههم عندما يلتقون بالأوروبيين أو العرب من خارج العربية السعودية عوض أن يسمحوا بـ "تدنيس" أنفسهم.

وجاؤوا بهذا التشدد الديني إلى مجال الحرب، مثلما فعل وهابيو القرن الثامن عشر، ففي سنة 1916 أمر ابن سعود القبائل البدوية في الجزيرة العربية جميعها بأن يلتحقوا بالإخوان، وأن يؤدوا له الزكاة، لأنه وجب الاعتراف به إماماً لهم، وإذا عجزوا عن أدائها واجهوا الغزو، ذلك أن الإخوان اعتبروا أولئك الذين لم يلتحقوا بهم مشركين.

وقاد ابن سعود جيشاً قوامه عشرة آلاف رجل من الإخوان إلى حائل، عاصمة الرشيديين، في شهر آب/أغسطس 1921

لكن هجمات الإخوان في شرق الأردن ومذابح القرى لم تتوقف وفي سنة 1927 أغار الإخوان على جنوب العراق، يرومون بوضوح نهب أضرحة كربلاء الشيعية، مثلما فعلت الجيوش الوهابية قبل أكثر من قرن من ذلك.

وحشية وهابية أكبر: الحرب السعودية ـ الهاشمية

في آذار/مارس 1924 قرر الملك حسين إعلان نفسه خليفة، عندما ألغت الجمهورية التركية الخلافة العثمانية في اسطنبول، وبعد خمسة أشهر اجتمع ابن سعود بالإخوان وأعلن الجهاد ضد الملك حسين، ودخلت جيوش ابن سعود من الإخوان مدينة الطائف الحجازية يوم 24 آب/أغسطس وقتلوا حوالي أربعة آلاف رجل وامرأة وطفل، ويربط السجل الدبلوماسي البريطاني لهجوم الإخوان على الطائف بين وحشية الإخوان وتعصّب الوهابيين الديني الضاري: "ثمة حجة تفيد أن الغزاة أظهروا تشدداً دينياً، حيث خاطبوا ضحاياهم دوماً على أنهم كفار ومشركون" وبالفعل قدّم علماء ابن سعود التبرير الديني لغزو الإخوان السعودي المتحمس.

وفي كانون الأول/ديسمبر جددت قوات ابن سعود هجومها على جدّة، وكررت الأفعال ذاتها التي اقترفتها الجيوش الوهابية قبل مئة عام من ذلك، حيث خرّبت أضرحة دينية لم تكن، من وجهة نظر وهابية، تشكل جزءا من الإسلام الحق.

وفي يوم 5 كانون الأول/ديسمبر 1924 دخل ابن سعود مكة، مستعيداً المدينة المقدسة التي حكمها أسلافه منذ أكثر من قرن، وتقوّضت بقايا النظام الهاشمي بُعيد ذلك، وبعد سنة اكتسب ابن سعود لقباً جديداً: ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها.

كانت الحملة العسكرية السعودية في الجزيرة العربية باهظة الثمن في ما يتعلق بأرواح المدنيين، وقد كتب سعيد أبو ريش، وهو صحافي فلسطيني، رواية مناهضة لآل سعود يصف فيها وحشية غزوات الإخوان: "قتل أو جرح ما لا يقل عن 400 ألف، لأن الإخوان لا يأسرون، بل غالباً ما يقتلون المنهزمين، وفرّ أكثر من مليون من سكان الأراضي التي غزاها ابن سعود إلى بلدان أخرى: العراق، سوريا، مصر، الأردن، والكويت"

مسار التصادم

كان الإخوان بمثابة "حد الوهابية القاطع" خلال عشرينيات القرن الماضي.، ولكن اصطدمت جيوش الإخوان مع قوات ابن سعود الأخرى سنة 1929 وانهزمت في نهاية المطاف لكن الإخوان لم يندثروا.

ومع حلول سنة 1932 وحّد ابن سعود الحجاز ونجد ومناطق عربية أخرى، مثل مناطق آل الرشيد السابقة في جبل الشمّر، لتشكل جميعها المملكة العربية السعودية.

وخسر الهاشميون ديار أسلافهم في الحجاز وحلت مكانها المملكة الوهابية الجديدة.

الفصل الرابع

بناء الدولة السعودية الحديثة

النفط والقضية الفلسطينية والأمريكيون

تجلّت إحدى المزاعم المقدمة ضد ابن سعود خلال الصراع بين الزعيم السعودي والإخوان في كونه تعاون مع "قوة كافرة"، أي بريطانيا، بالفعل، فقد وافق ابن سعود سنة 1915 على أن تكون نجد شبه محمية بريطانية، وأن يحصل على إعانة مالية شهرية من الحكومة الهندية البريطانية، وتعهّد في اتفاقه مع الهند البريطانية أن "يمتنع عن كل مخابرة أو اتفاق أو معاهدة مع حكومة أو دولة أجنبية".

وفي سنة 1927 تخلّى البريطانيون عن وضع المحمية في العربية السعودية، واعترفوا باستقلالها، وحلت معاهدة إنجليزية ـ سعودية محل الاتفاق السابق بينهما سنة 1915

وكان على ابن سعود أن يوازن حساسيات أتباعه الدينية مقابل حاجته إلى تشكيل حلف بغية بناء المملكة السعودية. ومنحت الحكومة البريطانية ابن سعود حوالي 60 ألف جنية استرليني سنوياً، وارتفعت الإعانات البريطانية خلال عشرينيات القرن الماضي إلى مئة ألف جنية استرليني سنوياً. لكن الحفاظ على وحدة مملكته الموسعة بات أمراً باهظ الثمن على نحو متزايد

الوهابية حيّة ومُعافاة

رغم أن مداخيل النفط كانت أساسية بالنسبة لابن سعود فإنه لم يتجاهل المؤسسة الدينية الوهابية، التي شرعنت حكم العائلة الملكية السعودية، إذ اعتمد الملك على العلماء أكثر من أي وقت مضى، بعد إخماد تمرّد الإخوان سنة 1929، حيث استعمل بانتظام هذه الزعامة الدينية لإصدار الفتاوى حول جملة من القضايا السياسية، ففي الواقع استصدر فتوى قبل قمع الإخوان، ورغم أن العلماء اعترضوا في البداية على الوجود الأجنبي الذي جاء به الامتياز النفطي فقد كان متيقناً من إثارة اهتمام الزعماء الدينيين بالسماح للأمريكيين باستكشاف النفط.

ورغم أن ابن سعود كان يسعى إلى اتفاق دفاع رسمي، لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة للوفاء به، ووافقت واشنطن على تدشين حضورها العسكري في العربية السعودية، إذ بعث الرئيس "هاري ترومان" رسالة إلى ابن سعود يوم 31 تشرين الأول/أكتوبر 1950، يعيد فيها التأكيد على "المصلحة الأمريكية في الحفاظ على استقلال العربية السعودية ووحدتها الترابية.

وبينما تم احتواء أثر الوهابية في صناعة القرار السعودي فإنه ظل جزءاً لا يتجزأ من الحياة السعودية، ذلك أن تقرير السفارة البريطانية السنوي خلص إلى أن "القشرة الصلبة في مذهب الأخلاقية الوهابية ظلت سليمة برمّتها تقريباً.

توفي ابن سعود سنة 1953، بعد أن أنجب خمسة وأربعين ابناً من اثنتين وعشرين زوجة، فاعتلى ابنه الثاني سعود العرش، إذ كان ابنه البكر تركي قد توفي سنة 1919 بسبب الأنفلونزا، وأصبح ابنه الرابع فيصل ولياً للعهد، (وكان ابنه الثالث قد توفي أيضاً)

كافح الملك سعود في سبيل الحفاظ على إرث والده، فأغلق القاعدة الجوية الأمريكية في الظهران سنة 1926، وسعى إلى استرضاء الراديكالية العربية في أواخر الخمسينيات، وأغرق مالية بلاده في الفوضى، ولن تستشعر قيادة الزعيم السعودي الجديد والواثق بنفسه أثر الوهابية على الساحة الدولية مجدداً، إلا في أواخر الستينيات.

 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2017/01/07   ||   القرّاء : 441


 
 

 

 

البحث في الموقع :


  

 

جديد الموقع :



 معرفة الله

 الدين وحده الذي يروض النفس

  الإحسان إلى الوالدين

  الإحسان

  اكل المال بالباطل

  أذية المؤمن

 حسن العشرة ولين الجانب

  حكمة بالغة للإمام زين العابدين (ع)

  التكافل الإجتماعي

  كيف أصبحت ؟

 

مواضيع عشوائية :



  بصيرة فى قلب

 الكلمة الطيبة صدقة وحسنة

 لإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام

 لمحات عن الحياة في عصر المهدي عليه السلام

 لعبيد والأحرار

 المراتب الوجودية للقرآن

 لا للتفريط ولا للإفراط نعم للاعتدال والتوازن

 جمع كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام ؟

  الصوم فلسفته و احكامه

 الصوم فضله وآثاره وآدابه

 

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 20

  • عدد المواضيع : 723

  • التصفحات : 2216574

  • التاريخ : 22/08/2017 - 06:17

 

إعلان :


 
 

تصميم ، برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

هيئة علماء بيروت : www.allikaa.net - info@allikaa.net